السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
5109 (باب منه)

وهو في النووي، في: (باب الصفات، التي يعرف بها في الدنيا: أهل الجنة، وأهل النار).

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي، ص 197 - 199 ج 17، المطبعة المصرية

(عن عياض بن حمار المجاشعي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال - ذات يوم - في خطبته: «ألا إن ربي أمرني: أن أعلمكم ما جهلتم، مما علمني يومي هذا؛ [ ص: 198 ] كل مال نحلته عبدا: حلال. وإني خلقت عبادي: حنفاء، كلهم. وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم. وحرمت عليهم: ما أحللت لهم. وأمرتهم، أن لا يشركوا بي: ما لم أنزل به سلطانا. وإن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم: عربهم، وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب.

وقال: إنما بعثتك؛ لأبتليك، وأبتلي بك. وأنزلت عليك: كتابا، لا يغسله الماء.

تقرؤه: نائما، ويقظان. وإن الله أمرني: أن أحرق قريشا. فقلت: رب! إذا يثلغوا رأسي، فيدعوه: خبزة.

قال: استخرجهم، كما استخرجوك. واغزهم، نغزك. وأنفق، فسننفق عليك. وابعث جيشا، نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك: من عصاك. قال: وأهل الجنة ثلاثة؛ ذو سلطان مقسط، متصدق، موفق. ورجل رحيم، رقيق القلب: لكل ذي قربى، ومسلم. وعفيف متعفف، ذو عيال. قال: وأهل النار خمسة؛ الضعيف، الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعا، لا يتبعون: أهلا، ولا مالا.

[ ص: 199 ] والخائن، الذي لا يخفى له طمع - وإن دق - إلا خانه. ورجل، لا يصبح ولا يمسي: إلا وهو يخادعك عن أهلك، ومالك». وذكر البخل - أو الكذب - «والشنظير، الفحاش»
ولم يذكر «أبو غسان» - في حديثه -: «وأنفق، فسننفق عليك»).


(الشرح)

(عن عياض بن حمار المجاشعي ؛ أن رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم ؛ قال - ذات يوم - في خطبته: «ألا إن ربي أمرني: أن أعلمكم ما جهلتم، مما علمني يومي هذا ؛ كل مال نحلته عبدا: حلال).

وفي هذا الكلام حذف أي: قال الله تعالى: كل مال أعطيته عبدا من عبادي، فهو له حلال.

والمراد: إنكار ما حرموا على أنفسهم: من السائبة، والوصيلة، والبحيرة، والحامي، وغير ذلك. وأنها لم: تصر حراما، بتحريمهم. وكل مال ملكه العبد: فهو حلال له، حتى يتعلق به حق.

وفي هذا: إشارة إلى أن الأصل في الأشياء: إباحة، حتى ينقله الدليل.

[ ص: 200 ] (وإني خلقت عبادي: حنفاء، كلهم) أي: مسلمين. وقيل: طاهرين من المعاصي. وقيل: مستقيمين، متهيئين لقبول الهداية.

وقيل: المراد حين أخذ عليهم العهد في الذر، وقال ألست بربكم قالوا بلى . والأول: أولى: (وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم). هكذا هو في نسخ بلاد النووي: بالجيم. وكذا نقله عياض: عن رواية الأكثرين. وفي رواية «أبي علي الغساني»: «فاختالتهم» بالخاء. قال: والأول: أصح وأوضح.

أي: استخفوهم ؛ فذهبوا بهم، وأزالوهم عما كانوا عليه، وجالوا معهم في الباطل. كذا فسره الهروي، وآخرون.

وقال شمر: اجتال الرجل الشيء: ذهب به. واجتال أموالهم: ساقها، وذهب بها.

قال عياض: ومعنى «فاختالوهم» بالخاء: يحبسونهم عن دينهم، ويصدونهم عنه.

[ ص: 201 ] (وحرمت عليهم: ما أحلل لهم. وأمرتهم: أن يشركوا بي: ما لم أنزل به سلطانا. وإن الله عز وجل، نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم).

«المقت»: أشد البغض.

(عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب).

المراد بهم: الباقون على التمسك بدينهم الحق، من غير تبديل.

(وقال: إنما بعثتك. لأبتليك) أي: أمتحنك بما يظهر منك، من قيامك بما أمرتك به: من تبليغ الرسالة. وغير ذلك ؛ من الجهاد في الله حق جهاده، والصبر في الله تعالى، وغير ذلك.

(وأبتلي بك) من: أرسلتك إليهم ؛ فمنهم: من يظهر إيمانه، ويخلص في طاعاته. ومن يتخلف، ويتأبد: بالعداوة، والكفر. ومن ينافق.

والمراد: أن يمتحنه، ليصير ذلك واقعا بارزا. فإن الله تعالى، إنما يعاقب العباد: على ما وقع منهم، لا على ما يعلمه قبل وقوعه. وإلا فهو سبحانه عالم بجميع الأشياء، قبل وقوعها.

وهذا نحو قوله تعالى: ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين

[ ص: 202 ] أي: نعلمهم فاعلين ذلك، متصفين به.

(وأنزلت عليك كتابا، لا يغسله الماء). أي: محفوظ في الصدور، لا يتطرق إليه الذهاب، بل يبقى على ممر الأزمان.

(تقرؤه نائما ويقظان).

قال أهل العلم: معناه: يكون محفوظا لك، في حالتي النوم واليقظة.

وقيل تقرؤه في يسر وسهولة. والأول: أولى.

(وإن الله أمرني: أن أحرق قريشا. فقلت: رب ! إذا يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزة) أي: يشدخوه ويشجوه، كما يشدخ الخبز. أي: يكسر.

(فقال: استخرجهم، كما أخرجوك. واغزهم، نغزك): بضم النون. أي: نعينك.

(وأنفق، فسننفق عليك. وابعث جيشا، نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك: من عصاك.

قال: وأهل الجنة ثلاثة) هذا موضع ترجمة الباب: (ذو سلطان مقسط) أي: عادل، (متصدق، موفق.

[ ص: 203 ] ورجل رحيم، رقيق القلب: لكل ذي قربي، ومسلم) مجرور، معطوف على «ذي قربي».

(وعفيف متعقف ذو عيال): لا يسأل الناس إلحافا.

(قال: وأهل النار خمسة ؛ الضعيف، الذي لا زبر له): بفتح الزاي وإسكان الباء. أي: لا عقل له، يزبره ويمنعه: مما لا ينبغي.

وقيل: هو الذي لا مال له. وقيل: الذي ليس عنده، ما يعتمده.

(الذين هم فيكم تبعا، لا يتبعون) بالعين المهملة. مخفف ومشدد: من الاتباع.

وفي بعض النسخ: «يبتغون» بالباء، والغين المعجمة. أي لا يطلبون (أهلا، ولا مالا.

والخائن، الذي لا يخفى له طمع - وإن دق - إلا خانه).

قال أهل اللغة: يقال: «خفيت الشيء»: إذا أظهرته.

«وأخفيته»: إذا سترته، وكتمته. هذا هو المشهور.

وقيل: هما لغتان، فيهما جميعا. فمعنى «لا يخفى»: لا يظهر.

(ورجل لا يصبح ولا يمسي: إلا وهو يخادعك عن أهلك، ومالك).

[ ص: 204 ] وذكر البخل والكذب) هي في أكثر النسخ: «أو الكذب» بأو. وفي بعضها بالواو. والأول: هو المشهور في نسخ بلاد النووي.

وقال عياض: روايتنا عن جميع شيوخنا «بالواو»، إلا «ابن أبي جعفر» عن الطبري، فبأو. وقال بعض الشيوخ: ولعله الصواب، وبه تكون المذكورات خمسة.

(والشنظير): بكسر الشين والظاء، المعجمتين. وإسكان النون بينهما. وفسره في الحديث، بقوله: (الفحاش). وهو السيئ الخلق.

ولم يذكر «أبو غسان» في حديثه: «وأنفق، فسننفق عليك». وقد اشتمل هذا الحديث، على فوائد كثيرة ؛ منها: فضل العلم، والتعليم. وإباحة الأموال، كلها. واجتيال الشياطين: المسلمين عن دينهم. وذم الشرك بالله. وكون «قليل من أهل الكتاب»: غير ممقوت. وفيه: أن بعثته. صلى الله عليه وآله وسلم، إلى الناس: للابتلاء. وفيه: وصف الكتاب العزيز.

[ ص: 205 ] وفيه: الأمر بقتال قريش، وإخراجهم، وإعانة الله له صلى الله عليه وآله وسلم: على ذلك.

وفيه: فضل النفقة، في سبيل الله..

وفيه: بيان صفات أهل الجنة، وأهل النار: التي يعرفون بها. وهو المقصود ههنا. اللهم ! إنا نسألك: الجنة، ونعوذ بك: من النار.

التالي السابق


الخدمات العلمية