صفحة جزء
منقبة الإمامين الهمامين الحسن والحسين -رضي الله عنهما-

عن البراء -رضي الله عنه-: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- والحسين بن علي على عاتقه يقول: «اللهم إني أحبه، فأحبه متفق عليه.

فيه فضل ظاهر، وكرامة باهرة له -رضي الله عنه- وليس فوق حب الله عبده شيء، اللهم ارزقنا.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: خرجت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في طائفة من النهار حتى أتى خباء فاطمة، فقال: «أثم لكع، أثم لكع؟» يعني: حسينا، فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم إني أحبه، فأحبه، وأحب من يحبه » متفق عليه. فيه الدعاء له ولنا، اللهم ارزقنا.

وعن أبي بكر -رضي الله عنه-، قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر، والحسن بن علي إلى جانبه، وهو يقبل على الناس مرة، وعليه أخرى، يقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين رواه البخاري .

فيه إخبار عن تفرق المسلمين فرقتين، فرقة مع الحسن، وفرقة مع معاوية . وكان الحسن أحق بذلك، وقد بقي ستة أشهر من ثلاثين سنة، التي بها يتم [ ص: 457 ] ما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: « الخلافة بعدي ثلاثون سنة »، فدعاه -رضي الله عنه- شفقته على أمة جده، إلى ترك الملك؛ رغبة فيما عند الله.

ودل الحديث على أن كلا الفريقين كانا على ملة الإسلام، مع كون أحدهما مصيبا، والآخر مخطئا. وصلح الحسن مع معاوية، واستقراره ودوامه على ذلك، دليل على صحة إمارته. قاله في «اللمعات». قلت: وفيه تلقيبه -رضي الله عنه- بالسيد، ولهذا يقال لبني فاطمة: السادات، والأشراف.

وعن يعلى بن مرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « حسين مني، وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط » رواه الترمذي .

السبط -بكسر السين-: ولد الولد، مأخوذ من «السبط» -بالفتح- وهو شجرة لها أغصان كثيرة، وأصلها واحد. ويطلق على القبيلة، إشارة إلى أن نسله يكون أكثر وأبقى. وقيل في تفسيره: إنه أمة من الأمم. قاله في «اللمعات» و «المرقاة». قلت: وقد وقع كما قال، ولله الحمد.

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاملا الحسين بن علي على عاتقه، فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «ونعم الراكب هو رواه الترمذي .

فيه ثناء على الحسين من جده -عليه السلام- وفضيلة له -رضي الله عنه- مع صغر سنه في ذلك الوقت.

وعنه أنه قال: رأيت النبي-صلى الله عليه وسلم- فيما يرى النائم ذات يوم بنصف النهار، أشعث، أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي، ما هذا؟ قال: «هذا [ ص: 458 ] دم الحسين وأصحابه»، ولم أزل ألتقطه منذ اليوم، فأحصي ذلك الوقت .

هذا من كلام ابن عباس؛ أي: أحفظ تاريخ ذلك الوقت من زمن الرؤيا، فأجده قتل ذلك الوقت؛ أي: فوجدته. والعدول عن الماضي إلى المضارع؛ لاستحضار الحال الغريبة. رواه البيهقي في «دلائل النبوة»، وأحمد. وفيه علم من أعلام النبوة، وفضيلة للحسين -رضي الله عنه-.

وعن أسامة بن زيد، قال: طرقت النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم: وهو مشتمل على شيء، لا أدري ما هو، فلما فرغت من حاجتي، قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه، فإذا الحسن والحسين على وركيه، فقال: «هذان ابناي»؛ أي: حكما، «وابنا ابنتي»؛ أي: حقيقة «اللهم إني أحبهما، فأحبهما، وأحب من يحبهما رواه الترمذي .

فيه بيان محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- بهما، والدعاء لهما ولمن أحبهما. اللهم اجعلنا من محبيهما، واخذل من لا يحبهما، أو يبغضهما. آمين.

وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: « هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة » هذا يشمل كل نسوة من أهلها كائنة ما كانت، « وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة » رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.

وفي حديث آخر عن أبي سعيد يرفعه: « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة » رواه الترمذي .

قال المظهر: يعني: هما أفضل من مات شابا في سبيل الله من أصحاب الجنة، أو لم يرد به سن الشباب؛ لأنهما ماتا وقد كهلا، بل ما يفعله الشباب من المروءة، كما يقال: فلان فتي، وإن كان شيخا، يشير إلى مروءتهما وفتوتهما، أو أنهما سيدا أهلها سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين. وذلك لأن أهل الجنة [ ص: 459 ] كلهم في سن واحد، وهو الشباب، وليس فيهم شيخ ولا كهل. كذا في «المرقاة».

وللشيخ العلامة عبد الخالق المزجاجي -رحمه الله- رسالة في معنى هذا الحديث سماها: «حياة النفوس المطمئنة في شرح حديث الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»، والله أعلم.

وعن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين : «أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم رواه الترمذي .

قوله: «حرب» - بفتح الحاء وسكون الراء -؛ أي: محارب، و «السلم» -بالكسر والفتح-: الصلح؛ أي: مصالح، وما في هذا الحديث من علو مرتبتهم لا يقادر قدره.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- غداة، وعليه مرط مرحل. المرط -بالكسر: كساء من صوف، أو خز يؤتزر به، وربما تلقيه المرأة على رأسها. والمرحل هو الذي نقش فيه من تصاوير الرحال، وقد يروى بجيم، وهو ما عليه صورة المراجل؛ أي: القدور، والأول هو المشهور. وأما ما قيل: المرجل: ما فيه صورة الرجال، فأبعد إلا أن يكون ذلك قبل تحريم التصاوير.

من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي، فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا رواه مسلم.

فيه إطلاق أهل البيت على الحسن والحسين وفاطمة، استدلالا بالآية الكريمة، ويدخل فيها الأزواج المطهرة دخولا أوليا؛ لأن نزول الآية فيهن.

[ ص: 460 ] وعن سعد بن أبي وقاص، قال: لما نزلت هذه الآية: ندع أبناءنا وأبناءكم ، دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي رواه مسلم.

قال في «الترجمة»: هذه الآية الشريفة يقال لها: آية المباهلة، وهي الملاعنة. وكانت عادة العرب إذا اختلف القوم فيما بينهم، وكذب بعضهم بعضا، وظلم بعضهم بعضا، يلتعنون بينهم، ويقولون: لعنة الله على الكاذب والظالم. فأمر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يباهل مع النصارى، ونزلت الآية: فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين [آل عمران: 61]، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاملا للحسن والحسين في إبطه لكونهما صغيرين، وفاطمة خلفهما، وعلي خلفها. فسبحان الله ما هذا الوقت؟!! وما ناس هذا الوقت! وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هؤلاء بأن يؤمنوا إذا دعا على النصارى. فلما رأى كبيرهم، قال: يا قوم! ويل لكم! ألا ترون هذه الوجوه؟ إن سألوا الله أن يزيل الجبال من مواضعها يزيلها سبحانه.

ماذا تجلى من الأنوار عليهم في هذا الوقت حتى أدركه الكافر الأجنبي، وخاف، فكيف بالمؤمن المحب القريب العارف بهذا النور، ماذا يكون حاله! عرفه من ذاق.

فقال كبيرهم: لا تباهلوا مع هؤلاء تهلكون وتستأصلون، فانقادوا جبرا وقهرا، وقبلوا الجزية، ولم يسلموا؛ لفقد المناسبة الباطنية.


معجزه ازبهر قول دشمن ست بوى جنسيت بئ دل بردن ست

[ ص: 461 ] قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لو باهلوا، مسخوا قردة وخنازير، ويملأ الوادي عليهم نارا، ويستأصلوا ويحترقوا، حتى الطير على الأشجار». انتهى.

قلت: وقد باهل بعض أهل العلم والمعرفة بالحق في دين الإسلام قوما مخالفين في صحاح المسائل والأحكام، ولم يثبت أحد منهم. والآية عامة: لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبه قال جمع جم من العلماء القدماء والمتأخرين. ومن قال: إنها خاصة بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وليست لغيره من بعده، فقد أبعد النجعة، ولم يأت بدليل يصار إليه.

التالي السابق


الخدمات العلمية