صفحة جزء
فصل [في أنواع الأشربة]

الأشربة أربع: محرم، وهو المسكر.

وحلال، وهو ما لا يسكر، ولا صار إلى حالة يشك في سكره، ولم يصنع على صفة يسرع إليها السكر.

ومختلف فيه بالمنع والكراهية، وهو ما صنع على صفة يسرع إليها السكر كالخليطين من البسر والتمر وغيرهما، مما يكون كل واحد منهما خمرا بانفراده. [ ص: 1613 ]

ومختلف فيه: هل هو حكم الخليطين أو جائز؟ وهو أن يجعل في النبيذ ما يسرع به، ولا يكون بانفراده مسكرا، مثل: عكر النبيذ والتربة، وما يكون الإسراع من الوعاء: كالدباء والمزفت، وكالخليطين من الخل، وما يصنع للخل.

والمسكر على وجهين: مجمع على تحريمه، ومختلف فيه: فالأول: عصير العنب، والثاني: مطبوخه، وعصير غيره ومطبوخه.

فقول مالك وجميع أصحابه ، والشافعي وأصحابه أن جميع ذلك حرام .

وهو قول الصحابة - رضي الله عنهم - والصدر الأول، قال القاضي أبو الحسن ابن القصار : هو قول عمر ، وعلي ، وابن عباس ، وسعد بن أبي وقاص ، وابن عمر ، وأبي هريرة ، وعائشة .

وهذا هو الصحيح من القول، لورود النص، ولوقوع اسم الخمر عليه، ولأنه إجماع الصحابة ، وللعلة الجامعة بينه وبين الخمر. [ ص: 1614 ]

والمجمع عليه بالنص قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة" . وقال: "كل مسكر حرام" وسئل عن المزر يعمل من الشعير والبتع يعمل من العسل فقال: "كل مسكر حرام" .

وقد كان السبب في جوابه - صلى الله عليه وسلم - السؤال عن الأجناس التي تسكر، لا عن القدر من القلة والكثرة.

وهذه الأحاديث أخرجها مسلم في صحيحه، ووافقه في الحديث الآخر البخاري والموطأ .

وقال أنس - رضي الله عنه -: حرمت الخمر، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر . وقال أيضا: إن الخمر حرمت، وما كانت لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ، وإني لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب ورجالا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -; إذ جاء رجل وقال: هل بلغكم الخبر؟ فقلنا: لا. فقال: إن الخمر حرمت، فقال: يا أنس، أرق هذه القلال، فما راجعوا فيها، ولا سألوا عنها . اجتمع على هذا الحديث الموطأ والبخاري [ ص: 1615 ] ومسلم . وإن اختلفت ألفاظه فالمعنى فيه واحد، وقد اجتمعت هذه الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ذكر من الصحابة - رضي الله عنهم -: على أن هذه الأشياء يقع عليها اسم الخمر، وامتثلوا إراقته بمجرد النهي عن الخمر.

وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن أن ينتبذ الزهو والتمر جميعا .

ولم يختلف أن ذلك خيفة أن يسكر، فلو كان يجوز شرب قليله لما منع أن ينبذا، ولأجاز أن ينبذا جميعا، ثم يشرب منهما بعد أن يصير مسكرا قليلا قليلا وقتا بعد وقت . وفي البخاري أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطب على المنبر، فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر: ما خامر العقل . [ ص: 1616 ]

يريد: أن الخمر كانت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه الخمسة، فكانت عامة خمورهم من التمر، ومن العنب قليلا، وباليمين من الحنطة والشعير ومن العسل وهو البتع.

ثم قال: "والخمر: ما خامر العقل". يريد: أنه ليس بمقصور على هذه الخمس التي كانت، وأن العلة الشدة، وما يخامر العقل. ولم يختلف أن عصير العنب قبل الشدة، وبعد أن اشتد، ثم تزول عنه الشدة، فيصير خلا حلال، وأن تحريمه فيما بين هذين إنما كان لوجود الشدة.

فإذا كان التحريم معلقا فيما يكون من العنب بوجود الشدة، وساقط بعدهما- وجب أن يلحق به كلما وجدت له الشدة; لأنها علة التحريم ووجود الحكم.

التالي السابق


الخدمات العلمية