صفحة جزء
م2 - ثم اختلفوا: في السبب الذي يملك به الأولياء القسامة.

[ ص: 165 ] فقال أبو حنيفة: الموجب للقسامة وجود القتيل في موضع هو في حفظ قوم أو حمايتهم، كالمحلة، والدار، والمسجد: إذا كان في المحلة والقرية فإنه يوجب القسامة على أهلها لكن القتيل اسم لميت به أثر من جراحة أو ضرب أو خنق فهذه صفة القتيل الذي تجب فيه القسامة، ولو كان الدم يخرج من أنفه أو دبره فليس بقتيل ولو خرج من أذنه أو عينيه فهو قتيل، وفيه القسامة.

وقال مالك: السبب المعتبر في القسامة أن يقول المقتول: دمي عند فلان عمدا ويكون المقتول بالغا مسلما حرا وسواء كان فاسقا أو عدلا ذكرا أو أنثى، أو يقوم لأولياء المقتول شاهد واحد.

واختلف أصحابه في اشتراط العدالة في الشاهد، فقال ابن القاسم: من شرطه أن يكون عدلا.

وقال أشهب: ليس من شرطه العدالة، بل يقبل قوله وإن كان فاسقا.

[ ص: 166 ] وكذلك اختلفوا في المرأة: فروى ابن القاسم: أنه لا يقبل شهادة المرأة في ذلك.

وقال أشهب: بل يقبل.

ومن الأسباب الموجبة للقسامة عنده من غير خلاف عنه: بأن يوجد المقتول في مكان خال من الناس وعلى رأسه رجل شاكي السلاح مختضب بالدماء، وكذلك إذا شهد شاهدان بالجرح ثم أكل وشرب وعاش مدة بعد ذلك ثم مات، فكل ذلك موجب القسامة عنده، وكذلك إذا وجد قتال بين فئتين فانفصلوا عن قتلى فإن ولاة المقتولين يقسمون على من عينوه من الفئة الأخرى. وكل ذلك يوجب القسامة عنده.

وقال الشافعي: السبب الموجب للقسامة عنده اللوث، واللوث عنده أن يرى قتيل في محلة أو قرية وبينه وبينهم عداوة ظاهرة، لا يشارك أهل القرية أو المحلة غيره، فإن ذلك لوث بهذين الشرطين عدم أحدهما: لم يكن لوثا، ومنه أن يدخل نفر إلى دار فيتفرقون عن قتيل، فإن ذلك لوث سواء كان بينهم وبينه عداوة ظاهرة أو لم يكن، ومنه أن يزدحم الناس في موضع كالطواف ودخول الكعبة أو على مصنع أو في باب صف فوجد فيهم قتيل، ومن ذلك: أن يوجد في صحراء رجل مقتول بالجراح بقربه رجل معه سلاح أو سكين والدم على سلاحه أو ثوبه، وليس إلى جنبه غيره أو أثر، ومعنى ذلك أن لا يرى بقربه سبع أو يرى أثر الدم في غير طريق ذلك الرجل.

ومن ذلك أن يكون بين الطائفتين من المسلمين قتال فيوجد قتيل إذا انكشفوا عنه، إن كان بين الطائفتين التحام قتال فالملوث على غير طائفة، وإن لم يكن بينهم التحام قتال وكان بحيث يبلغ السهام وهم يترامون، وكذلك أيضا إذا كان بينهم بعد ولا تبلغ السهام فاللوث على طائفة.

ومن ذلك: أن يشهد شاهد عدل أن فلانا قتله، وإن شهد عبيد ونساء جماعة كان ذلك لوثا.

وفي اشتراط تفرق العبيد والنساء في الشهادة لأصحابه وجهان: وإن شهد بذلك صبيان أو فساق أو كفار فلأصحابه فيه خلاف.

وقال أحمد: لا يحكم بالقسامة إلا أن يكون بين المقتول والمدعى عليه لوث.

واختلفت الرواية عنه في اللوث: فروي عنه أن اللوث هو: العداوة الظاهرة، والعصبة خاصة، كما بين السراة والمسالمة وبين القبائل إذا طالب بعضهم بعضا بالدم وما بين أهل البغي وأهل العدل.

وهو اختيار عامة أصحابه.

ونقل عنه الميموني أن يذهب إلى القسامة إذا [ ص: 167 ] كان ثم لطخ وإن كان سبب بين وإن كان ثم عداوة وإذا كان مثل الذي ادعى عليه بفعل هذا.

ونقل عنه ابن منصور في دار بين مكاتب ومدبر وأم ولد وجد فيها قتيل يقتسمون.

فظاهر هذا اللوث وجود سبب يوجب عليه الظن أن الأمر على ما ذكره المدعي مثل: أن يوجد قتيل في صحراء، وعنده رجل بسيف مجرد ملطخ بالدماء ومثله يقتل أو يرى رجلا يحرك يده كالضارب ثم يوجد بقربه قتيل.

أو يجني شهادات من فساق ونساء وصبيان أن فلانا قتل فلانا

أو يشهد به رجل عدل أو يدخل قوم دارا فيتفرقون عن قتيل أو عداوة ظاهرة وما أشبهه ذلك.

فأما دعوى المقتول بأن فلانا قتلني فلا يكون لوثا وكذلك إذا شهد اثنان أنه قتل أحد هذين الرجلين أو قال أحد بني المقتول: قتله هذا، وقال الآخر: ما قتله هذا، فكل ذلك ليس بلوث يوجب القسامة.

فإذا وجد المقتضي للقسامة عند كل واحد منهم كما بين من أصله حلف المدعون على قاتله خمسين يمينا واستحقوا دمه إذا كان القتل عمدا عند مالك وأحمد والقديم من قول الشافعي، وفي قول الشافعي الجديد: يستحقون الدية المغلظة.

التالي السابق


الخدمات العلمية