السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
1404 [ ص: 169 ] (باب في الإنصات للخطبة)

وذكره النووي في: (كتاب الجمعة) .

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 137 ج 6 المطبعة المصرية

[عن ابن شهاب . أخبرني سعيد بن المسيب; أن أبا هريرة أخبره; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت" ].


(الشرح)

وفي رواية: "فقد لغيت" . قال أبو الزناد: هي لغة أبي هريرة. وإنما هو: "فقد لغوت" .

قال أهل اللغة: يقال: "لغا يلغو" ، "كغزا يغزو" . ويقال: "لغي يلغى" ، "كعمي يعمى" . لغتان: الأولى أفصح.

وظاهر القرآن يقتضي هذه الثانية، التي هي لغة أبي هريرة.

قال الله تعالى: والغوا فيه

وهذا من "لغي يلغى" . ولو كان من الأول لقال: "والغوا" بضم الغين.

[ ص: 170 ]

قال ابن السكيت: ومصدر الأول: "اللغو" . ومصدر الثاني: اللغي ومعنى "لغوت" : قلت اللغو. وهو الكلام الملغي، الساقط، الباطل، المردود.

وقيل: "قلت غير الصواب" .

وقيل: "تكلمت بما لا ينبغي" .

وبالجملة; ففي الحديث النهي عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة.

ونبه بهذا على ما سواه؛ لأنه إذا قال له: "أنصت" . وهو في الأصل: أمر بمعروف، وسماه "لغوا" ، فغيره من الكلام أولى.

وإنما طريقه إذا أراد نهي غيره عن الكلام، أن يشير إليه بالسكوت إن فهمه.

فإن تعذر فهمه، فلينهه بكلام مختصر، لا يزيد على أقل ممكن.

واختلف أهل العلم في الكلام، هل هو حرام، أو مكروه كراهة تنزيه؟ وهما قولان للشافعي.

وقال مالك، وأبو حنيفة، وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة.

وحكي عن النخعي، والشعبي، وبعض السلف: أنه لا يجب إلا إذا تلي فيها القرآن.

وأقول: تحريم الكلام حال الخطبة، هو مقتضى الأدلة: كحديث الباب، وهو في الصحيحين.

[ ص: 171 ] وأخرجه أحمد، وأبو داود، من حديث علي. وزادا فيه: "ومن لغي فلا جمعة له" . وفي إسناده رجل مجهول.

ولكنه قد أخرج معنى هذه الزيادة: أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار، والطبراني في "الكبير" ، من حديث ابن عباس:

(قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له: أنصت، ليس له جمعة" . وفي إسناده: "مجالد بن سعيد" ، وفيه. مقال خفيف.

وأخرج أحمد، والطبراني، من حديث أبي الدرداء: (أنه قال: إذا سمعت إمامك يتكلم، فأنصت حتى يفرغ) .

وفي الباب أحاديث، وكلها تدل على تحريم الكلام.

وبه قال الشوكاني القاضي الإمام، (طاب ثراه) .

قال النووي : واختلفوا إذا لم يسمعوا الإمام، هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟

فقال الجمهور: يلزمه.

وقال النخعي، وأحمد: لا يلزمه. انتهى

قلت: والصحيح المختار، مذهب الجمهور، لأن الحديث لم يفصل. والله أعلم.

قال في "السيل الجرار" : والاعتبار للاستماع لا للسماع.

[ ص: 172 ] فمن وقف حيث ينتهي به الوقوف، وكان لا يسمع، أو كان أصم، أو كان صوت الخطيب خفيا، فالمستمع كالسامع.

التالي السابق


الخدمات العلمية