صفحة جزء
باب في الصدقة بالمشاع

ومن المدونة قال مالك في من تصدق بنصيبه من دار أو وهبه : ذلك جائز . قال ابن القاسم : والحوز أن يحل محل الواهب يحوز ، ويمنع مع شركائه ، وكذلك إن وهب نصيبه من عبد .

واختلف إذا كان جميع الدار أو العبد للواهب فوهب نصف ذلك هل تصح العطية مع بقاء يد الواهب على الموهوب له؟

واختلف أيضا إذا وهب بعض ذلك لولده الصغير هل يحوز جميعه لنفسه ولولده؟ فأجاز في كتاب محمد إذا تصدق بنصف عبده أو داره أن تبقى يده مع المتصدق عليه ، قال : ويكون العبد إن كان للخدمة يخدمهما جميعا يوما بيوم وعشرة أيام بعشرة أيام ، وأجاز في موضع آخر شهرا بشهر ، قال : وإن كان من عبيد الغلة آجراه واقتسما إجارته .

وعلى هذا إن كانت الصدقة دارا للسكنى سكناها شهرا بشهر وسنة بسنة; لأنها مأمونة ، وإن كانت دار غلة أو حانوتا أو حماما آجراه واقتسما الإجارة . [ ص: 3494 ]

وقال سحنون في كتاب ابنه : الصدقة باطلة ، ولا تتم مع بقاء أيديهما عليها . وقد تقدم الاختلاف في الرهن إذا رهن بعض ملكه ، هل يصح أن يكون تحت أيديهما؟ والأول أحسن; لأن المتصدق عليه والموهوب له قد حاز نصيبه بالسكنى والكراء .

وقال مالك في كتاب محمد فيمن تصدق على ولده الصغير ، أو على يتيم يلي عليه بمائة من غنمه ولم يفرزها حتى مات ، فذلك جائز ، ويكون شريكا فيها ، وله حظه فيها من النماء والنقصان . وقال أيضا : إن لم يفرزها بأعيانها أو يسميها لم يجز . قال : وأهل الإبل يسمون الإبل والغنم كما يسمي أهل مصر الخيل لمشتريها .

قال ابن القاسم : فإن سماها جازت إذا عرفت بذلك ، وإن كانت غائبة عن الشهود إذا كان في حجره .

وقال ابن القاسم أيضا : يجوز إذا تصدق بعدة من خيله أو غنمه ويكون شريكا . [ ص: 3495 ]

واختلف إذا وهب أو حبس على ولده الصغير وعلى أجنبي بعبد أو حائط ، فلم يحز الأجنبي حتى مات المعطي ، فقال مالك في المدونة : الحبس باطل قال : ولا يعرف إنفاذ الحبس للأصاغر إلا بحيازة الأكابر ، وقاله ابن القاسم . وقال ابن القاسم : وكذلك إن وهب لولده الصغير ولأجنبي كبير ، فلم يحز الكبير حتى مات الأب فالهبة باطل ، وروى علي بن زياد وابن نافع عن مالك أن نصيب الصغير جائز في الهبة والصدقة ، وباطل في الحبس ، قال : من قبل أن الصدقة تقسم ، وقد قبض عليه من هو جائز القبض له ، وأن الحبس إن أسلم إلى من يقبضه له أو للكبير لم تجز فيه قسمة .

وقال مالك في كتاب محمد : إن حاز ذلك الأب من العبد لابنه وعرف أنه أفرزه ومنع نفسه من منافعه جاز نصيب الابن . قال : والحبس والصدقة في ذلك سواء .

ولا خلاف في نصيب الكبير أو الأجنبي أنه باطل إذا لم يحز ذلك وبقي في يد الأب ، وإنما الاختلاف في نصيب الصغيرة فأجيز وأبطل ، وأجيز مرة في الصدقة وأبطل في الحبس . [ ص: 3496 ]

وكل هذا راجع إلى الاختلاف في هبة المشاع ، هل يصح أن تبقى في يد المتصدق والمتصدق عليه جميعا؟

وعلى القول بجواز ذلك يصح نصيب الصغير; لأنه لو قام الأجنبي بالحوز كانت يد الأب معه على تلك الهبة أو الحبس فهو حائز لولده ، وبطل نصيب الأجنبي ، لعدم الحوز ، وعلى القول ألا يصح في هبة المشاع بقاء يد المعطي مع المعطى يبطل الجميع; لأنه لو قام الأجنبي بالحوز لرفعت يد الأب عن الجميع ، وجعل جميع ذلك على يد الأجنبي ، أو يجعل معه من يحوز للصغير فكان بمنزلة من تصدق على صغير ولده على أن لا يحوز له وأن يكون الحائز له فلانا فلم يحز فلان حتى مات الأب ، فإن الحبس يرجع ميراثا بخلاف الصدقة; لأن الأجنبي لو قام بالحوز في الصدقة لقال له الأب : أنا أقاسمك أو أبيع معك لولدي ، ولا ترفع يدي; لأنه أمر لا يتأخر . وألحق مرة الصدقة بالحبس ورأى أن من حق الأجنبي أن يكون جميعها على يديه ، أو على يدي أجنبي يقاسمه . [ ص: 3497 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية