صفحة جزء
باب في قيام رمضان والقنوت فيه

قيام رمضان مندوب إليه; لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وهو في العشر الأواخر آكد; لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان العشر الأواخر من رمضان شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله"، ولأن ليلة القدر فيه، فيجتهد في العمل فيه رجاء موافقتها.

والجمع في قيام رمضان وإظهاره في المساجد حسن; لأن كثيرا من الناس لا يستظهر القرآن، وقد جمع الناس عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على ذلك في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- ليدرك قيامه من كان لا يقرأ القرآن، أو كان يقرؤه ويعجز عن القيام به إذا كان وحده، وإن كان ممن يقوم بذلك وهو في بيته كان قيامه في بيته أفضل; لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة" أخرجه البخاري ومسلم. فأجاز التنفل في المساجد، وفرق بينهما [ ص: 821 ] في الفضل.

وكذلك القرب المتطوع بها إخفاؤها أفضل، ولا حرج في إعلانها، قال الله -عز وجل-: إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم [البقرة: 271] ، فالإخفاء خير لما يخشى أن يدخل في ذلك من الرياء والسمعة، ولا يعترض هذا بقيام النبي -صلى الله عليه وسلم- في المسجد; لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ممن لا يجوز ذلك عليه.

واختلف في العدد الذي يقوم به الإمام، وفي القدر الذي يقرأ به في كل ركعة، فقال مالك في المدونة: يقوم بتسع وثلاثين ركعة، يوتر منها بثلاث، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: الذي يأخذ بنفسي في ذلك الذي جمع عليه عمر -رضي الله عنه- الناس إحدى عشرة ركعة بالوتر، وهي صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإحدى عشرة ركعة من ثلاث عشرة ركعة قريب.

وذكر مالك في الموطأ عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أمر أبي بن كعب، وتميما الداري أن يقوما بالناس بإحدى عشرة ركعة، قال: "وكان القارئ يقرأ بالمئين"، وفي رواية أخرى: "بالمائتين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام".

وذكر عن يزيد بن رومان أنه قال: "كان الناس يقومون في [ ص: 822 ] رمضان في زمن عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة". وقال ابن حبيب: إن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أمر الناس أن يقوموا بإحدى عشرة ركعة، ثم رجع إلى ثلاث وعشرين.

وأما القدر الذي يقرأ به في كل ركعة فقيل: بالمائتين، وقيل: بالعشرين والثلاثين آية، وقيل: بالعشر آيات. وتقدم حديث السائب أنه كان يقوم بالمائتين، وينصرف في بزوغ الفجر، وذكر مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أنه قال: "كنا ننصرف في رمضان فنستعجل الخادم بالطعام مخافة الفجر"، فكان الأمر من طول القيام في زمن الصحابة على ذلك، ثم صار الأمر في زمن التابعين على دون ذلك، فذكر مالك عن ابن هرمز أنه قال: "كان القارئ يقوم بسورة البقرة في ثماني ركعات فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف"، ثم صار الأمر في التخفيف إلى دون ذلك، فذكر ابن وهب عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القراء أن يقوموا في كل ركعة بعشر آيات. [ ص: 823 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية