صفحة جزء
فصل في رد شرك الرقى والتمائم

عن أبي بشير الأنصاري: أنه كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره.

قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تعيينه. فأرسل رسولا: هو زيد بن حارثة. رواه الحارث بن أسامة في «مسنده» كما قال الحافظ: «أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر» - بفتحتين -: واحد أوتار القوس.

وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر، أبدلوه بغيره، وقلدوا به الدواب ؛ اعتقادا منهم أنه يدفع عن الدابة العين «أو قلادة، إلا قطعت» رواه الشيخان في «الصحيحين».

[ ص: 224 ] والشك فيه من الراوي، هل قال شيخه: قلادة من وتر، أو قال: قلادة، وأطلق، ولم يقيد؟ ويؤيد الأول ما روي عن مالك: أنه سئل عن القلادة، فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر.

ولأبي داود: قلادة، بغير شك.

قال البغوي في «شرح السنة»: تأول مالك أمره - عليه السلام - بقطع القلائد، على أنه من أجل العين.

وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد، ويعلقون عليها لعمود، ويظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا.

وقال أبو عبيد: كانوا يقلدون الإبل الأوتار ؛ لئلا تصيبها العين، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإزالتها ؛ إعلاما لهم بأن الأوتار لا ترد شيئا. وكذا قال ابن الجوزي وغيره.

قال الحافظ: ويؤيده حديث عقبة المتقدم، وهي ما علق من القلائد خشية العين، ونحو ذلك. انتهى.

وعن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» رواه أحمد، وأبو داود. وفيه قصة.

ولفظ أبي داود: عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود: أن عبد الله رأى في عنقي خيطا، فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه، ثم قطعه، ثم قال: أنتم - آل عبد الله - لأغنياء عن الشرك. سمعت رسول الله يقول: ... إلخ

فقلت: لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي، فإذا رقى سكنت.

[ ص: 225 ] فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقى، كف عنها.

إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما».


ورواه أيضا: ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح، وأقره الذهبي، والمراد بالرقى في هذا الحديث: هي التي تسمى: العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك.

فقد رخص فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من العين والحمة. يشير إلى أن الرقى الموصوفة بكونها شركا هي التي يستعان فيها بغير الله.

وأما إذا لم يذكر فيها إلا أسماء الله تعالى وصفاته وآياته والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم فذلك جائز حسن، أو مستحب، وليس بشرك.

ويدل له حديث عوف بن مالك عند مسلم، قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله ! كيف ترى في ذلك ؟ فقال: «اعرضوا علي رقاكم ما لم يكن فيه شرك».

وفي الباب أحاديث كثيرة.

قال الخطابي: كان - عليه السلام - قد رقى، ورقي، وأمر بها، وأجازها، فإذا كانت بالقرآن، أو بأسماء الله تعالى، فهي مباحة، أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهة والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب فإنه ربما كان كفرا، أو قد لا يدخله الشرك.

قلت: ومن ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم آفات يعتقدون ذلك من قبل الجن ومعاونتهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كل اسم مجهول ليس لأحد أن [ ص: 226 ] يرقي به، فضلا أن يدعو به، ولو عرف معناه ؛ لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية.

فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارا. فليس من دين الإسلام.

وقال السيوطي: قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:

1 - أن يكون بكلام الله، أو بأسمائه وصفاته

2 - وباللسان العربي، وبما يعرف معناه.

3 - وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى. انتهى.

التالي السابق


الخدمات العلمية