السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
فصل

الاحتجاج بأحاديث «مسلم» في صحيحه، لا يحتاج إلى النظر في رجال إسنادها، لعلو محلها في الصحة، والشهرة والقبول. وكتابه هذا تلو صحيح البخاري في غالب الأمور. وهما أصح الكتب بعد القرآن العظيم كما تقدمت الإشارة إليه.

ومن يهون أمرهما فهو مبتدع، متبع غير سبيل المؤمنين.

[ ص: 20 ] وهذه صحف الفحول من أهل العلم، تنطق بذلك، كما حررنا في مؤلفاتنا فراجعها.


كتاب له نشر العلوم طبيعة يفيدك ما تختار منها وتفهم     ففيها من الآداب ما هو فائق
وفيها هدى للناس يهديه مسلم

.

وهذا أوان الشروع في شرح مختصر «مسلم» للحافظ المنذري «رح» فأقول، وبالله أحول وأصول. قال رضي الله عنه:

بسم الله الرحمن الرحيم

بدأ بها لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«كل أمر ذي بال لا يبدأ بذكر الله فهو أقطع» وفي رواية «أجذم» وفي رواية (ببسم الله الرحمن الرحيم) .

قال النووي: روينا كل هذه في كتاب «الأربعين» للحافظ عبد القادر الرهاوي.

وروينا فيه من رواية «كعب بن مالك» ، والمشهور من رواية أبي هريرة.

وهذا الحديث حسن، رواه أبو داود وابن ماجه في سننهما، ورواه النسائي في كتابه «عمل اليوم والليلة» موصولا ومرسلا، والأول جيد. ومعنى «أقطع» ، قليل البركة، وكذلك «أجذم» ، انتهى.

وأقول: البداية «بالبسملة» في الكتاب اقتداء بالكتاب العزيز. فإن الله جل مجده افتتح الفاتحة بها، وجعلها آية منها مباركة، وكذا باقي [ ص: 21 ] السور غير سورة التوبة، فثبت أن البداية (باسم الله وذكره) في كل أمر ذي بال، قد نطق به الكتاب العزيز، وجاءنا عن الأنبياء، وورد به الأمر في حديث سيد الرسل، من آداب أمور ذات بال، لاسيما الكتابة، والله أعلم.

(الحمد لله الرحيم) أطال أهل العلم من أصناف العلماء في بيان معنى (الحمد) وحده، ورسمه، وهو مذكور في الكتب المطولة: كتفسيرنا «فتح البيان في مقاصد القرآن» ، فلا نطول الكلام بإعادة ذلك.

وقد رأيت النووي لم يتعرض بشرح قول مسلم في صحيحه: الحمد لله، وتكلم على ما بعده من العبارة.

وأما الرحيم فقد قال تعالى: وكان بالمؤمنين رحيما وقال في فاتحة الكتاب: الرحمن الرحيم وكذا في البسملة التي هي فاتحة الفاتحة وقال: تنزيل من الرحمن الرحيم وقال: في فواتح السور غير التوبة: بسم الله الرحمن الرحيم .

والرحيم: فعيل بمعنى فاعل. أي: «راحم» . وبناؤه أيضا للمبالغة: كعالم وعليم، وقادر وقدير. وإنما ذكر الرحيم ولم يذكر الرحمن لما قيل: الرحمن خاص في التسمية، عام في الفعل. والرحيم عام في التسمية، خاص في الفعل. والرحمن عم المؤمن والكافر، والرحيم اختص بالمؤمنين، لقوله تعالى: وكان بالمؤمنين رحيما .

[ ص: 22 ] الغفار لقوله تعالى: ألا هو العزيز الغفار وهو في «خير الأسامي» وفي حديث عائشة ؛ وهو: المبالغ في الستر، فلا يشهر الذنب لا في الدنيا ولا في الآخرة.

الكريم لقوله تعالى: ما غرك بربك الكريم . وهو في «خير الأسامي» وفي حديث سهل بن سعد الساعدي يرفعه [ إن الله «عز اسمه» كريم يحب مكارم الأخلاق، ويبغض سفسافها] رواه البيهقي بسنده.

والكريم هو: «النفاع» ومن كرمه: أنه يبتدي بالنعمة قبل استحقاقها، ويتبرع بالإحسان من غير استثابة، ويغفر الذنب ويعفو عن المسيء. وقد ثبت في السنة المطهرة عن كرم الله ما هو أبلغ من ذلك.

القهار لقوله تعالى: هو الله الواحد القهار وهو «في خير الأسامي» وفي حديث عائشة.

وهو الذي يقهر ولا يقهر بحال قال الخطابي:

قهر الجبابرة من عتاة خلقه بالعقوبة، وقهر الخلق كلهم بالموت.

وإنما قدم الغفار على القهار: في الذكر لما في الأول من كثرة الغفران. وفي الثاني من قلة القهر. فإن الغين المعجمة تساوي «ألفا» في العدد. والقاف يوازي «مائة» منه، «والألف» يزيد على «المائة» وقد سبقت رحمته على غضبه.

[ ص: 23 ] «مقلب القلوب والأبصار» مأخوذ من قوله سبحانه: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار وفي حلف النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ومقلب القلوب» . وفي حديث النواس بن سمعان يرفعه: «قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه» ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» .

رواه البيهقي.

(والقلب) جسم صنوبري موضوع في الجانب الأيسر من الإنسان، تحت الثدي، على مقدار إصبعين، وبصلاحه يصلح الجسد، وبفساده يفسد الجسد، كما ورد بذلك خبر في الصحيح.

وإن الله جل مجده قد جعل القلوب محلا للخواطر والإرادات والنيات، وهي مقدمات الأفعال. ثم جعل سائر الجوارح تابعة لها في الحركات والسكنات.

ودل بذلك على أن أفعالنا مقدرة لله تعالى، مخلوقة لا يقع شيء دون إرادته.

(والبصر) ضوء العين، قال تعالى: وعلى أبصارهم غشاوة ، وفي الحديث: «فبي يسمع وبي يبصر» ، وقال تعالى: تشخص فيه الأبصار أشار بذلك إلى عموم قدرته تعالى، وقدره على العباد.

«عالم الجهر والإسرار» أخذه من الكتاب العزيز قال تعالى:

[ ص: 24 ] عالم الغيب والشهادة ، وفي الحديث: «قل اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، رب كل شيء ومليكه» رواه البيهقي عن أبي هريرة.

(والعالم) هو مدرك الأشياء على ما هي به.

«أحمده حمدا دائما بالعشي والإبكار» .

(العشي) هو من بعد زوال الصباح، وفيه أربع صلوات.

(والإبكار) من الفجر إلى الزوال، وفيه صلاة واحدة.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنجي قائلها من عذاب النار) .

أتى بالشهادة بعد حمده سبحانه وتعالى، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله» ، الحديث متفق عليه. وفي حديث أبي هريرة يرفعه «الإيمان بضع وسبعون شعبة: فأفضلها: قول: لا إله إلا الله» وهذا أيضا متفق عليه. وعن ابن عمر يرفعه «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، الحديث، وهو متفق عليه. وفي حديث ابن عباس يرفعه «أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» ، الحديث، متفق عليه، ولفظه للبخاري. وفي حديث أنس يرفعه: [ ص: 25 ] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معاذ: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار» ، الحديث، متفق عليه.

وفي حديث أبي ذر يرفعه: «ما من عبد قال، لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق ؟ قال: «وإن زنى وإن سرق. الحديث، وهو متفق عليه.

وفي آخره: «على رغم أنف أبي ذر» ، وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: «وإن رغم أنف أبي ذر» وفي حديث متفق عليه عن عبادة بن الصامت يرفعه: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته» ، كلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» .

وعنه عند مسلم مرفوعا: «من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار» ، وعن عثمان يرفعه: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» رواه مسلم.

وفي حديث معاذ بن جبل: «قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفاتيح الجنة: شهادة أن لا إله إلا الله» رواه أحمد.

وفي الباب أحاديث يطول ذكرها، وفيما ذكرناه مقنع وبلاغ، وبالله التوفيق، وهو المستعان وعليه التكلان، (وأشهد أن محمدا نبيه المختار، ورسوله المجتبى من أشرف نجار) .

تقدم دليل ذلك آنفا «والمختار» اسم من أسمائه «مفعول» من «الاختيار» ، وهو الاصطفاء، كما في الصحاح.

روى الدارمي عن كعب [ ص: 26 ] الأحبار (قال في السطر الأول من التوراة: محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة» وأصله في البخاري والدارمي.

وكذلك «المجتبى» اسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم «مفعول» من «الاجتباء» وهو الاصطفاء كما في الصحاح.

والكلام على «حد» النبي «ورسم» الرسول معروف لا يحتاج إلى الذكر. ووصفه صلى الله عليه وسلم (بأبي هو وأمي) بكونه من أشرف نجار.

يدل عليه حديث أبي هريرة «قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت منه، رواه البخاري.

وعن واثلة بن الأسقع «قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» رواه مسلم.

فثبت بهذا أنه صلى الله عليه وسلم بعث من أشرف نجار «صلى الله عليه وعلى أهله و أزواجه وأصحابه الجدراء بالتعظيم والإكبار» .

«الجدراء» جمع «جدير» يعني: هم أحق وأليق بذلك.

والكلام على معنى الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وصحبه معروف وقد ذكرنا طرفا منه في كتابنا «موائد العوائد من عيون الأخبار والفوائد» فلا نعيده ها هنا.

(صلاة دائمة باقية بقاء الليل والنهار) وهذه عبارة تفصح عن طول المدة وعن آخر الدهر [ ص: 27 ] وبعد: فهذا كتاب اختصرته من صحيح الإمام أبي الحسين: مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاد «القشيري» نسبا «النيسابوري» وطنا: نسبة إلى «قشير» مصغرا ؛ قبيلة معروفة من العرب.

«و نيسابور» بلد، بخراسان، معروف بالحسن والعظمة.

«و مسلم» أحد أئمة هذا الشأن وكبار المبرزين فيه.

رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر، وسمع من أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والقعنبي، ويحيى النيسابوري ؛ وغيرهم، وقدم «بغداد» غير مرة، فروى عنه أهلها وروى عنه أبو حاتم الرازي وأبو عيسى الترمذي وابن خزيمة وأبو عوانة وآخرون.

وقد رأى أبو حاتم الرازي «مسلما» في المنام، وسأل عن شأنه فقال: إن الله تبارك وتعالى أباح الجنة لي، أتبوأ منها حيث أشاء.

ورئي أبو علي الزاغوني في المنام، وسئل «بما نجوت؟» قال: بهذا الجزء الذي بيدي: فإذا هو جزء من صحيح مسلم.

قلت: وهذا شرح مني لمختصره هذا، فأرجو من الله أن ينجيني به في الدنيا والآخرة مما أخاف منه فيهما.وما ذلك عليه بعزيز.

«والعفو» يرجى من بني آدم فكيف لا يرجي من الرب؟

قيل: سبب موت «مسلم» أنه عقد له مجلس للمذاكرة، فذكر له حديث فلم يعرفه، فانصرف إلى منزله، فقدمت له «سلة تمر» فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة تمرة، فأصبح وقد فني التمر، ووجد الحديث فمات بسبب الأكل الكثير، ولا يخلو ذلك عن غرابة.

وبالجملة كان وفاته «رحمه الله تعالى» ، في سنة 261 «بنصر آباد» ظاهر مدينة «نيسابور» [ ص: 28 ] وعمره خمس وخمسون «رضي الله عنه» ، وأرضاه، وجعل الفردوس منزله ونزله ومأواه «اختصارا» مصدر لقوله: «اختصرته» (يسهله على حافظيه، ويقربه للناظر فيه) صفات لقوله: «اختصارا» .

وإنما اختصره لفوائد منها: أن ضبط القليل من هذا الشأن وإتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير منه، ولاسيما عند من لا تمييز عنده من العوام، إلا بأن يوقفه على التمييز غيره.

وإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا، فالقصد منه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم ؛ وإنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن، وجمع المكررات منه، لخاصة من الناس، ممن رزق فيه بعض التيقظ والمعرفة بأسبابه وعلله، فذلك إن شاء الله يهجم مما أوتي من ذلك على الفائدة في الاستكثار من جمعه.

فأما العوام الذين هم بخلاف معاني الخاص من أهل التيقظ والمعرفة، فلا معنى لهم في طلب الكثير، وقد عجزوا عن معرفة القليل.

وما قل وكفى خير مما كثر وألهى.

«ورتبته ترتيبا يسرع بالطالب إلى وجود مطالبه» ومقاصده ومآربه «في مظنته» ومحله ومقامه.

«وقد تضمن» هذا المختصر «مع صغر حجمه جل مقصود الأصل» الصحيح الثابت في العبادات والعادات والمعاملات، والترغيبات والترهيبات، وغير ذلك من صنوف السنن والأحكام، التي اشتمل عليها الأصل.

[ ص: 29 ] وهكذا تضمن هذا الشرح «مع إيجازه واختصاره في العبارة واقتصاره في ذكر الأدلة على الإشارة» جل تحقيقات المحدثين، وتنقيحات المبرزين في علوم الدين.

وإلى الله سبحانه أرغب في أن ينفعني به وقاريه، وكاتبه والناظر فيه، إنه قريب مجيب» وهذا دعاء للبرية شامل، أفاض الله علينا من بركات هذا الدعاء، وصاننا عن شرور القدر والقضاء.

وهذا المختصر العالي القدر، جمعه الشيخ الإمام العالم المتقن الحافظ الناقد الضابط [ زكي الدين - أبو محمد - عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد بن سعيد المنذري المصري ] «رضي الله عنه» وهو صاحب «الترغيب والترهيب» .

ولد سنة 551 وتوفي سنة 656؛ قرأ وتأدب على جماعة من أهل العلم وسمع منهم وبرع؛ وخرج لنفسه «معجما» ، روى عنه الدمياطي وابن دقيق العيد وخلق كثير؛ ودرس بالجامع الظافري بالقاهرة؛ ثم ولي مشيخة دار الحديث الكاملية؛ وانقطع بها نحوا من عشرين سنة.

ومن تلامذته «القاضي ابن خلكان» ، كما أفصح بذلك في كتابه «وفيات الأعيان» ، ولكن لم يذكر له فيه ترجمة. وهذا من عجائب الزمان.

وهذا الشرح لهذا المختصر المنذري، مختصر كالمشروح، جمعه هذا العبد المولد في سنة 1248 من أهل بلدة «قنوج» من بلاد الهند.

وهو اليوم ابن خمسين سنة.

عفا الله عنه ما جناه، واستعمله فيما يحبه [ ص: 30 ] ويرضاه. وجعل أخراه خيرا من أولاه. وهنا تم الكلام على ديباجة المختصر.

وشرع المنذري بعدها في كتاب «الإيمان» وأما النووي فقد ترجم بقوله: «باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم» وشرح فيه أحاديث وردت في ذلك عند «مسلم» في ديباجة صحيحة ؛ منها حديث علي «رضي الله عنه» «قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار» ؛ ومنها حديث أنس يرفعه «من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار، ومثله عن أبي هريرة مرفوعا. وزاد المغيرة في رواية «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد ؛ فمن كذب علي متعمدا الخ» ثم قال «باب النهي عن الحديث بكل ما سمع» وفيه عن حفص بن عاصم «قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» وروي عن أبي هريرة يرفعه بمثل ذلك. وفي رواية عن عمر بن الخطاب مرفوعا «بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع» وقال ابن وهب «قال لي مالك: اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع، وقال عبد الرحمن بن مهدي: لا يكون الرجل إماما يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع. وقال ابن مسعود: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.

ثم قال «باب النهي عن الرواية عن - الضعفاء - والاحتياط في تحملها» وهذا لفظ النووي.

والذي وجد في متن الصحيح «باب في الضعفاء والكذابين ومن [ ص: 31 ] يرغب عن حديثهم» .

وفي هذا الباب أحاديث منها؛ حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم» وعنه يرفعه بلفظ «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتونكم» ثم قال: «باب بيان أن الإسناد من الدين، وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات، وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب، وأنه ليس من الغيبة المحرمة، بل من الذب عن الشريعة المكرمة» ، وفيه آثار من الصحابة ومن بعدهم وأقوال من أهل العلم.

ثم في صحيح مسلم ما لفظه «باب الكشف عن معائب رواة الحديث وناقلي الأخبار وقول الأمة في ذلك» ، وزاد عليه النووي فرعا في جملة المسائل والقواعد التي تتعلق بهذا الباب.

ثم قال: «باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن إذا أمكن لقاء المعنعنين ولم يكن فيهم مدلس وليس في البحث عن هذا كله كثير فائدة في هذا الشرح المختصر فقد قضى عنه الوطر النووي وغيره من أهل العلم بالحديث وأصوله وأسانيده. بل الذي ينبغي في هذا الموضع أن نشرع في شرح «كتاب الإيمان» ، الذي عقده «الماتن» والنووي والمنذري.

بعد ما وصفنا نقول:

التالي السابق


الخدمات العلمية