إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
فضيلة المسجد وموضع الصلاة .

قال الله عز وجل : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وقال صلى الله عليه وسلم : من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له قصرا في الجنة .


(فضيلة المسجد) :

بيت الصلاة، والجمع المساجد، (و) فضيلة (موضع الصلاة) ، وهو أخص من المسجد (قال الله عز وجل:) ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ، وروي أنه لما أسر العباس يوم بدر وعيره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحم، وأغلظ له علي رضي الله عنه في القول، فقال: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فنزلت: أولئك حبطت ، الآية، ثم قال: ( إنما يعمر مساجد الله ) أي: شيئا من المساجد، وقيل: بل المسجد الحرام، وإنما جمع لأنه قبلة المساجد، وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويدل [ ص: 27 ] عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب بالتوحيد، (من آمن بالله) واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة، أي: إنما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها: تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج، وإدامة العبادة والذكر، ودرس العلم فيها، وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا .

(وقال صلى الله عليه وسلم: من بنى) بنفسه أو بني له بأمره (مسجدا) ، أي: محلا للصلاة .

وفي رواية: "لله مسجدا"، أي: لأجله، وتؤيده رواية: "يبتغي به وجه الله". وفي أخرى: "لا يريد به رياء ولا سمعة"، وأيا ما كان، فالمراد الإخلاص، وقد شدد الأئمة في تحريه حتى قال ابن الجزري: ومن كتب اسمه على مسجد بناه فهو بعيد من الإخلاص، والتنكير للشيوع فيشمل الصغير والكبير، وبه خرجت رواية الترمذي كما سيأتي بيانها، وإطلاق البناء غالبي، فلو ملك بقعة لا بناء بها، أو كان بملكه بناء فوقفه مسجدا صح؛ نظرا للمعنى، (ولو كمفحص قطاة) أي: مجثمها لتضع فيه بيضها وترقد عليه، كأنها تفحص عنه التراب، أي: تكشفه، وفي رواية زيادة: "لبيضها"، وعند ابن خزيمة : "ولو كمفحص قطاة أو أصغر"، وحمله الأكثر على المبالغة؛ لأن مفحصها لا يكفي مقداره للصلاة فيه، أو هو على ظاهره بأن يزيد في المسجد قدرا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة ذلك القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد، فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر، أو المراد بالمسجد موضع السجود، وهو ما يسع الجبهة، فأطلق عليه البناء مجازا، وقد استبعد بعضهم هذا الوجه، وقال الحافظ: لا يمتنع ذلك مجازا، إذ بناء كل شيء بحسبه، وقد شاهدنا كثيرا من المساجد في طرق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة، وهي في غاية الصغر، وبعضها لا يكون أكثر من محل السجود، لكن الحمل على الحقيقة أولى، وقال الزركشي: "لو" هنا للتعليل، وقد عده من معانيه ابن هشام الخضراوي، وجعل منه: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، وخص القطاة بهذا لأنها لا تبيض في شجرة، ولا على رأس جبل، إنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطير، فلذلك شبه به المسجد، ولأنها توصف بالصدق والهداية، ففيه إشعار بالإخلاص، ولأن أفحوصها تشبه محراب المسجد في استدارته وتكوينه، (بنى الله له) إسناد البناء إليه سبحانه مجاز، وأبرز الفاعل تعظيما وافتخارا، ولئلا تتنافر الضمائر، أو يتوهم عوده لباني المسجد (قصرا في الجنة) ، ورواية الأكثرين "بيتا" بدل "قصرا"، ورواية الشيخين": مثله في الجنة، وفيه: أن فاعل ذلك يدخل الجنة؛ إذ القصد ببنائه له إسكانه إياه .

(تنبيه) :

في تخريج هذا الحديث وبيان رواياته المختلفة، فلفظ المصنف أخرجه ابن ماجه من حديث جابر وعلي بإسناد صحيح بدون قوله: "ولو كمفحص قطاة"، بزيادة: "من بنى لله"، و"بيتا" بدل "قصرا"، ومثله لابن حبان من حديث أبي ذر، وابن عساكر عن علي، وأيضا عن عثمان، والطبراني في "الكبير" عن أسماء بنت يزيد، وفي "الأوسط"، والبيهقي من السنن عن عائشة، وفي الأوسط أيضا عن أبي بكر، وعن أبي هريرة، وعن أسماء بنت أبي بكر، وعن نبيط بن شريط، والدارقطني في العلل عن أبي بكر، وابن عساكر أيضا عن معاذ بن جبل وأم حبيبة رضي الله عنهم .

وأخرج الشيخان والترمذي من طريق عبيد الله بن الأسود الخولاني أنه سمع عثمان بن عفان يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة". وأخرجه أيضا هكذا أحمد والنسائي وابن ماجه وأبو يعلى وابن حبان ، وروى الإمام أحمد من حديث ابن عباس من رواية جابر الجعفي وهو ضعيف، عن عمار عن سعيد بن جبير عنه رفعه: "من بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة لبيضها، بنى الله له بيتا في الجنة". وعند ابن خزيمة : "كمفحص قطاة أو أصغر"، ومن روايات هذا الحديث: "من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله، بنى الله له بيتا في الجنة". أخرجه ابن ماجه وابن أبي شيبة وابن حبان عن عمر ومنها: "من بنى مسجدا يذكر الله فيه، بنى الله له بيتا في الجنة". أخرجه أحمد والنسائي عن عمرو بن عبسة، ومنها: "من بنى لله مسجدا بنى الله له في الجنة أوسع منه". أخرجه الطبراني عن أبي أمامة وفيه علي بن يزيد وهو ضعيف، ومنها: "من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا أوسع منه في الجنة". أخرجه أحمد عن ابن عمر وعن أسماء بنت يزيد ومنها: "من بنى لله [ ص: 28 ] مسجدا بنى الله له قصرا في الجنة من در وياقوت وزبرجد". أخرجه ابن النجار عن أبي هدبة عن أنس، ومنها: "من بنى مسجدا مفسح قطاة بنى الله له بيتا في الجنة". أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس، وفيه رجل لم يسم، ومنها: "من بنى لله مسجدا صغيرا كان أو كبيرا، بنى الله له بيتا في الجنة". أخرجه الترمذي والحاكم في السكنى عن أنس، ومنها: "من بنى لله مسجدا، ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة". أخرجه ابن أبي شيبة وابن حبان وأبو يعلى والروياني والطبراني في "الصغير"، وسعيد بن منصور عن أبي ذر، وابن أبي شيبة وحده عن عثمان، والخطيب في تاريخه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والطبراني في "الأوسط"، والخطيب وابن النجار عن ابن عمر ، والرافعي عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة الإمام عن عبد الله بن أبي أوفى، والطبراني في "الأوسط" عن أنس، ومنها: "من بنى مسجدا يراه الله، بنى الله له بيتا في الجنة، وإن مات من يومه غفر له". أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس ومنها: "من بنى مسجدا لا يريد به رياء ولا سمعة بنى الله له بيتا في الجنة، أخرجه الطبراني في "الأوسط" عن عائشة، ومنها: من بنى مسجدا، بنى الله له بيتا، قيل: وهذه المساجد التي في طريق مكة؟ قال: وهذه المساجد التي في طريق مكة" أخرجه ابن أبي شيبة عن عائشة، فهذا مجموع الروايات التي وردت في بناء المساجد، وعسى إن وجدت فسحة في العمر خرجت فيه جزءا بعون الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية