إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الخامسة : أن لا يكبر حتى تستوي الصفوف فليلتفت يمينا ، وشمالا ، فإن رأى خللا أمر بالتسوية .

قيل : كانوا يتحاذون بالمناكب ويتضامون بالكعاب .

ولا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة .


(الخامسة : أن لا يكبر الإمام حتى تستوي) ، ولفظ القوت : تعتدل (الصفوف) ، ورآه (فليلتفت يمينا ، وشمالا ، فإن رأى خللا) فيها ، أو اعوجاجا (أمر بالتسوية) قائلا : سووا صفوفكم يرحمكم الله تعالى ، ولفظ القوت : فإن رأى اعوجاجا أشار بيده ، وإن رأى خللا أمر بسده ، فإن إتمام الصفوف من تمام الصلاة . أهـ .

ويجوز

[ ص: 180 ] أن يسويها غير الإمام ، ولكن الإمام أولى ، والسر في تسويتها مبالغة المتابعة ، وقد أخرج أحمد ، والشيخان ، وأبو داود ، وابن ماجه من حديث أنس ، واللفظ للبخاري : سووا صفوفكم ، فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة ، وقد أخذ بظاهره ابن حزم ، فأوجب التسوية ؛ لأن الإقامة واجبة ، وكل شيء من الواجب واجب ، ومنع بأن حسن الشيء زيادة على تمامه ، ولا يضره رواية : من تمام الصلاة ؛ لأن تمام الشيء عرفا أمر زائد على حقيقته غالبا .

وأخرج الدارمي في مسنده من حديث النعمان بن بشير : لتسون صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين قلوبكم ، وفي رواية للبخاري : بين وجوهكم ، وعند أحمد من حديث أبي أمامة : لتسون صفوفكم ، أو لتطمسن الوجوه ، وفي الباب أحاديث كثيرة .

(قيل : كانوا يتحاذون بالمناكب) ، أي : يجعل كل واحد منكبه حذاء منكب أخيه (ويتضامون بالكعاب) جمع كعب ، وهو العظم الناتئ عند ملتقى الساق والقدم ، ولكل قدم كعبان عن يمنتها ويسرتها ، صرح به الأزهري ، وغيره من أئمة اللغة ، وهو كعب الوضوء لا كعب الإحرام ، ولفظ القوت : وكان السلف يتحاذون بين المناكب ، ويتضامون بالكعاب . أهـ .

وهذا ما لم يؤذ جاره ، وروى مسلم من حديث جابر بن سمرة ، خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ؟ قلنا : وكيف تصف عند ربها ؟ قال : يتمون الصفوف الأول ، ويتراصون في الصف " ، والمطلوب من تسويتها محبة الله لعباده (ولا يكبر) ، أي : لا يقول الإمام : الله أكبر (حتى يفرغ المؤذن من الإقامة) ، وفي عقيبها يأتي بالتكبير ، وهو المذهب عنده ، ومذهبنا يكبر عند قول المقيم : قد قامت الصلاة .

وفي القوت : وليأخذ في الصلاة مكبرا إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة ، ويكون الناس قد قاموا إذ قال المؤذن : حي على الصلاة قام الناس للدعوة ، فإذا قال : قد قامت الصلاة كبر الإمام ، أي : قد قام الناس للصلاة ، أو قد قام المصلون ؛ لأن الصلاة لا تقوم إذا قاموا عند قوله : قد قامت الصلاة ، ولم يكن المؤذن قد كذب في قوله ، وإن كان جائزا على المجاز لقرب الوقت وظهور سبب القيام ؛ ولذلك كره أن يكون الإمام مؤذنا ؛ لأنه حينئذ يحتاج أن يكبر ، ويدخل الناس في قوله : قد قامت الصلاة ؛ ولذلك جاء عن السلف من السنة أن يكون الأذان في المنارة ، والإقامة في المسجد ليقرب على المؤذن الدخول في الصلاة . أهـ .

(تنبيه)

اختلفوا في المأموم متى ينبغي أن يقوم إلى الصلاة إذا كان في المسجد ينتظر الصلاة ، فمن قائل في أول الإقامة ، ومن قائل عند قوله : حي على الصلاة ، ومن قائل : عند قوله : حي على الفلاح ، ومن قائل : حتى يرى الإمام ، ومن قائل : لا توقيت في ذلك ، وقد ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تقوموا حتى تروني ، فإن صح هذا الحديث وجب العمل به ، ولا يعدل عنه ، وقالت مشايخنا أهل الفقه : إن الظاهر في ذلك يقوم عند الحيعلتين ، ويكبر الإمام عند لفظ الإقامة ، ومشايخنا أهل الكشف الباطن يقولون : عليه المسارعة في أول الإقامة ، والحديث المذكور ، فإن حكم النبي في هذه المسألة بانتظارنا إليه ، ولا نقوم حتى نراه ، كما أمر ما هو كحالنا اليوم ، فإن زمان وجود النبي كان الأمر جائزا أن ينسخ ، وأن يتجدد حكم آخر ، فكان ينبغي أن لا يقوموا لقول المؤذن حتى يروا النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الصلاة فيعلمون عند ذلك أنه ما حدث أمر يرفع حكم ما دعوا إليه بخلاف اليوم ، فإن حكم القيام إلى الصلاة باق ، فيقوم إذا سمع المؤذن يقيم مسارعا . والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية