إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وعلى الإمام وظائف قبل الصلاة وفي القراءة .

أما الوظائف التي هي قبل الصلاة فستة .

أولها : أن لا يتقدم للإمامة على قوم يكرهونه فإن اختلفوا كان النظر إلى الأكثرين فإن كان الأقلون هم أهل الخير ، والدين ، فالنظر إليهم أولى وفي الحديث : " ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رءوسهم " العبد الآبق وامرأة زوجها ساخط عليها وإمام أم قوما وهم له كارهون وكما ينهى عن تقدمه مع كراهتهم ، فكذلك ينهى عن التقدمة إن كان وراءه من هو أفقه منه ، إلا إذا امتنع من هو أولى منه ، فله التقدم فإن لم يكن شيء من ذلك فليتقدم مهما قدم ، وعرف من نفسه القيام بشروط الإمامة .

ويكره عند ذلك المدافعة فقد قيل : إن قوما تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة ، فخسف بهم .

وما روي من مدافعة الإمامة بين الصحابة رضي الله عنهم فسببه إيثارهم من رأوه أنه أولى بذلك أو خوفهم على أنفسهم السهو وخطر ضمان صلاتهم ، فإن الأئمة ضمناء وكأن من لم يتعود ذلك ربما يشتغل قلبه ويتشوش عليه الإخلاص في صلاته حياء من المقتدين لا سيما في جهره بالقراءة ، فكان لاحتراز من احترز أسباب من هذا الجنس .


(وعلى الإمام وظائف) مرتبة منها ما هي (قبل الصلاة) ، ومنها ما هي (قبل القراءة ، و) منها ما هي (في أركان الصلاة ، و) منها ما هي (بعد السلام . أما الوظائف التي) هي (قبل الصلاة فستة : الأولى) منها (أن لا يتقدم للإمامة على قوم يكرهونه ) ، سواء كرهه جيرانه ، أو كرهه من وراءه من المأمومين ، فيكره له التقدم (فإن اختلفوا) بأن كرهه قوم ، وأحبه قوم (كان النظر) في ذلك (إلى الأكثرين) منهم (فإن كان الأقلون هم أهل الخير ، والدين ، فالنظر إليهم أولى) ، ولفظ القوت : فإن اختلفوا نظر إلى أهل العلم ، والدين منهم ، فحكم بذلك ، ولا يعتبر بالأكثر إذا كان الأقلون هم أهل الخير (وفي الحديث : "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم ") ، وفي رواية : "آذانهم " ، وهو كناية عن عدم القبول ، كما صرح به في رواية الطبراني (العبد الآبق) ، أي : الفار من سيده ؛ بدأ به تغليظا للأمر فيه ، وفي رواية حتى يرجع إلا أن يكون إباقه من إضرار سيده به ، ولم يجد له ناصرا (وامرأة) باتت و (زوجها ساخط عليها) لأمر شرعي كسوء خلق ، وترك أدب ، ونشوز ، وهذا أيضا خرج مخرج الزجر ، والتهويل (وإمام قوم هم له كارهون) ، فإن الإمامة شفاعة ، ولا يتشفع المرء إلا بمن يحبه ، ويعتقد منزلته عند المشفوع إليه ، فيكره أن يؤم قوما يكرهه أكثرهم إن كانت الكراهة لمعنى يذم به شرعا ، وإلا فلا ، واللوم على كارهه ، ثم إن الذي يذم شرعا كفسق ، وبدعة ، وتساهل في تحرز عن خبث وإخلال بهيئة من هيئات الصلاة ، وتعامل حرفة مذمومة ، وعشرة فسقة ، ونحو ذلك .

قال العراقي : أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة ، وقال : حسن غريب ، وضعفه البيهقي . أهـ .

قلت : أخرجه في كتاب الصلاة بزيادة حتى يرجع الآبق ، والباقي سواء ، وقال الذهبي : ليس بالقوي ، وروي بإسنادين آخرين ، واختلف كلام العراقي ، ففي هذا الكتاب أقر بتضعيف البيهقي ، وفي موضع آخر من شرح الترمذي قال : إسناده حسن ، ووجد بخط الحافظ ابن حجر ، وصححه ابن حبان . أهـ .

وأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس رفعه : "ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا : رجل أم قوما وهم له كارهون ، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ، وأخوان متصارمان " . قال الحافظ مغلطاي في شرح السنن : إسناده لا بأس به ، وقال العراقي في شرح الترمذي : إسناده حسن .

وأخرج

[ ص: 172 ] أبو داود ، وابن ماجه ؛ كلاهما في الصلاة من رواية عبد الرحمن بن زياد الإفريقي عن عمران المعافري ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه : "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة : الرجل يؤم قوما وهم له كارهون ، والرجل لا يأتي الصلاة إلا دبارا ، ورجل اعتبد محررا " . قال العراقي في شرح الترمذي : الإفريقي ضعفه الجمهور ، وقال الصدر المناوي : ضعفه الشافعي ، وغيره ، وفي شرح المهذب : وهو ضعيف .

وأخرج الطبراني من حديث جنادة : "من أم قوما وهم له كارهون ، فإن صلاته لا تجاوز ترقوته " (وكما ينهى عن تقدمه) عليهم (مع كراهتهم ، فكذلك ينهى عن التقدمة إن كان وراءه من هو أفقه منه ، أو أقرأ) ، أي : أكثر فقها ، أو أكثر قراءة للقرآن ؛ أي : تجويدا له ، فقد أخرجه العقيلي من حديث ابن عمر : "من أم قوما وفيهم من هو أقرأ منه لكتاب الله وأعلم لم يزل في نكال إلى يوم القيامة " ، وفي الإسناد مجهول .

وفي القوت : وإمام المحلة أحق بالصلاة في مسجده ، فمن طرأ عليه ممن صلى خلفه ، فإن كان أعلم منه أذن له إمام المحلة في التقديم (إلا إذا امتنع من هو أولى منه) ، ولم يرض (بالتقديم ، فله التقدم) حينئذ ، فكأنه صار بإذن منه ، ونائبا عنه (فإن لم يكن شيء من ذلك) ، أي : الأفقه ، والأقرأ (فليتقدم مهما قدم ، وعرف من نفسه القيام بشروط الإمامة) ، وهي كثيرة : أعظمها التحرز عن النجاسات ، والتوقي عن الرذائل ، ومعرفة ما يصلح الصلاة ، وما يفسدها ، والمحافظة على توقي ما يخالف مذهب المأمومين (وتكره عند ذلك) ، أي : عند تقديمه ، وتحليه بالشروط (المدافعة) ، أي : لا يتأخر عن الإمامة ، ويقدم غيره (فقد قيل : إن قوما تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة ، فخسف بهم) أورده صاحب القوت بلفظ : ولكن إذا أقيمت الصلاة ، فليتقدم من أمر بها ، ولا يتدافعون ، فقد جاء في العلم أن قوما . . . فذكره (وما روي من مدافعة الإمامة بين الصحابة رضي الله عنهم) ، وذلك فيما رواه صاحب القوت : أنهم اجتمعوا في منزل أحدهم ، فجعل ابن مسعود يقدم أبا ذر ، وأبو ذر يقدم عمارا ، وعمار يقدم حذيفة ، فلم يتقدم أحدهم ، فأمروا مولى فتقدم فصلى بهم (فسببه إيثارهم من رأوه أولى بها) هضما لنفوسهم (أو خوفهم على أنفسهم السهو) لكمال استغراقهم في صلواتهم ، وفي بعض النسخ : الشهرة بدل السهو (و) قيل لأجل (خطر ضمان الصلاة ، فإن الأئمة) كما ورد (ضمناء) جمع ضمين ككريم وكرماء ؛ بمعنى الضامن كما سيأتي (وكان من لم يتعود ذلك) ، أي : التقديم على القوم (ربما يشتغل قلبه) بشيء (ويشوش عليه) ذلك الاشتغال (الإخلاص) المطلوب (في الصلاة حياء من المقتدين) به (لا سيما في جهره بالقراءة ، فكان احتراز من احترز من ذلك لأسباب من هذا الجنس) ، وفي بعض النسخ : فكان لاحتراز من احترز من ذلك أسباب من هذا الجنس ، ولكن الأولى بحال الصحابة الوجه الأول ، وهو الإيثار ، وخطر الضمان ، وقد كان من وصفهم ، وقد مدحوا به ، وأورده صاحب القوت من سنن السلف أنهم كانوا يكرهون أربعة أشياء ، ويتدافعونها : الفتيا ، والإمامة ، والوصية ، والوديعة ، وتقدم هذا في كتاب العلم ، ثم قال : وقال بعضهم : ما شيء أحب إلي من الصلاة في جماعة أكون مأموما فأكفى سهوها ، ويتحمل غيري ثقلها ، وهذا قد تقدم قريبا في فضل صلاة الجماعة ، ثم قال : وكان بشر - رحمه الله تعالى - يقول : من أراد سلامة الدنيا ، والآخرة ، فليجتنب أن لا يحدث ، ولا يشهد ، ولا يفتي ، وفي بعضها : ولا يجيب دعوة ، ولا يقبل هدية . قال : وهذا من تشديده - رحمه الله تعالى . قال : وقال أبو حازم : كان سهل بن سعد يقدم فتيان قومه يصلون به ، فقلت له : رحمك الله ؛ أنت صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولك من السابقة ، والفضل لم لا تؤم قومك ؟ قال : يا ابن أخي ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : "الإمام ضامن " فأكره أن أكون ضامنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية