السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
1464 (باب صلاة اليدين قبل الخطبة)

وهو في النووي في الكتاب المتقدم.

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص171-173 ج6 المطبعة المصرية

[عن ابن عباس. قال: شهدت صلاة الفطر مع نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب .

قال: فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم. حتى جاء النساء ومعه بلال، فقال: [ ص: 196 ] "يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا" فتلا هذه الآية حتى فرغ منها، ثم قال، حين فرغ منها: "أنتن على ذلك؟" فقالت امرأة واحدة، لم يجبه غيرها منهن: نعم. يا نبي الله! لا يدرى حينئذ من هي؟

قال: "فتصدقن". فبسط بلال ثوبه. ثم قال: هلم! فدى لكن أبي وأمي! فجعلن يلقين الفتخ، والخواتم، في ثوب بلال
].


(الشرح)

(عن ابن عباس ) رضي الله عنهما، قال: (شهدت صلاة الفطر مع نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان) . رضي الله عنهم.

(فكلهم يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب) .

فيه: دليل لمذهب العلماء كافة؛ أن خطبة العيد بعد الصلاة.

قال عياض : هذا هو المتفق عليه، من مذاهب علماء الأمصار، وأئمة الفتوى. ولا خلاف بين أئمتهم فيه. وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين بعده.

إلا ما روي أن: " عثمان " في شطر خلافته الأخير، قدم الخطبة؛ لأنه رأى من الناس من تفوته الصلاة.

[ ص: 197 ] وروي مثله عن عمر، وليس بصحيح.

وقيل: أول من قدمها " معاوية ".

وقيل: " مروان " بالمدينة، في خلافة معاوية .

وقيل: " زياد " بالبصرة، في خلافة معاوية .

وقيل: فعله ابن الزهري، في آخر أيامه. انتهى.

أقول: كون الخطبتين بعد الصلاة، هو الثابت عنه صلى الله عليه وسلم ليلة في الأحاديث الصحيحة.

وأما كونهما قبل الصلاة من بعض السلف، فلا حجة فيه، ولا مصلحة فيما يخالف السنة، المحكمة الصريحة.

وأما كونهما مندوبتين. فلما أخرجه النسائي، وأبو داود، وابن ماجة؛ من حديث عبد الله بن السائب:

(قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم "العيد". فلما قضى الصلاة قال: "إنا نخطب. فمن أحب أن يجلس فليجلس، ومن أحب أن لا يجلس فليذهب".)

قال الشوكاني : وهذا الحديث، هو من الأحاديث المسلسلة بيوم العيد وقد رويته مسلسلا، بإسنادي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، في مجموعي الذي سميته: (بإتحاف الأكابر، بإسناد الدفاتر) . انتهى.

[ ص: 198 ] قلت: ولي روايته عنه (رضي الله عنه) ، هكذا مسلسلا. ولله الحمد.

ولم يرد في افتتاح خطبة العيدين بالتكبيرات، دليل يصلح للتمسك به.

وأما ما رواه ( البيهقي ) عن عبد الله بن عتبة: (أنه قال: من السنة أن يفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع تكبيرات تترى) ؛ فقال الشوكاني : إن أراد سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث مرسل.

وإن أراد سنة بعض الصحابة، فلا تقوم بذلك الحجة. إلا أن يكون إجماعا منهم.

قال ابن القيم : وأما قول كثير من الفقهاء بأنه: تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وخطبة العيد بالتكبير، فليس معهم فيها سنة من النبي صلى الله عليه وسلم.

والسنة تقتضي خلافها، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد. انتهى.

وكذا قولهم: في فصول الأولى من خطبة الأضحى: التكبير المأثور، فلم يؤثر في ذلك شيء ألبتة.

فإن أرادوا: أنه يستحب في فصول هذه الخطبة، تكبير التشريق، فهو لم يؤثر في خطبة العيد قط.

ولم يثبت في ذكر حكم "الفطرة"، (في خطبة عيد الفطر) شيء.

لكنه إذا فعل الخطيب ذلك، فهو من البيان الذي شرعه الله تعالى، مع كون ذلك مزيد اختصاص بهذا اليوم.

[ ص: 199 ] وهكذا ذكر حكم الأضحية، وما يجزئ منها وما لا يجزئ، وبيان وقتها، وما ينبغي للمضحي أن يفعله في أضحيته.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه خطب يوم الأضحى: فذكر مشروعية النحر بعد الصلاة، وأن من نحر قبل الصلاة فليست بأضحية.

وتجزئ الخطبة من "المحدث"، لعدم الدليل على أن يكون (الخطيب) متطهرا.

وأما كون الإنصات مندوبا، فلكون سامع الموعظة، ينبغي له أن يفهمها.

وإذا اشتغل بكلام، ولم ينصت، لم يفهمها.

فهو إنما يحسن من هذه الحيثية، لا من حيث الدليل؛ فإنه لم يرد في (خطبة العيد) ، ما يدل على ذلك.

ولا ورد ما يدل على المتابعة في التكبير.

ولا ما يدل "في خصوص خطبة العيد"، على المتابعة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

ولكنه ورد: ما يدل على مشروعية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، عند ذكره.

وهو أعم من أن يكون في خطبة العيد، أو في غيرها.

ولم يخص إلا خطبة (الجمعة) : بوجوب الإنصات فيها، فليعلم.

(قال: فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم، كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده) .

هو بكسر اللام المشددة. أي: بأمرهم بالجلوس.

[ ص: 200 ] قال عياض : هذا النزول كان في أثناء الخطبة. وليس كما قال.

إنما نزل إليهن بعد فراغ خطبة العيد، وبعد انقضاء وعظ الرجال.

وقد ذكره مسلم صريحا، في حديث جابر، قال: "فصلى ثم خطب الناس، فلما فرغ، نزل فأتى النساء، فذكرهن".

فهذا صريح في: أنه أتاهن، بعد فراغ خطبة الرجال.

(ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء، ومعه بلال. فقال: يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا .

فتلا هذه الآية حتى فرغ منها، ثم قال حين فرغ منها: "أنت على ذلك؟") .

وفي رواية عنه: (فرأى أنه لم يسمع النساء، فأتاهن فذكرهن ووعظهن. وأمرهن بالصدقة، وبلال قائل بثوبه، فجعلت المرأة تلقي الخاتم والخرص، والشيء) .

وفيه: استحباب وعظ النساء، وتذكيرهن الآخرة، وأحكام الإسلام، وحثهن على الصدقة.

وهذا، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة، وخوف على الواعظ، أو الموعوظ، أو غيرهما.

[ ص: 201 ] وفيه: أن النساء، إذا حضرن صلاة الرجال ومجامعهم، يكن بمعزل عنهم؛ خوفا من فتنة، أو نظرة، أو فكر، ونحوه.

وفيه: أن صدقة التطوع، لا تفتقر إلى إيجاب وقبول .

بل تكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال، من غير كلام منهن، ولا من بلال، ولا من غيره.

وهذا هو الصحيح. وبه جزم المحققون.

(فقالت امرأة واحدة، لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله! لا يدري حينئذ من هي؟) .

هكذا في جميع نسخ مسلم: "حينئذ". وكذا نقله (القاضي) عن جميع النسخ. قال هو وغيره: وهو تصحيف.

وصوابه: لا يدري حسن من هي؟ وهو حسن بن مسلم، راويه عن طاوس، عن ابن عباس .

ووقع في البخاري على الصواب، من رواية إسحاق، ونصر، عن عبد الرزاق : (لا يدري حسن من هي؟)

قال النووي : ويحتمل تصحيح "حينئذ". ويكون معناه لكثرة النساء، واشتمالهن ثيابهن: لا يدري من هي؟

(قال: " فتصدقن"، فبسط بلال ثوبه ثم قال: هلم فدى لكن [ ص: 202 ] أبي وأمي) مقصور، بكسر الفاء وفتحها. والظاهر: أنه من كلام بلال.

(فجعلن يلقين الفتخ، والخواتم في ثوب بلال) .

"الفتخ" بفتح الفاء، والخاء المعجمة. واحدها: " فتخة ". كقصبة وقصب. واختلف في تفسيرها:

ففي صحيح البخاري : عن عبد الرزاق قال: هي "الخواتيم العظام".

وقال الأصمعي : هي "خواتيم لا فصوص لها".

وقال ابن السكيت : "خواتيم تلبس في أصابع اليد".

وقال ثعلب : وقد يكون في أصابع الواحد من الرجال.

وقال ابن دريد : وقد يكون لها فصوص.

وتجمع أيضا: "فتخات". وأفتاخ.

"والخواتيم": جمع "خاتم". وفيه أربع لغات؛ فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخيتام.

وفي هذا الحديث: جواز صدقة المرأة من مالها، بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذلك على "ثلث" مالها. هذا مذهب الجمهور.

وقال مالك: لا يجوز الزيادة على ثلث مالها، إلا برضاء زوجها.

ودليل الجمهور من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسألهن: أستأذن أزواجهن في ذلك أم لا؟ [ ص: 203 ] وهل هو خارج من الثلث أم لا؟

ولو اختلف الحكم بذلك لسأل.

وأشار القاضي، إلى الجواب عن مذهبهم: بأن الغالب حضور أزواجهن، فتركهم الإنكار يكون رضاء بفعلهن.

قال النووي : وهذا الجواب ضعيف، أو باطل؛ لأنهن كن معتزلات، لا يعلم الرجال من المتصدقة منهن من غيرها؟ ولا قدر ما يتصدق به.

ولو علموا، فسكوتهم ليس إذنا.

وفي الباب: أحاديث كثيرة صحيحة، بطرق وألفاظ عند مسلم، في صحيحه.

التالي السابق


الخدمات العلمية