صفحة جزء
فصل [في ذكاة المريضة التي لم تشارف الموت]

الذكاة تصح في المريضة إذا لم تشارف الموت.

واختلف إذا شارفت الموت. فقال مالك في المريضة تضطرب للموت إن تركت ماتت: وإن ذكيت أكلت . وفي مختصر الوقار: إذا مرضت; فبلغت مبلغا لا يرجى فيه حياة ; لا تؤكل، وإن ذكيت. والأول أحسن; للحديث أن أمة لكعب بن مالك - رضي الله عنه - كانت ترعى غنما بسلع، فأبصرت شاة تموت ، فأدركتها فذكتها بحجر، فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "كلوها" أخرجه البخاري ومسلم .

وإذا لم يتحرك من الذبيحة شيء بعد الذبح; أكلت إذا كانت صحيحة، [ ص: 1523 ]

قال محمد : إذا كان دمها يشخب . وكذلك أرى في المريضة الظاهرة الحياة، ولم تشارف الموت. فإن شارفت الموت; لم تؤكل، إلا أن يكون هناك دليل على بقاء الحياة عند الذبح.

واختلف في صفة ذلك: فقال ابن حبيب : إن كانت تطرف عينها، أو تضرب بيد أو رجل، أو تستفيض نفسها في جوفها ومنحرها، قال: وأي هذه الحركات الأربع كان منها عند مر السكين في حلقها، فإنها تؤكل . وقال محمد : وسأل رجل أبا هريرة - رضي الله عنه - عن شاة ذبحت، فتحرك بعضها؟ فأمره أن يأكلها. ثم سأل زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، فقال: إن الميتة لتتحرك. ولم يزد على ذلك. وقال ابن وهب سألت مالكا عن ذلك، فقال: إذا كان مثل الشيء الخفي; فقول زيد أجمل. فأما إذا كان الروح جاريا، فلا بأس بأكلها.

قال محمد : ومما يعرف به الروح في المريضة: تحريك الرجل والذنب. وذكر عن زيد بن أسلم مثل ذلك . وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا كانت العين تطرف . والذنب يتحرك، والرجل تركض.

وظاهر قوله: أنها لا تؤكل إلا بحركة هذه الثلاث جميعا، وإنما طلب ذلك بهذه الأشياء; لأن أمرها إذا سوبقت بالذبح مشكل، هل كان موتها [ ص: 1524 ] عن الذبح، أو عن الحالة التي كانت بها؟ وأنها لما حركت للذبح، أو حرك رأسها، أو أنزل يده على حلقها; ماتت حينئذ، ولم تمت بالذبح. وذلك لأنا نجد الرجل يكون في مثل تلك الحياة ، وإذا حرك ليستقبل به القبلة أو لغير ذلك ; طفا بالحضرة.

وإذا أشكل الأمر لم تؤكل بشك، فلا بد من دليل بين على أن موتها كان عن الذبح. فإن اجتمع حركة الرجل والذنب والعين; أكلت، وذلك أبينها . وكذلك، إذا كان جوفها يستفيض وينزل .

وأما الاختلاج الخفيف، وحركة العين; فترك أكلها أحسن; لأن الاختلاج والشيء الخفيف يوجد من اللحم بعد خروج النفس. وحركة الرجل والذنب أقوى من حركة العين; لأنه يصح انتقال الحياة من الرجلين ، ويبقى الرمق اليسير عند الحلق وفي الرأس، ولا يصح ذهاب ذلك من الرأس والحلق وبقاؤه في الرجل ولا غيره من أسفل الجسم . وذلك يوجد في بني آدم. يبتدأ ذهاب الحياة من الرجلين والأسفل، [ ص: 1525 ] ويبرد ذلك، ولا يذهب ذلك من الأعلى; لأن الأصل في الحياة من الدماغ.

وأما خروج الدم بانفراده، فلا يكون دليلا على الحياة; لأن الدم يخرج من الميتة إذا فجر ذلك منها بفور موتها، وحرارة جسمها. وإنما يعدم منها بعد ذلك إذا بردت، فيجمد الدم، إلا أن يخرج بقوة اندفاع حسب عادته في الحياة، فليس خروجه من الحية كخروجه من الميتة، وإذا بلغت الشاة إلى حالة يشك في حياتها، هل ذلك لغمرة هي فيها، أو لأنها ماتت، ثم ذبحت; كان طلب الدليل بعد ذلك الذبح فيها أكثر من التي علمت حياتها قبل الذبح، ثم شك، هل كان ذهاب حياتها قبل الذبح، أو بعده؟

ومن هذا المعنى: المنخنقة والمتردية، وهو مذكور فيما بعد. [ ص: 1526 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية