صفحة جزء
باب في عيوب النساء وما يرددن به

قال مالك : ترد المرأة من أربعة: من الجنون والجذام والبرص، وداء الفرج .

ويختلف في أربع: السواد والقرع والبخر والخشم، وهو نتن الأنف، فالظاهر من قول مالك ألا ترد بها . وقال ابن حبيب : ترد من السواد إذا كانت من أهل بيت لا سواد فيهم، وهو كالشرط، قال: وترد بالقرع; لأنه مما يستر باللفافة والخمار . وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر"، وفي "كتاب ابن الجلاب ": ترد من نتن الفرج . فعلى هذا ترد من البخر والخشم; لأن نتن الأعلى أولى بالرد لقرب مضرته، وبعد الآخر. وقد قيل: يرد الرجل بالبرص يحدث إذا انتشرت رائحته، فمضرة الرائحة من المرأة أولى بالرد; لأنه يستخف منه ما لا يستخف منها، ولا ترد عند مالك من العمى والقعد والشلل والعرج .

فاختلف في وجه ذلك، فقيل: ذلك لقول عمر - رضي الله عنه -: ترد المرأة من الجنون [ ص: 1892 ] والجذام والبرص والقرن ، ولقول علي - رضي الله عنه -: ترد المرأة من أربع: الجذام والجنون والبرص والقرن، ولهذا قال مالك : ليس على الولي أن يخبر أنها مقعدة، ولا عمياء، ولا عرجاء، وأجاز أن يكتم ذلك .

وقيل: لأن ذلك مما لا يخفى فقيل لمالك في "كتاب محمد " أترد المرأة من السواد والعمى وما أشبه ذلك؟ فقال: هذا أمر ظاهر فكيف ترد منه. وقال في موضع آخر: هذا من العيوب الظاهرة فلا ترد له.

وقال ابن حبيب : ترد من القرع; لأنه مما يستر باللفافة والخمار، ولا ترد من العمى والقعد، والشلل، والعرج; لأنه ظاهر، والخبر عنه يفشو . وهذا منهما تسليم أن للزوج أن يرد بهذه العيوب إذا تبين أنه لم يعلم; لأنه إنما منع الرد; لأنه لم يصدقه أنه لم يعلم به. فإن كان الزوج طارئا، وتزوج بقرب قدومه، أو لم يسمع بذلك من الجيران ، أو اعترفت الزوجة أنه لم يعلم، وكانت ممن يصح اعترافها لأنها ثيب، أو بكر معنسة - كان له أن يرد، وإن قام دليل على علمه - لم يرد، وهذا مع عدم الشرط، فإن اشترط السلامة - رد متى وجد عيبا، قولا واحدا.

واختلف إذا قال الولي: إنها سالمة، ولم يشترط هل ذلك كالشرط. فقال في "كتاب محمد ": إذا قال الخاطب: قيل لي إن ابنتك سوداء، فقال: كذب من قال [ ص: 1893 ] ذلك، بل هي بيضاء، فوجدها سوداء، أو قال: ليس هي عمياء، ولا عرجاء، فوجدها كذلك - فله ردها; لأنه غره .

وقال أصبغ : هو كالشرط. وقال ابن القاسم في "الكتاب الأول" من "كتاب محمد ": إذا رفع الولي في الصداق، فأنكر سومه، فقال: لأن لها كذا، فسمى رقيقا وعروضا فيصدقها ما سأل، ثم لا يجد لها شيئا. قال: فالصداق لازم له، ولا حجة له، مثل ما لو قال: بيضاء جميلة شابة، فوجدها سوداء، أو عرجاء ، فلا كلام له ما لم يشترط، فيقول أنكحها على أن لها كذا، أو على أنها جميلة بيضاء أو شابة .

فجعله ابن القاسم من ناحيته الغرور فألزمه ذلك مرة، ومرة لم يلزمه. قال الشيخ : وأراه كالشرط; لأنه أمر قارن العقد. ولو قال ذلك أجنبي بحضرة الولي فلم ينكر عليه كان غرورا.

وأرى أن يرد إذا تبين أنها صغيرة مثل ابنة أربع سنين وخمس وما أشبه ذلك; لأن الوطء ممتنع، فهي في ذلك كالرتقاء، وعليه في الصبر إلى أن تبلغ الوطء مضرة، وإن كان الوقت الذي تصلح فيه لذلك لا يدرك في الصبر إليه مضرة ولم يرد، وقد تكون لهم عادة في الصبر ما بين العقد والابتناء كالسنتين والثلاث; مما يرى أن هذه تصلح حينئذ للابتناء، أو تزيد الأمر اليسير، فلا ترد. [ ص: 1894 ]

وفي "كتاب محمد ": لا ترد إذا وجدها عجوزا، وهذا مبني على ما تقدم، هل ذلك لأنه مما لا يخفى، أو لأنه زائد على ما قاله عمر - رضي الله عنه -، وإن بلغت في العمر ، وقام للزوج دليل على عدم العلم - رد; لأن العادة فيمن بلغت ذلك ألا تتزوج، وهو كالشرط.

التالي السابق


الخدمات العلمية