صفحة جزء
باب في تجصيص القبور، وتسنيمها ومن حفر قبرا لميته فدفن فيه غيره

كره مالك تجصيص القبور; لأن ذلك من المباهاة وزينة الحياة الدنيا، وتلك منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة، وإنما يزين الميت عمله.

واختلف في تسنيمها، والحجارة التي تبنى عليها، فكره ذلك مالك في المدونة، وقال ابن القاسم في العتبية: لا بأس بالحجر والعود يعرف به الرجل قبر وليه، ما لم يكتب فيه.

وقال أشهب في مدونته: تسنيم القبر أحب إلي، فإن رفع فلا بأس، يريد: إن زيد على التسنيم، وقال محمد بن مسلمة: لا بأس بذلك، قال: وقبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- مسنمة وهو أحسن.

وفي البخاري ومسلم: "أن قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- مسنم". وقال خارجة بن زيد في البخاري: "رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان، وإن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه" وهذا الذي أراد أشهب بقوله: إن رفع.

ويمنع من بناء البيوت على الموتى; لأن ذلك مباهاة، ولا يؤمن ما يكون فيها من فساد. وقيل لمحمد بن عبد الحكم في الرجل يوصي أن يبنى على قبره، فقال: لا، ولا كرامة، يريد: بناء البيوت، ولا بأس بالحائط [ ص: 712 ] اليسير الارتفاع؛ ليكون حاجزا بين القبور; لئلا يختلط على الإنسان موتاه مع غيرهم؛ ليترحم عليهم، ويجمع إليهم غيرهم.

وليس لأحد أن يدفن في مقبرة غيره، إلا أن يضطر إلى ذلك فإن اضطر لم يمنع; لأن الجبانة أحباس لا يستحق فيها أحد شيئا، ويمنع مع الاختيار; لأن للناس أغراضا في صيانة موتاهم، وتعاهدهم بالترحم. وقال سحنون: سألت بعض أهل العلم عمن حفر قبرا في الجبانة فدفن غيره فيه؟ قال: على الثاني أن يحفر للأول قبرا مثله في ذلك الموضع.

وقال أبو بكر بن اللباد: عليه قيمة حفر ذلك القبر. وقال الشيخ أبو الحسن: عليه الأقل مما يحفر به الأول أو قيمة الأول.

وقال الشيخ -رضي الله عنه-: القياس أن يكون عليه الأكثر من قيمة الأول، أو ما يستأجر به الثاني; لأنه بتعديه أدخله في الأجرة الثانية، وإن كان الحفر الأول في موضع مملوك أخرج منه الميت إذا كان بالفور. [ ص: 713 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية