صفحة جزء
باب [فيمن صرف بعضا من دينار أو نقرة أو دراهم]

وقال مالك فيمن صرف من رجل نصف دينار جميعه له، وسلم الدينار إلى مشتري نصفه منه: لم يجز؛ لأن يد المصرف لم ترتفع عن الدينار الذي دفع فيه الصرف. وإن صرف جميع الدينار من رجلين وسلمه إليهما جاز؛ لأن يد المصرف ارتفعت، وإنما بقيت الشركة بين المشترين.

ومثله إذا كان دينار شركة بين رجلين فصرف أحدهما نصفه من غير شريكه جاز ذلك؛ لأن يد المصرف ارتفعت عن نصيبه منه، وإنما الشركة الآن بين المشتري والشريك.

وقد اختلف في هذه المسائل الثلاث: فقال أشهب في كتاب محمد: يجوز أن يشتري نصف خلخال فضة بوزنه فضة إذا سلم جميع الخلخال. قال محمد: ورآه قبضا. قال: وروي لنا عن أشهب عن مالك خلافه في النقرة.

فأجاز أشهب صرف بعض الخلخال. وعلى هذا يجوز صرف بعض الدينار.

قال الشيخ - رضي الله عنه -: وأن يجوز أحسن في الدينار والخلخال؛ لأن الذي وقعت عليه المصارفة قد قبض وقبض ثمنه وتناجزا فيه، وهو صرف نصف الدينار، وإنما بقي بينهما ما لم تقع فيه مصارفة. [ ص: 2835 ]

ولو صرف رجل خمسمائة درهم من كيس فيه ألف درهم، وهو حاضر لوزنه، فسلم جميعه، ولم يقبض نصيبه منه بالحضرة- جاز؛ لأنهما قادران على قسمته بالحضرة قبل الافتراق، فتركه المقاسمة رضا بالشركة بعد صحة المصارفة.

ولو صرف نصف نقرة جميعها له من رجل وسلمها إليه لم يجز ذلك عند مالك، والنقرة بخلاف الدراهم، وهي كالدينار؛ لأنه لا يقدر على أن يقبض نصيبه منها بالحضرة، إلا أن يقوما إلى من يقسمها بينهما، وقيامهما لذلك كقيامهما إلى قسمة الدينار بالصرف.

وأجاز في المدونة أن يصرف الرجل الدينار من رجلين وإن بقيا فيه على الشركة.

ومنعه محمد إلا أن يكونا شريكين في الدراهم.

وأما إن صرف رجلان دينارا من رجل جاز قولا واحدا؛ لأنهما يقدران على قسمته بالحضرة إن أحبا، وهي الدراهم.

وقال مالك في كتاب محمد: لا بأس أن يبيع النقرة من رجلين، وينقلب بها أحدهما دون صاحبه.

ولا يصلح أن يبيع نصف نقرة، وإن سلمها كلها وأجراها على حكم الدينار لما كان لا يقدر على أخذ نصيبه منها بالحضرة، ومنع إذا كان له فيها [ ص: 2836 ] نصيب أن يبيع نصيبه من غير شريكه، ورأى أن المناجزة لم تصح، وأجازه أشهب.

وهو أحسن في هذه وفي الذي صرف الدينار من رجلين؛ لأن يد المصرف قد ارتفعت، ولم يبق بينه وبين من صرف منه معاملة.

ولو كان رجلان شريكين في دينار أو حلي أو دراهم أو نقرة فباع أحدهما نصيبه من ذلك من شريكه بمثل وزنه- جاز في الدينار والحلي، وهي كالمراطلة.

واختلف في النقرة، فروى ابن القاسم عن مالك الجواز.

وروى عنه أشهب المنع وأن تقسم.

وقيل: الوجه في ذلك لأنها إذا قسمت نقصت، فكان الذي يأخذ الآن فوق الوزن الذي يصح فيها بعد المقاسمة.

والأول أحسن؛ لأن النقص لم يكن بعد وهو يسلم النصف على وفائه في الوزن لم ينقص منه شيء، ويجوز ذلك في الدراهم إذا كانت وزنت بالحضرة، وأعطى وزنها بتلك الصنجة وإن كان تقدم بصنجة ثم وزنها بغيرها، لإمكان الاختلاف ما بين الوزنين، وهو معنى قول أشهب في الدراهم.

وإن باع نصيبه من غير شريكه بمثل وزنه منع في كل ما لا ينقسم من الدينار والحلي والنقرة، لأجل المناجزة، ليس لأن في ذلك تفاضلا، وعلى القول المتقدم في جواز صرف بعض خلخال بوزنه- يجوز جميع ذلك مثل ما لو بيع [ ص: 2837 ] بغير جنسه، ويجوز ذلك في الدراهم؛ لأنها تنقسم.

وفي كتاب محمد في رجل دفع دينارا إلى رجلين صارف أحدهما في نصفه، ودفع نصفه إلى الآخر هبة أو قضاء من دين، لم يجز ذلك.

ومثله إذا دفع ثلثيه قضاء من دين، ثلثا لكل واحد، وصارف أحدهما في ثلثه لم يجز ذلك، قال: ولو صرف ذلك الثلث منهما جميعا جاز ذلك.

قال الشيخ: المنع في هذين السؤالين على أحد القولين في منع صرف دينار من رجلين، وعلى القول الآخر يجوز ذلك كله؛ لأنه لم يبق لدافع الدينار عليه يد ولا بينه وبين من صرف منه معاملة، وإنما بقيت الشركة بين المشتري لنصف الدينار وبين من قبض النصف الآخر هبة أو قضاء.

وعكسه أن يكون لرجل على رجلين دين ثلثا دينار، ثلث على كل واحد منهما، فأخذ منهما دينارا وصرف الثلث الباقي، فإن كان الدينار شركة بين الغريمين، أو كان لأحدهما ثلثاه فصرف منه الثلث والباقي قضاء جاز ذلك.

واختلف إذا كان جميع الدينار لأحد الغريمين، فدفع ثلثيه قضاء عن نفسه وعن صاحبه، وصارف في الثلث الآخر، فقال: ذلك جائز، بمنزلة أن لو كان على رجل نصف دينار فدفع إليك غيره دينارا، وأخذ منك بقيته دراهم، كان ذلك جائزا. [ ص: 2838 ]

قال محمد: لا يعجبني قوله في الغريمين إذا صارف في الثلث أو دفع فيه عرضا؛ لأن دافع الثلث يمكن أن يزيده الآخر في الصرف ليضمن له عن صاحبه الثلث الباقي، فيدخله ضمان بجعل.

قال الشيخ: القول الأول أحسن، إلا أن يكون الذي قضى عنه الثلث فقيرا أو مليا، وتبين أنه زاده في الصرف، وكذلك الذي قضى عن غيره نصف دينار وصارف في الدراهم- ذلك جائز إذا لم يزده في الصرف، وإن دفع عن الثلث أو النصف عرضا لم يجز، ودخله البيع والسلف؛ لأن العرض يدخله في القيمة الزيادة والنقص، وليس كذلك الصرف؛ لأنه معروف لا يختلف وقت دفع ذلك، فإن وجدت المصارفة ولا زيادة فيها حمل على أنه قصد المعروف.

قال: ولو كان لك على رجل نصف دينار فدفع إليك دينارا على أن تحيله على فلان بنصف دينار لك عليه- لجاز؛ لأنك لم تأخذ منه ولم تعطه.

قال الشيخ: وقد اختلف في هذا فيمن أسلف دنانير أو دراهم ليحال بمثلها. [ ص: 2839 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية