صفحة جزء
[ ص: 471 ] فصل في ختم القرآن العظيم

روي عن ابن كثير -رحمه الله- أنه كان إذا انتهى في آخر الختمة إلى قل أعوذ برب الناس قرأ سورة الحمد لله رب العالمين ، وخمس آيات من أول سورة البقرة على عدد الكوفي، وهو إلى: وأولئك هم المفلحون ؛ لأن هذا يسمى الحال والمرتحل، ومعناه: أنه حل في قراءته آخر الختمة، وارتحل إلى ختمة أخرى، وصار العمل على هذا في أمصار المسلمين في قراءة ابن كثير وغيرها.

وورد النص عن الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- أنه إذا قرأ سورة الناس، يدعو عقب ذلك، فلم يستحب أن يصل ختمته بقراءة شيء، وروي عنه قول آخر بالاستحباب.

وقد ورد الحديث الشريف عن النبي - صلى الله عليه وسلم: "أفضل الأعمال الحال المرتحل".

وروي عن ابن عباس: "أن رجلا قال: يا رسول الله! أي الأعمال [ ص: 472 ] أفضل؟ قال: "عليك بالحال المرتحل" قال: وما الحال المرتحل؟ قال: "صاحب القرآن، كلما حل ارتحل".

وروي أيضا عن ابن عباس بزيادة، وهي: يا رسول الله! وما الحال المرتحل؟ قال "فتح القرآن وختمه، صاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله، كلما حل ارتحل".

وعنه - صلى الله عليه وسلم: "أنه أمر علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن يدعو عند ختم القرآن بهذا الدعاء، وهو: "اللهم إني أسألك إخبات المخبتين، وإخلاص الموقنين، ومرافقة الأبرار، واستحقاق حقائق الإيمان، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، ووجوب رحمتك، وعزائم مغفرتك، والفوز بالجنة، والخلاص من النار".

وروي عن مجاهد: أن الدعاء عند ختم القرآن مستجاب.

وعن سفيان بن حبيب بن عميرة: إذا ختم الرجل القرآن، قبل الملك بين عينيه، وبلغ ذلك الإمام أحمد، فاستحسنه. [ ص: 473 ]

وعن الإمام البخاري أنه قال: "عند كل ختم دعوة مستجابة".

ونص الإمام أحمد على استحباب الدعاء عند الختم، وكذا جماعة من السلف، فيدعو بما أحب مستقبل القبلة، رافعا يديه، خاضعا لله -عز وجل، خاشعا بين يديه، محسنا التأدب مع الله تعالى، ولا يتكلف السجع في الدعاء، بل يجتنبه، ويثني على الله -عز وجل- قبل الدعاء وبعده، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم، ويدعو وهو متيقن الإجابة، ويمسح وجهه بيديه بعد فراغه من الدعاء.

قال الشيخ أبو سليمان الداراني - رحمه الله: إذا سألت الله حاجة، فابدأ بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم، ثم ادع بما شئت، ثم اختم بالصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - فإن الله سبحانه بكرمه يقبل الصلاتين، وهو أكرم من أن يدع ما بينهما.

قال ابن عطاء: للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات، فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز، وإن وافق أسبابه أنجح، فأركانه: حضور القلب، والرقة، والاستكانة، والخشوع، وتعلق القلب بالله وقطعه من الأسباب، وأجنحته: الصدق، ومواقيته: الأسحار، وأسبابه: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم.

اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم صل على جميع الأنبياء والمرسلين، حسبنا الله ونعم الوكيل. [ ص: 474 ]

* قال جامعه الفقير إلى رحمة ربه عبد الرحمن بن محمد العمري الحنبلي، ستره الله بحلمه، ولطف به في مواقع قضائه وقدره:

جمعته بالمسجد الأقصى الشريف -شرفه الله وعظمه- بقبة موسى -عمرها الله بذكره- تجاه باب السلسة أحد أبواب المسجد الشريف في نحو ثمانية عشر شهرا، وكان الفراغ منه في بكرة يوم الجمعة الغراء، السابع من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته من شهور سنة أربع عشرة وتسع مئة، ثم بيضته بالمحل الشريف المشار إليه، وكان الفراغ من تبييضه عند أذان الظهر من يوم الأحد الثاني والعشرين من شهر شوال المبارك سنة سبع عشرة وتسع مئة من الهجرة الشريفة النبوية المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والتحية والإكرام، والحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده، ورضي الله عن أصحابه وأولاده وأزواجه وذريته وأهل بيته أجمعين .

السابق


الخدمات العلمية