السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

صفحة جزء
1115 (باب ما تقصر فيه الصلاة من السفر)

وهو في النووي في "الكتاب المتقدم".

(حديث الباب)

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 199 - 200 جـ5 المطبعة المصرية

[عن محمد بن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، سمعا أنس بن مالك يقول: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا، وصليت معه العصر، بذي الحليفة: ركعتين .]

وفي رواية أخرى: (صلى الظهر بالمدينة أربعا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين ) .


(الشرح)

قال النووي : بين المدينة وذي الحليفة، ستة أميال. ويقال: سبعة.

هذا ما احتج به أهل الظاهر: في جواز القصر في طويل السفر، وقصيره.

وقال الجمهور: لا يجوز القصر، إلا في سفر يبلغ مرحلتين.

[ ص: 233 ] وقال أبو حنيفة، وطائفة: شرطه: ثلاث مراحل. واعتمدوا في ذلك آثارا عن الصحابة.

قال: وأما هذا الحديث، فلا دلالة فيه لأهل الظاهر:

لأن المراد: أنه حين سافر صلى الله عليه وسلم إلى مكة، في حجة الوداع، صلى الظهر بالمدينة أربعا. ثم سافر فأدركته العصر وهو مسافر بذي الحليفة، فصلاها ركعتين.

وليس المراد: أن " ذي الحليفة " كان غاية سفره. فلا دلالة فيه قطعا.

وأما ابتداء القصر، فيجوز من حين يفارق بنيان بلده أو خيام قومه، إن كان من أهل الخيام.

هذا جملة القول فيه وتفصيله مشهور في كتب الفقه. انتهى.

وأقول: هذه المسألة، قد اضطربت فيها الأقوال وكثرت فيها مذاهب الرجال. حتى حكى ابن المنذر في ذلك نحو عشرين قولا.

وقد ثبت حديث الباب، في الصحيحين. وهذا يدل على أن الخارج لسفر، يقصر الصلاة إذا خرج من بلده، قدر ما بين المدينة وذي الحليفة. وهو ستة أميال.

ولكن هذا لا يدل على عدم القصر، فيما دون هذه المسافة، لما ثبت في صحيح مسلم وغيره، عن أنس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال (أو ثلاثة فراسخ) ، صلى ركعتين".

[ ص: 234 ] وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي سعيد : (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر فرسخا، قصر الصلاة) .

والحاصل: أن هذه التقديرات، لا تدل على عدم جواز القصر فيما دونها. مع كونها محتملة: أن يكون قاصدا لسفر، هو خلف ذلك المقدار، ويكون ذلك هو منتهى سفره.

فالواجب: الرجوع إلى ما يصدق عليه، أنه سفر. وأن القاصد إليه مسافر.

ولا ريب أن أهل اللغة، يطلقون: "اسم المسافر" على من شد رحله، وقصد الخروج عن وطنه، إلى مكان آخر.

فهذا يصدق عليه: أنه مسافر، وأنه ضارب في الأرض..

ولا يطلقون: " اسم المسافر "، على من خرج مثلا، إلى الأمكنة القريبة من بلده، لغرض من الأغراض.

فمن قصد السفر قصر إذا حضرته الصلاة، ولو كان في ميل من بلده.

وأما نهاية السفر، فلم يرد ما يدل على أن السفر الذي يقصر فيه الصلاة، هو: أن يكون المسافر، قاصدا لمقدار كذا من المسافة، فما فوقها.

وقد صح النهي للمرأة، أن تسافر بريدا. فسمى النبي صلى الله عليه وسلم كل ذلك سفرا. وأقله: "البريد". فكان القصر في البريد، واجبا.

[ ص: 235 ] ولكنه، لا ينفي ثبوت القصر، فيما دون البريد. إلا أن يثبت عند أهل اللغة، أو في لسان أهل الشرع: أن من قصد دون البريد، لا يقال له: مسافر.

وقد ذهب جماعة (منهم: ابن عمر ) : إلى أن أقل مسافة القصر ميل.

وإلى ذلك ذهب ابن حزم.

وتمام هذا البحث، في كتاب: "الفتح الرباني ". فراجعه.

والصواب: أن السفر يعم سفر طاعة، وسفر معصية.

لأن الأدلة، لم تفرق بين سفر وسفر. ومن ادعى ذلك، فعليه الدليل.

والأحاديث المطلقة، مع ظاهر القرآن: متعاضدات على جواز القصر، من حين يخرج من البلد. فإنه حينئذ يسمى مسافرا.

والتأويل، الذي ذكره النووي في حديث الباب، يرده حديث: "ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ"، وقد تقدم. وهو في مسلم أيضا.

وقد بسطنا القول على هذه المسألة، في كتاب: "الروضة الندية"، و"مسك الختام"، وغيرهما. فراجع.

وفيما ذكرناه، في هذا الموضع: مقنع وبلاغ.

التالي السابق


الخدمات العلمية