السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
1428 (باب في قوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما )

وهو في النووي في: (كتاب الجمعة) .

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 150- 151 ج6 المطبعة المصرية

[ (عن جابر بن عبد الله) رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام ، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما الآية. ]


[ ص: 175 ] (الشرح)

وفي رواية أخرى: "اثنا عشر رجلا . فيهم أبو بكر وعمر" .

وفي أخرى: "أنا فيهم" .

وفيه: منقبة هؤلاء، وأن الخطبة تكون من قيام.

والإبل التي تحمل الطعام، أو التجارة، تسمى: "عيرا" .

وذكر أبو داود في "مراسيله" : أن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم هذه، التي انفضوا عنها، إنما كانت بعد صلاة الجمعة.

وظنوا أنه لا شيء عليهم، في الانفضاض عن الخطبة.

وأنه قبل هذه القضية، إنما كان يصلي قبل الخطبة.

قال عياض : هذا أشبه بحال الصحابة، والمظنون بهم أنهم ما كانوا يدعون الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

ولكنهم ظنوا جواز الانصراف، بعد انقضاء الصلاة.

قال: وقد أنكر بعض العلماء، كون النبي صلى الله عليه وسلم ما خطب قط ، بعد صلاة الجمعة لها. انتهى.

وفي حديث كعب بن عجرة: (قال: دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث، يخطب قاعدا، وقد قال الله تعالى: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) .

[ ص: 176 ]

وفي هذا إنكار المنكر على ولاة الأمور، إذا خالفوا السنة.

ووجه استدلاله بالآية: أن الله تعالى أخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما، وقد قال تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، مع قوله تعالى: واتبعوه .

وقوله: وما آتاكم الرسول فخذوه ، مع قوله صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي .

قال النووي : وفيه (أي: في حديث الباب) دليل لمالك وغيره، ممن قال: "تنعقد الجمعة باثني عشر رجلا".

وأجاب أصحاب الشافعي وغيرهم، ممن يشترط "أربعين": بأنه محمول على أنهم رجعوا، أو رجع منهم تمام أربعين، فأتم بهم الجمعة. انتهى.

وأقول: هذا الاشتراط لهذا العدد، لا دليل عليه قط.

وهكذا اشتراط ما فوقه، وما دونه، من الأعداد.

وأما الاستدلال بأن (الجمعة) أقيمت في وقت كذا، أو عدد من حضرها كذا، فهذا استدلال باطل، لا يتمسك به من يعرف كيفية الاستدلال.

[ ص: 177 ]

ولو كان هذا صحيحا لكان اجتماع المسلمين معه صلى الله عليه وسلم في سائر الصلوات، دليلا على اشتراط العدد.

والحاصل: أن صلاة الجماعة قد صحت بواحد مع الإمام، وصلاة الجمعة هي صلاة من الصلوات.

فمن اشترط فيها زيادة على ما تنعقد به الجماعة، فعليه الدليل، ولا دليل.

وقد عرفناك غير مرة: أن الشروط إنما تثبت بأدلة خاصة، تدل على انعدام المشروط عند انعدام شرطه.

فإثبات مثل هذه الشروط بما ليس بدليل أصلا، فضلا عن أن يكون دليلا على الشرطية، مجازفة بالغة، وجرأة على التقول على الله ورسوله، وعلى شريعته.

والعجب من كثرة الأقوال في تقدير العدد، حتى بلغت خمسة عشر قولا ليس على شيء منها دليل يستدل به قط، إلا قول من قال: إنها تنعقد جماعة الجمعة، بما ينعقد به سائر الجماعات.

وقد حققنا هذه المسألة في كتابنا: "الروضة الندية" وغيرها، تحقيقا شافيا. فراجع.

التالي السابق


الخدمات العلمية