صفحة جزء
باب

في رد الإشراك في العادات من السنة المطهرة

وهذا الباب واسع جدا وفيه فصول

فصل في بيان الإشراك في الكواكب والنجوم

عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- قال: «صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل»؛ أي: عقب مطر «فلما انصرف، أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي».

«النوء»: واحد الأنواء، وهي منازل القمر.

قال أبو السعادات: هي ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة منها منزلة، ومنه قوله تعالى: والقمر قدرناه منازل [يس: 39] وكانت العرب تزعم أن سقوط المنزلة وطلوع رقبها، يكون مطر، وينسبونه إليها، ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا. وإنما سمي نوءا؛ لأنه إذا سقط الساقط منها، ناء الطالع بالشرق؛ أي: نهض وطلع.

وروى أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والضياء في «المختارة»، عن علي -رضي الله عنه- في قوله تعالى: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون [الواقعة:82]. [ ص: 126 ] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وتجعلون رزقكم يقول: شكركم أنكم تكذبون ، تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا». وهذا أولى ما فسرت به الآية.

وروي ذلك عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، وغيرهم، وهو قول جمهور المفسرين.

وفي حديث أبي مالك الأشعري يرفعه، «أربع في أمتي من أمر الجاهلية»، وذكر منها: الاستسقاء بالنجوم. رواه مسلم.

والمراد بالاستسقاء هنا: نسبة المطر إلى النوء، وهو سقوط النجم.

كما أخرج أحمد، وابن حرب، عن جابر السوائي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول: «أخاف على أمتي ثلاثا: استسقاء بالنجوم، وحيف السلطان، وتكذيبا بالقدر».

قال بعض أهل العلم: فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا وكذا، أو بنوء كذا، فلا يخلو: إما أن يعتقد أن له تأثيرا في نزول المطر، فهذا شرك كفر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية؛ كاعتقادهم أن دعاء الميت، والغائب يجلب لهم نفعا، ويدفع عنهم ضرا. فهذا هو الشرك الذي بعث الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالنهي عنه، وقتال من فعله، كما قال تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله [البقرة: 193] والفتنة: الشرك.

وأما أن يقول: مطرنا بنوء كذا مثلا، مع اعتقاد أن المؤثر هو الله وحده، لكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، فالصحيح أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم، ولو على طريق المجاز. فقد صرح «ابن مفلح» في «الفروع» بأنه يحرم قول: «مطرنا بنوء كذا»، وجزم بتحريمه، ولم يذكر خلافا. [ ص: 127 ] وذلك أن القائل بذلك نسب ما هو فعل الله الذي لا يقدر عليه غيره إلى خلق مسخر لا ينفع ولا يضر، ولا قدرة له على شيء؛ فيكون ذلك شركا أصغر. وأصغر الشرك أكبر من جملة الكبائر، فضلا عن أكبره.

والمراد: أن الأمة ستفعل هذا الفعل، إما مع العلم بتحريمه، أو مع الجهل به، مع كونه من أعمال الجاهلية المذمومة المكروهة المحرمة.

والمراد بالجاهلية هنا: ما قبل البعث، سموا بذلك؛ لفرط جهلهم. وكل ما يخالف ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو جاهلية. فقد خالفهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كثير من أمورهم، وما أكثرها، وذلك مدرك بتدبر القرآن، ومعرفة السنة.

ولبعضهم مصنف لطيف ذكر فيه ما خالف النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل الجاهلية، فبلغ مائة وعشرين مسألة.

قال شيخ الإسلام في هذا الحديث: أخبر أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم؛ ذما لمن لم يتركه. وهذا يقتضي أن كل ما كان من أمرها وفعلها، فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها. ومعلوم أن إضافتها للجاهلية خرجت مخرج الذم، وهذا كقوله تعالى: ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى [الأحزاب: 33]. [ ص: 128 ] وفي ذلك [ذم] للتبرج، وذم لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشايعتهم في الجملة.

التالي السابق


الخدمات العلمية