إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
تمييز الفرائض والسنن .

جملة ما ذكر يشتمل على فرائض وسنن وآداب وهيئات مما ينبغي لمريد طريق الآخرة أن يراعي جميعها .

فالفرض من جملتها اثنتا عشرة خصلة .


(تمييز الفرائض والسنن)

وبيان كل منها على وجه الإجمال، قال رحمه الله تعالى: (جملة ما ذكرناه) آنفا (يشتمل على) أربعة أنواع (فرائض وسنن وآداب وهيئات) في كل من الفرائض والسنن، فالفرائض هي الأركان والشروط .

وأما المندوبات فقسمان: مندوبات يشرع في تركها سجود السهو، ومندوبات لا يشرع فيها ذلك، والقسم الأول تسمى أبعاضا، ومنهم من يخصها باسم المسنونات، ويسمى القسم الثاني هيآت، وهذا هو الذي اختاره المصنف كما يظهر من سياق عبارته، وسيأتي الكلام على تسمية السنن أبعاضا قريبا، ثم إن المراد بالفرائض في كلام المصنف الأركان، وهي التي تكون داخل الصلاة، وقد عد التكبيرة منها، وأبو حنيفة فيما رواه أبو الحسن الكرخي عنه أنها ليست من الصلاة .

(مما ينبغي لمريد طريق الآخرة) وهو السالك في سبيلها (أن يراعي) ويلاحظ (جميعها) بالعمل بها (فالفرض من جملتها اثنتا عشرة خصلة) اعلم أن الصلاة في الشريعة عبارة عن الأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، ولا بد من مراعاة أمور أخر مع الاعتداد بتلك الأفعال، وتسمى هذه الأمور شروطا، وتلك الأفعال أركانا، ولا بد من معرفة الفرق بينهما، اعلم أن الركن والشرط يشتركان في أنه لا بد منهما، وكيف يفترقان؟ منهم من قال: يفترقان افتراق الخاص والعام، ولا معنى للشرط إلا ما لا بد منه، فعلى هذا كل ركن شرط، ولا ينعكس، وقال الأكثرون: يفترقان افتراق الخاصين، ونعني بالشرط ما يعتبر في الصلاة بحيث يقارن كل معتبر سواه، وبالركن ما لا يعتبر على هذا الوجه، هكذا اصطلاح المصنف في كتبه الثلاثة، وقد عبر عن الأركان هنا بالفرائض وعدها في الوجيز أحد عشر، وهنا اثني عشر تبعا لصاحب القوت في كل من التعبير والعد، ثم إن أجناس الأركان التي سماها فرائض، منها ما لا يتكرر كالسلام، ومنها ما يتكرر، أما في الركعة فكالسجود أو بحسب عدد الركعات كالركوع، ولم يعد الطمأنينة في الركوع وغيره أركانا، بل جعلها في كل ركن كالجزء منه والهيئة التابعة، كما سيأتي كلامه، وبه يشعر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ثم تركع حتى تطمئن راكعا". ومنهم من جعلها أركانا مستقلة، وضم صاحب التلخيص إلى الأركان المذكورة استقبال القبلة واستحسنه القفال وصوبه، ومنهم من فرض نية الخروج والموالاة والصلاة على آل النبي -صلى الله عليه وسلم- وألحقها بالأركان، ومنهم من ضم إلى تلك الأركان الترتيب في الأفعال، وهكذا أورده صاحب التهذيب .

(تنبيه) :

تقدم أن المصنف -رحمه الله تعالى- جعل أركان الصلاة في الوجيز أحد عشر، وفي الإحياء اثني عشر، وفي المحرر ثلاثة عشر بجعل الطمأنينة كالهيئة التابعة، وجعلها في التنبيه ثمانية عشر، فزاد الطمأنينة في الركوع والاعتدال والسجود والجلوس بين السجدتين، ونية الخروج من الصلاة، وجعلها في الروضة والتحقيق سبعة عشر؛ لأن الأصح أن نية الخروج لا تجب، وجعلها في الحاوي أربعة عشر، فزاد الطمأنينة إلا أنه جعلها في الأركان الأربعة ركنا واحدا .

قال الخطيب: والخلاف بينهم لفظي، فمن لم يعد الطمأنينة ركنا جعلها في كل ركن كالجزء منه وكالهيئة التابعة، ومن عدها أركانا فذاك لاستقلالها وصدق اسم [ ص: 100 ] السجود ونحوه بدونها جعلت أركانا لتغايرها باختلاف محالها، ومن جعلها ركنا واحدا فلكونها جنسا واحدا كما عدوا السجدتين ركنا، كذلك اهـ .

وهو تحقيق نفيس .

التالي السابق


الخدمات العلمية