صفحة جزء
فصل [في الأنبذة المنهي عنها]

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه نهى أن ينبذ التمر والبسر جميعا، والتمر والزبيب جميعا" ، وفي حديث آخر: "أن يشرب التمر والزبيب جميعا، والزهو والرطب جميعا" . فتضمن هذا الحديث منع الجمع بينهما، وإن كان يشرب بالحضرة.

وفي كتاب مسلم ، قال : "من شرب النبيذ منكم، فليشربه زبيبا فردا، أو تمرا فردا، أو بسرا فردا" . فالبسر والرطب والتمر والعنب والزبيب والعسل لا يجمع منها اثنان في الانتباذ; لأن ذلك مما يسرع بالسكر.

واختلف: هل ترك ذلك واجب ويعاقب إذا فعل، أو مستحب ولا شيء عليه؟ [ ص: 1620 ]

فقال محمد في كتاب الحدود: إنا لنرى فيما نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخليطين وغيره من الأنبذة الأدب الموجع لمن عرف ذلك وارتكب النهي تعمدا .

وقال أبو محمد عبد الوهاب وغيره: إن خلط فقد أساء، وإن لم تحدث الشدة المطربة; جاز شربه .

واختلف في عكر النبيذ والتربة والعجين والدقيق والسويق وما أشبه ذلك مما يسرع في السكر، فأراد رجل أن يجعله في نبيذه، فأجازه مالك مرة ، ومنعه أخرى، وبإجازته أخذ ابن القاسم .

والمنع أولى، وإليه رجع مالك ; لأن ذلك الذي يجعل في النبيذ وإن لم يكن نبيذا بانفراده، فإنه أمنع للعلة الجامعة، وهو الإسراع.

وإن صنع القمح على صفة إن ترك صار منه مسكرا لم يخلط بنبيذ الزبيب والتمر قولا واحدا.

قال ابن القاسم : ولا يخلط العسل بنبيذه فيشرب .

ورآه بمنزلة الخليطين من التمر والزهو، ولا يجوز على هذا أن يلقى [ ص: 1621 ] التمر في نبيذ التمر ولا الزبيب في نبيذ الزبيب.

قال: ولا بأس أن يأكل الخبز بالنبيذ. وكره أن ينقع الخبز في النبيذ أياما ثم يشربه، كما كره أن تجعل الجذيذة في النبيذ .

وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم : لا خير في الخليطين من الخل، والخل والنبيذ في ذلك سواء . وقاله سحنون .

وقيل لسحنون : فلو جعل الزبيب في إناء، والتين في إناء، فلما أدركا فصارا خلا، خلطا؟ قال: لا خير فيه.

وروي عنه الجواز . وهو أحسن; فيجوز أن ينبذا معا، وأن يخلطا بعد أن يصيرا خلا; لأن الحماية في هذا المعنى إنما وردت فيما يسرع إليه السكر، والخل يعمل على صفة لا يكون عليها خمرا; لأنه يكثر ماؤه، ويحرك باليد في كثير من الأوقات فلا يصير خمرا بحال وإن كان يعمل على الانفراد على صفة يكون منها خمرا; لأنه يقلل ماؤه، ولا يكشف حتى يتخلل، وكان يعمل من عصير العنب، [ ص: 1622 ] فإن كان تمر به حالة يصير فيها خمرا لم يجز بانفراده، ولا يخلط بغيره.

وقد كان بعض أهل العلم يكره للمريض أن يخلط شرابين ثم يشربهما، مثل شراب الورد وغيره. ولا أعلم لذلك وجها; لأن هذين لا يسرع إليهما السكر بالانفراد، وعلى الاجتماع فخرجا عن المعنى الذي كان النهي عنه.

وقال مالك في المدونة في الخمر ملك لمسلم: فليهرقها، فإن اجترأ عليها فخللها- أكلها وبئس ما صنع .

وقال عبد الملك بن الماجشون وسحنون : لا تؤكل .

ولم يختلفوا أنها إذا صارت خلا من غير تعمد ممن هي في يده أنها تؤكل.

وقول مالك أحسن، ولا فرق بين أن تصير خلا من فعله أو غير ذلك; لأن التحريم لوجود الشدة المطربة والتحليل مع عدمها، وأظن عبد الملك ذهب في المنع لحديث أنس - رضي الله عنه -، قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر تتخذ خلا، فقال: "لا" . أخرجه مسلم .

ومحمل الحديث أن ذلك حماية لئلا يتذرع الناس إلى شربها، وليس أنها [ ص: 1623 ] تكون حراما إن فعل، وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدبغ جلد الميتة لينتفع به ، فلم يمنع ذلك; لأنه لا يتهم أحد أن يترك شاته ولا يذكيها حتى تموت، ثم يتخذ جلدها، ويتهم أن يتخذ الخمر.

التالي السابق


الخدمات العلمية