صفحة جزء
الرد على الصنعاني الذي دافع عن القبوريين

وأقول: هذا الكلام في التحقيق، ليس بتحقيق بالغ، بل كلام متناقض متدافع.

وبيانه: أنه لا شك أن الكفر ينقسم إلى: كفر اعتقاد، وكفر عمل.

لكن دعوى أن ما يفعله المعتقدون في الأموات من كفر العمل في غاية [ ص: 83 ] الفساد; فإنه قد ذكر في هذا البحث أن كفر من اعتقد في الأولياء كفر عملي، وهذا عجيب.

كيف يقول: كفر من يعتقد في الأولياء، ويسمي ذلك اعتقادا، ثم يقول: إنه من الكفر العملي، وهل هذا إلا التناقض البحت، والتدافع الخالص؟

انظر كيف ذكر في أول البحث: أن كفر من يدعو الأولياء، ويهتف بهم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم، ويقبل جدرانها، وينذر لها بشيء من ماله هو كفر عملي؟!!فليت شعري ما هو الحامل له على الدعاء والاستغاثة، وتقبيل الجدارات، ونذر النذورات، هل هن مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد؟ فهذا لا يفعله إلا مجنون، أم الباعث عليه الاعتقاد في البيت؟

فكيف لا يكون هذا من كفر الاعتقاد، الذي لولاه لم يصدر فعل من تلك الأفعال؟!!

ثم انظر كيف اعترف بعد أن حكم على هذا الكفر بأنه كفر عمل لا كفر اعتقاد بقوله: لكن زين له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين، ينفعون، ويشفعون. فاعتقد ذلك جهلا، كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام.

فتأمل كيف حكم بأن هذا كفر اعتقاد، ككفر أهل الجاهلية، وأثبت الاعتقاد، واعتذر عنهم بأنه اعتقاد جهل.

وليت شعري، أي فائدة لكونه اعتقاد جهل؟ فإن طوائف الكفر بأسرها، وأهل الشرك قاطبة، إنما حملهم على الكفر، ودفع الحق والبقاء على الباطل، الاعتقاد جهلا.

وهل يقول قائل: إن اعتقادهم اعتقاد علم، حتى يكون اعتقاد الجهل عذرا لإخوانهم المعتقدين في الأموات.

[ ص: 84 ] ثم تمم الاعتذار بقوله: لكن هؤلاء مثبتون للتوحيد... إلى آخر ما ذكره. ولا يخفاك أن هذا عذر باطل.

فإن إثباتهم التوحيد، إن كان بألسنتهم فقط، فهم مشتركون في ذلك، هم، واليهود والنصارى، والمشركون، والمنافقون.

وإن كان بأفعالهم، فقد اعتقدوا في الأموات ما اعتقده أهل الأصنام في أصنامهم.

ثم كرر هذا المعنى في كلامه، وجعله السبب في رفع السيف عنهم، وهو باطل، فما ترتب عليه مثله باطل، فلا نطول برده.

بل هؤلاء القبوريون قد وصلوا إلى حد في اعتقادهم في الأموات، لم يبلغه المشركون في اعتقادهم في أصنامهم.

وهو أن الجاهلية كانوا إذا مسهم الضر، دعوا الله وحده، وإنما يدعون أصنامهم مع عدم نزول الشدائد من الأمور، كما حكاه الله عنهم بقوله: وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا [الإسراء: 97] وبقوله تعالى: قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين . وبقوله تعالى: وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل [الزمر: 8] وبقوله تعالى: وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين [لقمان: 32].

بخلاف المعتقدين في الأموات، فإنه إذا دهمتهم الشدائد، استغاثوا بالأموات، ونذروا لهم النذور، وقل من يستغيث بالله سبحانه في تلك الحال، وهذا يعلمه كل من له بحث عن أحوالهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية