صفحة جزء
[ ص: 11 ]

النصيب الأول

في بيان إثبات التوحيد، ونفي الإشراك وهو معنى: أشهد أن لا إله إلا الله

وفيه أبواب مفتحة لمن يريد الدخول فيها على وجه الصدق والصواب. [ ص: 12 ]

[ ص: 13 ] باب

في الآيات القرآنية الدالة على توحيد الله تعالى

وإن كان إخلاص التوحيد لله -عز وجل-، وقطع علائق الشرك -كائنة ما كانت- لا يحتاج لأن ينقل فيه أقوال الرجال، أو يستدل عليه بالأدلة، فإنه والأمر الذي بعث الله لأجله رسله، وأنزل فيه كتبه، وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل، ومن شك في هذا، فعليه بالتفكر في القرآن الكريم، فإنه سيجده من أعظم مقاصده، وأكبر موارده، فإن عجز عن ذلك، فلينظر في سورة من سوره.

فإن قلت: أريد منك مثالا لأقتدي به، وأمشي على طريقته، وأهتدي إلى التفكر الذي أرشدتني إليه بتقديم النظر فيه.

فنقول: ها نحن نقرب لك المسافة، ونسهل عليك ما استصعبته، ثم نذكر لك بعض آيات الكتاب العزيز على الترتيب القرآني، ونبدأ هاهنا بما بدأ الله به في كتابه.

فاعلم: أن فاتحة الكتاب العزيز التي يكررها كل مسلم في كل صلاة مرات، ويفتتح بها التالي لكتاب الله، والمتعلم له، فيها الإرشاد إلى إخلاص التوحيد في ثلاثين موضعا:

الأول: قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم [الفاتحة: 1]؛ فإن علماء المعاني والبيان ذكروا أنه يقدر المتعلق متأخرا ليفيد اختصاص البداية باسم الله تعالى لا باسم غيره،

[ ص: 14 ] وفي هذا المعنى ما لا يخفى من إخلاص التوحيد.

الثاني، والثالث: الاسم الشريف؛ أعني لفظ: «الله» -عز وجل-، فإن مفهومه -كما حققه علماء هذا الشأن- الواجب الوجود، المختص بجميع المحامد، فكأن في هذا المفهوم إشارتين إلى إخلاص التوحيد:

إحداهما: تفرده بوجوب الوجود.

وثانيتهما: اختصاصه بجميع المحامد.

فاستفيد من الاسم الشريف الذي أضيف إليه لفظ: «اسم» هذان الأمران.

الرابع: تحلية الرحمن باللام؛ فإنها من أدوات الاختصاص، سواء كانت موصولة كما هو شأن آلة التعريف إذا دخلت على المشتقات، أو لمجرد التعريف، كما يكون إذا دخلت على غيرها من الأسماء والصفات، وقد أوضح هذا المعنى أهل البيان بما لا مزيد عليه.

الخامس: اللام الداخلة على قوله: الرحيم ، والكلام فيها كالكلام في الرحمن .

السادس: اللام الداخلة على قوله: الحمد لله [الفاتحة: 2]، فإنها تفيد أن كل حمد له، ومقصور عليه، لا يشاركه فيه غيره، وفي هذا أعظم دلالة على إخلاص توحيده.

السابع: لام الاختصاص الداخلة على الاسم الشريف،

فإن مقتضى هذا أنه لا حمد لغيره أصلا، وما وقع منه لغيره، فهو في حكم العدم.

وقد تقرر أن الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري لقصد التعظيم، فلا ثناء إلا عليه، ولا جميل إلا منه، ولا تعظيم إلا له.

وفي هذا من أدلة إخلاص التوحيد ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، وما ليس عليه بمزيد. [ ص: 15 ]

الثامن، والتاسع والعاشر، والحادي عشر، والثاني عشر: قوله: رب العالمين .

فإن لفظ: «الرب» باعتبار معناه اللغوي مشعر أتم إشعار بإخلاص توحيده، هذا باعتبار معناه الإفرادي دون الإضافي.

ثم في معناه الإضافي دلالة أخرى، فإن كونه: رب العالمين يدل على ذلك أبلغ دلالة.

ثم في لفظ: «العالمين» معنى ثالث؛ فإنه قد تقرر لغة وشرعا: أن العالم هو: اسم لمن عدا الله -عز وجل-، وسواه، فيدخل في هذا كل شيء غير الله سبحانه، فلا رب غيره، وكل من عداه فهو مربوب.

ثم في تعريفه باللام معنى رابع بمثل ما قدمنا، فإنها تفيد زيادة الإخلاص، وتقرر ذلك المفهوم في هذا الموضع.

ثم في صيغة الجمع معنى خامس بزيادة تأكيد، وتقرير.

فإن العالم إن كان اسما لمن عدا الله، لم يكن جمعه إلا لمثل هذا المعنى.

وعلى فرض انهدامه باللام، فهو لا يقتضي ذهاب هذا المعنى المستفاد من أصل الجمع.

التالي السابق


الخدمات العلمية