السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
4459 [ ص: 402 ] (باب منه)

وذكره النووي ، في باب (فضائل خديجة ، رضي الله عنها) .

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم النووي ، ص 198 ، 199 ج 15 ، المطبعة المصرية

(عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كمل من الرجال كثير. ولم يكمل من النساء: غير مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون. وإن فضل عائشة على النساء: كفضل الثريد على سائر الطعام ") .


(الشرح)

(عن أبي موسى) عبد الله بن قيس ، الأشعري ، (رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ كمل) بفتح الكاف والميم . ويجوز : كسر الميم وضمها . ثلاث لغات مشهورات ، والكسر ضعيف . (من الرجال كثير . ولم يكمل) بضم الميم (من النساء : غير مريم بنت عمران) أم عيسى "عليه السلام" . (وآسية) بوزن "فاعلة" : من "الأسى" وهي بنت مزاحم ، (امرأة فرعون) قيل : وكانت ابنة عمه.

وقيل غير ذلك .

قال عياض : هذا الحديث ، يستدل به من يقول : بنبوة النساء ، ونبوة [ ص: 403 ] آسية ، ومريم . والجمهور على أنهما : ليستا نبيتين ، بل هما صديقتان ، ووليتان من أولياء الله تعالى . ولفظة "الكمال" : تطلق على تمام الشيء، وتناهيه في بابه . والمراد هنا : التناهي في جميع الفضائل ، وخصال البر والتقوى .

قال : فإن قلنا : هما نبيتان ، فلا شك أن غيرهما لا يلحق بهما . وإن قلنا : وليتان ، لم يمتنع أن يشاركهما من هذه الأمة غيرهما . انتهى.

قال النووي : وهذا الذي نقله ، من القول بنبوتهما : غريب ضعيف .

وقد نقل جماعة : الإجماع على عدمها. والله أعلم . انتهى.

قال في الفتح : المراد من الحديث : كمال غير الأنبياء . فلا يتم به الدليل على ذلك، لأجل ذلك.

قال القسطلاني : واستشهد بعضهم - لنبوة مريم - : بذكرها في "سورة [ ص: 404 ] مريم" مع الأنبياء ، وهو قرينة . قال: وقد اختلف في نبوة نسوة غيرهما : كحواء ، وسارة . قال السبكي : ولم يصح - عندنا في ذلك شيء . (وإن فضل عائشة ( بنت أبي بكر الصديق ، رضي الله عنهما . "وهذا القدر الخ" رواه مسلم أيضا ، من حديث "أنس بن مالك" رضي الله عنه .

(على النساء : كفضل الثريد على سائر الطعام) .

قال العلماء : معناه : أن "الثريد" من كل طعام : أفضل من المرق . فثريد اللحم : أفضل من مرقه بلا ثريد . وثريد ما لا لحم فيه : أفضل من مرقه .

والمراد بالفضيلة : نفعه ، والشبع منه ، وسهولة مساغه ، والالتذاذ به ، وتيسر تناوله ، وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة ، وغير ذلك . فهو أفضل من المرق كله ، ومن سائر الأطعمة . وفضل " عائشة " على النساء : زائد كزيادة فضل الثريد على غيره ، من الأطعمة .

قال النووي : وليس في هذا : تصريح بتفضيلها على : مريم ، وآسية . لاحتمال أن المراد : تفضيلها على نساء هذه الأمة . انتهى .

وعبارة القسطلاني : وهذا لا يلزم منه : ثبوت الأفضلية المطلقة . بل يخص بنحو : "نساء هذه الأمة" .

[ ص: 405 ] وأشار "ابن حبان" كما أفاده في الفتح - إلى أن أفضليتها التي يدل عليها هذا الحديث وغيره : مقيدة بنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم : حتى لا يدخل فيها ، مثل "فاطمة عليها السلام ، جمعا بينه وبين حديث الحاكم : "أفضل نساء أهل الجنة : خديجة ، وفاطمة" .

وفي الصحيح : لما جاءت فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ قال لها: "ألست تحبين ما أحب ؟" قالت : بلى . قال : "فأحبي هذه" . يعني : عائشة . قال التقي السبكي : وهذا الأمر لا صارف لحمله على الوجوب . وحكمه على الواحد : حكمه على الجماعة . فيلزم من هذا : وجوب محبتها على كل أحد . وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيها : ما لا يحصى من الفضل . ونطق القرآن العزيز في شأنها : بما لم ينطق به في غيرها.

وأما بقية أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم - غير خديجة - : فلا يبلغن هذه المرتبة . لكنا نعلم لحفصة بنت عمر من الفضائل : كثيرا . فما أشبه أن تكون هي بعد " عائشة " !.

والكلام في التفضيل : صعب ، ولا ينبغي التكلم إلا بما ورد ، والسكوت عما سواه وحفظ الأدب .

وقال المتولي من الشافعية : الأولى بالعاقل : أن لا يشتغل بمثل ذلك .

[ ص: 406 ] انتهى.

قلت : الاشتغال بهذا ، من إضاعة الحال فيما لا يأتي بفائدة ، ولا يعود بعائدة . وما لنا وهذا ؟! والذي يجب علينا : القصر على المورد في كل واحدة منهن . والله أعلم بمن اتقى .

التالي السابق


الخدمات العلمية