صفحة جزء
فصل [في نحر الرجل غير هديه]

نحر الرجل هدي غيره على ثلاثة أوجه : عن صاحبه ، وعن نفسه عمدا وخطأ ؛ فإن نحره عن صاحبه أجزأ صاحبه ، وإن لم يوكله ، حضر صاحبه أو غاب ، ومن وجد هديا ضالا أخر نحره إلى آخر أيام منى ؛ رجاء أن يأتي صاحبه ، ولا يؤخره بعد ذلك ، وإن عجل نحره في أول يوم أجزأ . وإن وجده بعد أيام منى لم [ ص: 1236 ] يعجل بنحره ، إلا أن يخشى ضيعته ، أو يشق حفظه فينحره بمكة .

واختلف إذا نحره عن نفسه عمدا ولم يوكله على نحره ، أو وكله ، أو نحره عن نفسه خطأ ؟ فقيل : يجزئ صاحبه . وقيل : لا يجزئه . وقيل : يجزئه في الخطأ ، ولا يجزئ في العمد . قال محمد : إن نحر الضال عن نفسه أجزأ صاحبه . قال : وقد جاء : (ربك أعلم بمن أنزلها من رأس الجبل) . فإذا أجزأت صاحبه مع العمد بغير وكالة كانت أحرى أن تجزئه إذا وكله فذبح عن نفسه .

وقال في المدونة : إذا أخطأ أجزأت عن صاحبها . وقال أشهب : لا يجزئه . وأرى أن يجزئ ذلك كله ، وإن وكله فذبح عن نفسه أبين في الإجزاء ؛ لأنه مع عدم الوكالة تعدى في الذبح والنية ، وفي الوكالة تعدى في النية ليس في الذبح ، والنية إذا ذبحت إلى ربها .

ولو وكل رجل رجلا فذبح له نسكا ولم يسمه ، والذابح يظنها شاة لحم أجزأت ، فالمالك ينوي القربة ، والذابح ينوي الذكاة . ويختلف بعد القول أنها لا تجزئ عن صاحبها ، هل تجزئ عن ذابحها إذا ضمن قيمتها ؟ فقال أشهب : لا تجزئ عن واحد منهما . وقال أبو قرة عن مالك في مختصر ما ليس في المختصر : من ذبح شاة صاحبه المقلدة عن نفسه خطأ أجزأته ، وعليه قيمتها ، ويبدل صاحبها .

واختلف إذا ذبح كل واحد أضحية صاحبه خطأ ، فقال ابن القاسم : لا يجزئ عن واحد منهما بخلاف الهدي . وقال أشهب : تجزئ ذابحها إذا ضمن ، ولا [ ص: 1237 ] تجزئ عن ربها إذا لم يضمن . وقال ابن القصار : في الإجزاء عن صاحبها ينبغي أن يكون على روايتين . وجعل ذلك بعد ألا يوجبها صاحبها . قال : وكذلك إن تعمد الذابح بذبحها عن نفسه . وأجزأ الهدي عند ابن القاسم عن صاحبه ؛ لأنه وجب وخرج عن ملكه قبل الذبح ، ولم تجزئ الأضحية ؛ لأنها لم يجب ذبحها قبل ذلك ، ولم يجزئ الهدي عند أشهب عن ذابحه إذا ضمن ، وأجزأت الأضحية ؛ لأنه ضمن الهدي وقت ذبح في الحرم .

ولا يجزئ إلا ما قد جمع فيه بين حل وحرم ، وأجزأت الأضحية ؛ لأنه يغرم قيمتها حية قبل الذبح . ولا يصح ما روى أبو قرة عن مالك : أنها تجزئ الذابح ، إلا أن يقول : إن سوقه من الحل استحسان ، فإن لم يفعل أجزأه ، كما قال في الطواف الأول والسعي : لا يأتي به إلا من أتى من الحل ، فإن أحرم من مكة وطاف وسعى قبل خروجه إلى عرفة ، ثم حل وأصاب النساء أو رجع إلى بلده ، أجزأه .

ويختلف في البيع إذا لم يجزئ ، فأصل ابن القاسم ألا يباع ؛ لأنه قال فيما عطب من الهدي قبل بلوغ المحل ، وفي الأضحية إذا وجدها ربها بعد خروج الأضحى : لا تباع . وقال عبد الملك في الهدي يعطب قبل بلوغ المحل : له أن يبيعه . وقاله أشهب في الأضحية إذا لم يضمن الذابح . وهو أقيس ؛ لأنها لم تتم فيها قربة ، والمنع أحوط ؛ مراعاة لمن يقول أنها تجزئ ، وأنها قربة . [ ص: 1238 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية