إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الثالث تبييضها بالكبريت استعجالا لإظهار علو السن توصلا إلى التوقير وقبول الشهادة والتصديق بالرواية عن الشيوخ وترفعا عن الشباب وإظهارا لكثرة العلم ظنا بأن كثرة الأيام تعطيه فضلا وهيهات فلا يزيد كبر السن للجاهل إلا جهلا فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة ولا يؤثر الشيب فيها ومن كانت غريزته الحمق فطول المدة يؤكد حماقته وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب بالعلم .

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم ابن عباس ، وهو حديث السن على أكابر الصحابة ويسأله دونهم .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما ما آتى الله عز وجل عبدا علما إلا شابا والخير كله في الشباب ، ثم تلا قوله عز وجل : قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ، وقوله تعالى إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ، وقوله تعالى : وآتيناه الحكم صبيا وكان أنس رضي الله عنه يقول : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء فقيل له : يا أبا حمزة فقد أسن فقال : لم يشنه الله بالشيب فقيل : أهو شين فقال ؟ : كلكم يكرهه ويقال : إن يحيى بن أكثم ولي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة فقال له رجل في مجلسه يريد أن يخجله بصغر سنه كم سن القاضي أيده الله فقال مثل سن عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة مكة وقضاءها فأفحمه وروي عن مالك رحمه الله أنه قال : قرأت في بعض الكتب لا تغرنكم اللحى ، فإن التيس له لحية وقال أبو عمرو بن العلاء إذا رأيت الرجل طويل القامة صغير الهامة عريض اللحية فاقض عليه بالحمق ولو كان أمية بن عبد شمس وقال أيوب السختياني أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه .

وقال علي بن الحسين من سبق فيه العلم قبلك فهو إمامك فيه ، وإن كان أصغر سنا منك وقيل لأبي عمرو بن العلاء أيحسن من الشيخ أن يتعلم من الصغير فقال : إن كان الجهل يقبح به فالتعلم يحسن به وقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل وقد رآه يمشي خلف بغلة الشافعي يا أبا عبد الله تركت حديث سفيان بعلوه وتمشي خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه فقال له أحمد : لو عرفت ، لكنت تمشي من الجانب الآخر إن علم سفيان إن فاتني بعلو أدركته بنزول وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لم أدركه بعلو ولا نزول .


(الثالث تبييضها بالكبريت ) ونحوه والكبريت عين يجري ، فإذا جمد ماؤه صار كبريتا ، وهو أنواع أصفر وأبيض وكدر وجميع أنواعه يبيض الشعر بخورا (استعجالا لإظهار علو السن) وسترا للحداثة (توصلا إلى التوقير) والتعظيم عند الناس والرياسة (و) توصلا إلى (قبول الشهادة) ، أي : لتقبل شهادته عند الحكام (و) إلى (التصديق بالرواية) ، أي : لينفق بذلك حديثه (عن الشيوخ) الماضين ويدعي بالسن مشاهدة من لم يره ، وقد فعل ذلك بعض الشهود وبعض المحدثين (وترفعا عن الشباب وإظهارا لكثرة العلم) ، وقد فعل ذلك بعض القصاص والوعاظ لرواج قولهم (ظنا) منه بجهله (بأن كثرة الأيام) التي بيضت شعر لحيته (تعطيه فضلا) أو تجعل فيه علما ولا يعلم أن العقل غرائز في القلوب وأن العلم والعمل مواهب من الله تعالى علام الغيوب وإليه أشار المصنف بقوله : (وهيهات فلا يزيد كبر السن للجاهل إلا جهلا فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة) في القلب (ولا يؤثر الشيب فيها) بكثرة وزيادة (ومن كانت غريزته الحمق) وطبيعته الجهل (فطول المدة) وكثرة الأيام (يؤكد حماقته) كلما كبر ويزيد جهله كلما أسن ورأينا جميع ذلك كثيرا في كثير من الناس (وقد كان الشيوخ) في السن والعلم (يقدمون الشباب) ويرون فضلهم (بالعلم) والدين تواضعا وإخباتا لا تكبرا بالكبر ولا علوا (كان) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم) عبد الله (بن عباس ، وهو حديث السن على أكابر الصحابة ويسأله دونهم) هكذا أورده صاحب القوت ، وقال أبو نعيم في الحلية : حدثنا سليمان حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عارم أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فقال بعضهم : لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله فقال : إنه ممن قد علمتم قال : فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني فقال ما تقولون : إذا جاء نصر الله والفتح حتى ختم السورة فقال بعضهم : أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا جاء نصرنا وفتح علينا ، وقال بعضهم : لا ندري ، ولم يقل بعضهم شيئا فقال لي : يا ابن عباس أكذلك تقول : قلت : لا قال : فما تقول ؟ قلت : هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة فذاك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا قال عمر : ما أعلم منها إلا ما تعلم حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك حدثنا محمد بن يونس الكريمي حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا عبيد الله بن وهب عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب جلس في رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين فذكروا ليلة القدر فتكلم منهم من سمع فيها بشيء ما سمع فتراجع القوم فيها الكلام قال عمر : ما لك يا ابن عباس صامتا لا تتكلم تكلم ولا تمنعك الحداثة ؟ قال ابن عباس : فقلت : يا أمير المؤمنين إن الله وتر يحب الوتر فجعل أيام الدنيا تدور على سبع وخلق الإنسان من سبع وخلق أرزاقنا من سبع وخلق فوقنا السموات سبعا وخلق تحتنا أرضين سبعا وأعطى من المثاني سبعا ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين من سبع وقسم الميراث في كتابه على سبع ونقع في السجود من أجسادنا على سبع وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا بالكعبة وبالصفا والمروة سبعا ورمى الجمار سبعا لإقامة ذكر الله مما ذكر في كتابه فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان ، والله أعلم . قال فتعجب عمر ، وقال : ما وافقني فيها أحد [ ص: 423 ] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : التمسوها في العشر الأواخر ، ثم قال : يا هؤلاء من يؤديني من هذا كأداء ابن عباس (وقال ابن عباس رضي الله عنه) ونص القوت ، وروى ابن عباس وغيره (ما آتى الله عبده علما) ونص القوت عبدا العلم (إلا شابا والخير كله في الشباب ، ثم تلا قوله عز وجل : قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ، وقوله تعالى) ونص القوت ، ثم تلا قوله تعالى : ( إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ، وقوله تعالى : وآتيناه الحكم صبيا ) إلى هنا نص القوت فالأولى فيها وصف إبراهيم عليه السلام بالفتوة والثانية في حق أصحاب الكهف والثالثة في حق يحيى عليه السلام وكلهم وصفوا بالفتوة (وكان أنس رضي الله عنه يقول : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء فقيل له : يا أبا حمزة ) وهي كنية أنس (فقد أسن فقال : لم يشنه الله بالشيب فقيل : أهو شين ؟ قال : كلكم يكرهه) هكذا أورده صاحب القوت قال العراقي : متفق عليه من حديث أنس دون قوله : فقيل : إلى آخره ولمسلم من حديثه وسئل عن شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما شانه الله ببيضاء اهـ .

قلت : ولمسلم عن أنس روايات أخر كان في لحيته شعرات بيض لم ير من الشيب إلا قليلا لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه ، ولم يخضب إنما كان البياض في عنفقته ، وفي الصدغين ، وفي الرأس نبذ ، أي : شعرات متفرقة ، وقوله : لم يخضب إنما قاله بحسب علمه ، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر إنما كان شيبه صلى الله عليه وسلم نحوا من عشرين شعرة بيضاء ، وهو لا ينافي رواية من قال : إلا أربع عشرة شعرة بيضاء ؛ لأن الأربع عشرة نحو العشرين ؛ لأنها أكثر من نصفها ، ومن زعم أنه لا دلالة لنحو الشيء على القرب منه فقد وهم نعم روى البيهقي عن أنس نفسه ما شانه الله بالشيب ما كان في رأسه ولحيته إلا سبع عشرة أو ثمان عشرة شعرة بيضاء ، وقد يجمع بينهما بأن إخباره اختلف لاختلاف الأوقات أو بأن الأول إخبار عن عدة ، والثاني إخبار عن الواقع فهو لم يعد إلا أربع عشرة ، وأما في الواقع فكان سبع عشرة أو ثمان عشرة ، وقد يجمع بين الروايات المختلفة فيمن قال : إنه صلى الله عليه وسلم شاب ، ومن نفاه الذي نفاه نفى كثرته لا أصله وسبب قلة شيبه أن النساء يكرهنه غالبا ، ومن كره من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا كفر ، وهذا معنى قول أنس ، ولم يشنه الله بالشيب ، وأما خبر أن الشيب وقار ونور فيجاب عنه بأنه وإن كان كذلك ، لكنه يشين عند النساء غالبا وبأن المراد من الشيب المنفي الشين عند من كرهه لا مطلقا لتجتمع الروايتان ، وروى البخاري عن أبي جحيفة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض قد شمط ومسلم عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه منه بيضاء ووضع الراوي بعض أصابعه في عنفقته ، وأخرج مسلم والنسائي عن جابر بلفظ : كان قد شمط مقدم رأسه ولحيته ، وعند مسلم كان إذا ادهن لم يتبين ، أي : الشيب ، وإذا أشعث تبين قال شارحه : لأنه عند الادهان يجمع شعره فيخفي شيبه لقلته ، وعند عدمه يتفرق شعره فيظهر شيبه ، والله أعلم .

(ويقال : إن يحيى بن أكثم) التميمي أبو محمد المروزي القاضي روى عن عبد العزيز بن أبي حازم وابن المبارك ، وعن الترمذي والسراج ، وكان من بحور العلم لولا دعابة فيه وتكلم فيه توفي بالربذة منصرفا من مكة سنة 243 (ولي القضاء) الأكبر بالبصرة (وهو ابن إحدى وعشرين سنة) ، وهذا ذكره صالح شاذان سمعت منصور بن إسماعيل يقول : ولي يحيى بن أكثم قضاء البصرة ، وهو ابن إحدى وعشرين سنة اهـ. (فقال له رجل) ذات يوم ، وهو (في مجلسه يريد أن يخجله بصغر سنه) ونص القوت يريد أن يحشمه بذلك (كم سن) سيدنا (القاضي أيده الله) ؟ فأدرك ذلك منه (فقال سن عتاب بن أسيد) بن أبي العيص بن أمية القرشي ابن عبد الرحمن أمير مكة أرسل عنه ابن المسيب وعطاء وجماعة مات يوم مات الصديق وعمره خمس وعشرون سنة ، وروى له الأربعة (حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة مكة وقضاءها فأفحمه) ، أي : أسكته هكذا أورده صاحب القوت ، وكانت التولية يوم الفتح وزاد العراقي فقال : وأنا أكبر من معاذ بن جبل حين وجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيا على اليمن ، وقال : أخرجه الخطيب في التاريخ بإسناد فيه [ ص: 424 ] نظر وما ذكره ابن أكثم صحيح بالنسبة إلى عتاب بن أسيد ، فإنه كان حين الولاية ابن عشرين سنة ، وأما بالنسبة إلى معاذ ، فإنما يتم له ذلك على قول يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك وأبي حاتم أنه كان حين مات ابن ثمان وعشرين سنة والراجح أنه مات ابن ثلاث وثلاثين سنة في الطاعون سنة ثماني عشرة ، والله أعلم . اهـ .

قلت : ولعل هذا هو السبب في إسقاط ذكره عند صاحب القوت وتبعه المصنف (وروى عن مالك ) أطلقه فيتوهم أنه مالك بن أنس فقيه المدينة وليس كذلك ففي القوت ، وروينا عن مالك بن مغول رحمه الله ، وهذا من المصنف إطلاق في محل التقييد ومالك بن مغول هذا بجلي كوفي روى عن ابن بريدة والشعبي وعنه شعبة وأبو نعيم وقبيصة حجة روى له الجماعة مات سنة 159 (قال : قرأت في بعض الكتب) المنزلة (لا تغرنكم اللحى ، فإن التيس له لحية) والتيس هو الذكر من المعز إذا أتى عليه الحول وقبل الحول هو جدي الجمع تيوس .

(وقال أبو عمرو بن العلاء ) سيد القراء بالبصرة قرأت في طبقات القراء للذهبي بخطه اختلف في اسمه على تسعة عشر قولا والذي صح أنه زبان بن العلاء بن عمار بن العريان بن حصين بن الحرث بن جلهمة بن حجر بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم المازني التميمي توفي سنة 154 روى عنه أبو عمرو الشيباني وغيره وله إخوة أربعة معاذ وأبو سفيان والعريان وأبو حفص (إذا رأيت الرجل طويل القامة) ، أي : القد (صغير الهامة) ، أي : الرأس (عريض اللحية) ، أي : كثيفها (فاقض عليه بالحمق) ، أي : قلة العقل ؛ لأن كلا من الأوصاف المذكورة على استقلالها مذموم فكيف إذا اجتمعت (ولو كان أمية بن عبد شمس) بن عبد مناف ، وهو أبو الأعياص والعنابس ، وإنما ذكره لشرفه هكذا أورده صاحب القوت وزاد ، وقال معاوية رضي الله عنه : يتبين حمق الرجل في طول قامته وعظم لحيته ، وفي كنيته ، وفي نقش خاتمه اهـ .

ومنه ما يحكى أن الأصمعي كان قد ذكر لهارون الرشيد هذه المقالة فبينما هو ذات يوم في علية له يشرف على السوق وبين يديه الأصمعي ؛ إذ مر رجل على هذه الصفة فقال هارون له : أترى هذا الرجل يكون أحمق ليجربه مولانا فطلبه في الحال فحضر فسأله عن اسمه فذكر له وسأله عن كنيته فقال أبو عبد الرحمن الرحيم مالك يوم الدين فقال الأصمعي : هذه واحدة فضحك هارون ، ثم سأله على نقش خاتمه فقال : وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين فقال الأصمعي : هذه ثنتان إلى آخر القصة وهي معروفة ، ثم قال صاحب القوت ، ولم تكن الأشياخ يستنكفون أن يتعلموا من الشباب ما جهلوا ولا يزرون عليهم لصغر سنهم ؛ إذ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لا مانع لما أعطى فيعطي فضله من يشاء من صبي وغيره ولا معطي لما منع من كبير وغيره .

(وقال أيوب) هو ابن أبي تميمة واسمه كيسان أبو بكر (السختياني) البصري الإمام نسب إلى محلة السختيان بالبصرة لنزوله فيها روى عن عمرو بن سلمة الجرمي ومعاذة وابن سيرين ، وعن شعبة وابن علية قال شعبة : ما رأيت مثله كان سيد الفقهاء مات سنة 121 عن ثلاث وستين سنة (أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه) فيقال له : تتعلم من هذا فيقول : نعم أنا عبده ما دمت أتعلم منه .

(وقال علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب الإمام زين العابدين والد أبي عبد الله الباقر (من سبق إليه العلم قبلك فهو) أفضل منك و (إمامك فيه ، وإن كان أصغر سنا منك) هكذا أورده صاحب القوت (وقيل لأبي عمرو بن العلاء ) تقدمت ترجمته قريبا (أيحسن من الشيخ) من بلغ سن الشيخوخة (أن يتعلم من الصغير فقال : إن كان الجهل يقبح به فالتعلم يحسن به) ونص القوت إن كانت الحياة تحسن به فالتعلم يحسن به وأنه يحتاج إلى العلم ما دام حيا .

(وقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل ) تقدمت ترجمتهما (وقد رآه يمشي خلف بغلة) الإمام (الشافعي ) رضي الله عنه وذلك ببغداد في القدمة الأولى ، وكان قد لازمه إذ ذاك كثيرا (يا أبا عبد الله) هي كنية الإمام أحمد وبقية الأئمة سوى أبي حنيفة (تركت حديث سفيان) بن عيينة لا سفيان الثوري ، فإنه قديم الوفاة سنة 162 (بعلوه وتمشي خلف بغلة هذا الشاب الفتى) يعني به الشافعي (وتسمع منه فقال له أحمد : لو عرفت ، لكنت تمشي) في ركابه (من الجانب الآخر إن علم سفيان إن فاتني بعلو) [ ص: 425 ] أي مشافهة من غير واسطة (أدركته بنزول) بواسطة عنه (وإن عقل هذا الشاب إن فاتني لم أدركه بعلو ولا نزول) هكذا أورده صاحب القوت والقطب الخيضري في اللمع الألمعية ، وكان عمر الشافعي إذ ذاك نيفا وأربعين سنة ولذلك وصفه بالشاب وبالفتى .

(تنبيه)

قد بقي مما يناسب إيراده في هذا الموضع من كتاب القوت ما نصه قال : وسمعت أبا بكر الجلال يقول : إني لأرى الصبي يعمل الشيء فأستحسنه فأقتدي به فيكون إمامي فيه فأما معنى الخبر الذي روى لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم عن أكابرهم ، فإذا أتاهم عن أصاغرهم هلكوا ، فإن ابن المبارك سئل عن ذلك فقال : أصاغرهم أهل البدع ؛ لأنه لا صغير من أهل السنة عنده علم ، ثم قال كم من صغير السن حملنا عنه كبير العلم ، وقد قيل عن أكابر يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا مواطئ للخبر الآخر لا يزال الناس بخير ما دام فيهم من رآني وليأتين عليهم زمان يطلب في أقطار الأرض رجل رآني فلا يوجد كيف ، وقد جاءت بذلك لفظة ذكرتها لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن أكابرهم ، فإذا أتاهم عن أصاغرهم استعصى الكبير على الصغير فهلكوا أي لا يرى لنفسه أن يتعلم منه لما ذكرنا من الحياء والكبر والاستنكاف ووجه آخر هذا مجازه عندي على الخبر والكون لا على الذم والعيب ؛ لأنه قد جاء في الأثر وصف هذه الأمة في أول الزمان يتعلم صغارها من كبارها ، فإذا كان آخر الزمان تعلم كبارها من صغارها ، فإن كان كذلك فهذا على تفضيل الأصاغر وتشريف هذه الأمة على سالف الأمم ؛ لأنهم لم يكونوا يحملون العلم إلا عن القسيسين والأحبار والرهبان والأشياخ العباد الزهاد وأخبر أن هذه الأمة في آخر الزمان تفضل سالف الأمم في أول أزمنتهم بأن يتعلم الكبير من الصغير بما فضلهم الله عز وجل فذلك كأشد وطاء للخبر الآخر أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أو آخره ولمثله من الشاهد الآخر كيف تهلك أمة أنا أولها والمسيح ابن مريم آخرها ، وقد روينا في الخبر لا تحقروا عبدا آتاه الله عز وجل علما ، فإن الله تعالى لم يحقره أن جعل العلم عنده ، وكان شعبة يقول : من كتبت عنه سبعة أحاديث أو تعلمت منه علما ، فأنا عبده ، وقال مرة أخرى : إذا كتبت عن الرجل سبعة أحاديث فقد استرقني ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية