إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
والأخبار فيه متعارضة ، واختيار الشافعي رضي الله عنه الجهر .


(والأخبار فيها) هل يجهر بها أم لا (متعارضة ، واختيار الشافعي - رضي الله عنه - الجهر) .

قلت : قد أفرد هذه المسألة بالتصنيف جماعة منهم : ابن خزيمة ، وابن حبان ، والدارقطني ، والبيهقي ، وابن عبد البر ، والخطيب البغدادي ، وآخرون ، وقد أذكر هنا أحاديث الطرفين ، والآثار الواردة عن الصحابة ، ومن بعدهم ، مقدما أحاديث الجهر ؛ مراعاة لمذهب المصنف ، مع الكلام على كل حديث وأثر مما اقتضاه المقام مع كمال إنصاف ، وعدم تعصب ، متوكلا على الله ، معتمدا على مواهبه - جل جلاله - ، ومع ذلك ، فلكل وجهة ، ولكل نصيب فيما اجتهد فيه ، فأقول : للقائلين بالجهر تسعة أحاديث ، وخمسة آثار . أما الأحاديث ، فأولها ، وهو أجودها حديث أبي هريرة ، أخرجه البيهقي في السنن من طريق حيوة بن شريح ، والليث ، واللفظ له ، حدثنا خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن نعيم المجمر قال : صليت وراء أبي هريرة ، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم قرأ بأم القرآن ، وقال : آمين ، وقال الناس : آمين ، ويقول كلما سجد الله أكبر ، وإذا قام من الجلوس قال : الله أكبر ، ويقول إذا سلم ، والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : إسناده صحيح ، وله شواهد ، وقال في الخلافيات : رواته كلهم ثقات ، مجمع على عدالتهم ، محتج بهم في الصحيح ، وأخرجه النسائي في سننه ، فقال : باب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا شعيب ، أخبرنا الليث بن سعد ، فذكره ، ورواه ابن خزيمة في صحيحه ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، وقال : إنه على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، والدارقطني في سننه ، وقال : حديث صحيح ، ورواته كلهم ثقات ، والجواب عنه من وجوه : أحدها : إنه حديث معلول ، فإن ذكر البسملة فيه مما تفرد به نعيم المجمر من بين أصحاب أبي هريرة ، وهم ثمانمائة ما بين صاحب ، وتابع ، ولا يثبت عن ثقة من أصحاب أبي هريرة أنه حدث عن أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بالبسملة في الصلاة ، وقد أعرض عن ذكر البسملة صاحبا

[ ص: 184 ] الصحيح ، فرواه البخاري من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة ، وغيرها ، فيكبر حين يقوم ، ثم يكبر حين يركع ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، ثم يقول : ربنا لك الحمد ، ثم يقول : الله أكبر حين يهوي ساجدا ، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود ، ثم يكبر حين يسجد ، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود ، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين ، وذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ، ثم يقول : حين ينصرف ، والذي نفسي بيده إني لأقربكم شبها بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا ، ورواه مسلم بنحو ذلك . هذا هو الصحيح الثابت عن أبي هريرة .

قال ابن عبد البر : وكأنه كان ينكر على من ترك التكبير في رفعه ، وخفضه . قال : ويدل على أنهم كانوا يفعلون ذلك ما رواه النسائي من طريق ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن سمعان ، عن أبي هريرة أنه قال : ثلاث كان يفعلهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تركهن الناس : كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا ، وكان يقف قبل القراءة هنيهة ، وكان يكبر في كل خفض ، ورفع . ورواه ابن أبي ذنب في موطئه كذلك باللفظ المذكور ، ورواه البخاري في القراءة خلف الإمام ، وأبو داود الطيالسي في مسنده ، وهذا حديث حسن ، ورواته ثقات ، وسعيد بن سمعان الأنصاري صدوق وثقه النسائي ، وابن حبان ، وليس للتسمية في هذا الحديث ، ولا في الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة ذكر ، وهذا مما يغلب على الظن أنه وهم على أبي هريرة ، فإن قبل قد رواها نعيم المجمر ، وهو ثقة ، والزيادة من الثقة مقبولة ، قلنا : ليس ذلك مجمعا عليه ؛ بل فيه خلاف مشهور ، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقا ، ومنهم من لا يقبلها ، والصحيح التفصيل ، وهو أنها تقبل في موضع دون موضع ، فتقبل إذا كان الراوي لها ثقة حافظا ثبتا ، والذي لم يذكرها مثله ، أو دونه في الثقة ، ولا تقبل في موضع آخر لقرائن تخصها ، ومن حكم في ذلك حكما عاما ، فقد غلط ؛ بل كل زيادة لها حكم يخصها ، ففي موضع يجزم بصحتها ، وفي موضع يغلب على الظن صحتها ، وفي موضع يتوقف فيها ، وزيادة نعيم المجمر التسمية في هذا الحديث مما يتوقف فيه ؛ بل يغلب على الظن ضعفه ، وعلى تقدير صحتها ، فلا حجة فيها للقائل بالجهر ؛ لأنه قال : فقرأ ، أو فقال : بسم الله الرحمن الرحيم ، وذلك أعم من قراءتها سرا ، أو جهرا ، وإنما هو حجة على من لا يرى قراءتها ، فإن قيل : لو كان أبو هريرة أسر بالبسملة ، وجهر بالفاتحة لم يعبر عن ذلك نعيم بعبارة واحدة متناولة للفاتحة ، والبسملة تناولا واحدا ، ولقال : فأسر بالبسملة ، ثم جهر بالفاتحة ، والصلاة كانت جهرية بدليل تأمينه ، وتأمين المأمومين . قلنا : ليس الجهر فيه بصريح ، ولا ظاهر يوجب الحجة ، ومثل هذا لا يقدم على النص الصريح المقتضي للإسرار ، ولو أخذ الجهر من هذا الإطلاق لأخذ منه أنها ليست آية من أم القرآن ، فإنه قال : فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم قرأ أم القرآن ، والعطف يقتضي المغايرة .

الوجه الثاني أن قوله : فقرأ ، أو قال : ليس بصريح أنه سمعها منه ؛ إذ يجوز أن يكون أبو هريرة أخبر نعيما بأنه قرأها سرا ، أو يجوز أن يكون سمعها منه في مخافتته لقربه منه ، كما روي عنه من أنواع الاستفتاح ، وألفاظ الذكر في قيامه ، وقعوده ، وركوعه ، وسجوده ، وقد روى مسلم في الصحيح ، عن علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول : إذا قام في الصلاة : وجهت وجهي . . . الحديث ، ولم يكن سماع الصحابة ذلك منه دليلا على الجهر ، وكذا قوله : وكان يسمعنا الآية أحيانا .

الوجه الثالث : إن قوله : إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما أراد به أصل الصلاة ، ومقاديرها ، وهيئاتها ، وتشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي أن يكون مثله من كل وجه ؛ بل يكفي في غالب الأفعال ، وذلك متحقق في التكبير ، وغيره دون البسملة ، فإن التكبير ، وغيره من أفعال الصلاة ثابت صحيح عن أبي هريرة ، وكان مقصوده الرد على من تركه . أما التسمية ، ففي صحتها عنه نظر ، فينصرف إلى الصحيح الثابت دون غيره ، وكيف يظن بأبي هريرة أنه يريد التشبيه في الجهر بالبسملة ، وهو الراوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين . . . الحديث ، وقد سبق ذكره ، وأنه أخرجه مسلم في صحيحه ، عن سفيان ، ومالك ، وابن جريج ، كلهم عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ،

[ ص: 185 ] وأبي السائب ، كلاهما عنه ، فهو ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة ، وإلا لابتدأ بها ؛ لأن هذا محل بيان ، واستقصاء لآيات السورة حتى أنه لم يخل منها بحرف ، والحاجة إلى قراءة البسملة أمس ليرتفع الإشكال .

قال ابن عبد البر : حديث العلاء هذا قاطع تعلق المتنازعين ، وهو نص لا يحتمل التأويل ، ولا أعلم حديثا في سقوط البسملة أبين منه ، واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بأمرين : أحدهما : قال : لا تغتر بكون هذا الحديث في مسلم ، فإن العلاء بن عبد الرحمن تكلم فيه ابن معين ، فقال : الناس يتقون حديثه ، ليس حديثه بحجة ، مضطرب الحديث ، ليس بذاك ، هو ضعيف ، روي عنه جميع هذه الألفاظ ، وقال ابن عدي : ليس بالقوي ، وقد انفرد بهذا الحديث ، فلا يحتج به .

الثاني : قال : وعلى تقدير صحته ، فقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية ، كما أخرجه الدارقطني ، عن عبد الله بن يزيد بن سمعان ، عن العلاء ، فذكره ، وهذه الرواية وإن كان فيها ضعف ، ولكنها مفسرة لحديث مسلم أنه أراد السورة لا الآية ، وهذا القائل حمله الجهل ، وفرط التعصب على أن ترك الحديث الصحيح ، وضعفه لكونه غير موافق لمذهبه ، وقال : لا تغتر بكونه في مسلم مع أنه قد رواه عن العلاء الأئمة الثقات كمالك وأضرابه ممن تقدم ذكرهم آنفا عند ذكر المصنف لهذا الحديث ، ولم يذكروا هذه الزيادة ، والعلاء نفسه ثقة صدوق من رجال الصحيحين ، وهذه الرواية مما انفرد بها ابن سمعان ، وهو كذاب ، ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة ، ولا في المصنفات المشهورة ، ولا المسانيد المعروفة ، وإنما رواه الدارقطني في سننه ، وفي كتاب العلل ، مع أنه نبه في كل منهما على حال ابن سمعان بأنه متروك ضعيف ، وحسبك بالأول قد أودعه مسلم في صحيحه ، وزيادة ابن سمعان باطلة قطعا ، زادها خطأ ، أو عمدا ، فإنه متهم بالكذب ، مجمع على ضعفه ، ومن هنا يظهر أن ما أورده الشهاب السهروردي من طريق آدم بن أبي إياس ، عن العلاء بمثل زيادة ابن سمعان ينظر فيه إن لم تختلط رواية برواية ، فإنهم أجمعوا على أن أصحاب العلاء لم يذكر أحد هذه الزيادة في حديث أبي هريرة ، ولو كانت رواية آدم ثابتة عندهم ما احتاجوا إلى الاستدلال برواية ابن سمعان ، فكيف يعل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم بالحديث الضعيف الذي رواه الدارقطني ، وهلا جعلوا الحديث الصحيح علة للضعيف ، ومخالفة أصحاب أبي هريرة الثقات لنعيم موجبا لرده ؛ إذ مقتضى العلم أن يعل الحديث الضعيف بالحديث الصحيح . والله أعلم .

(تنبيه) :

رواية العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رواها ابن عيينة ، وتابعه شعبة ، وروح بن القاسم ، والدراوردي ، وإسماعيل بن جعفر ، وجماعة ، ورواية العلاء ، عن أبي السائب ، عن أبي هريرة رواها مالك ، وتابعه ابن جريج ، وابن إسحاق ، والوليد بن كثير ، وقد جمع مسلم بين الروايتين جمعا وإفرادا ، وليس هذا الاختلاف علة ، فإن العلاء سمعه من أبيه ، ومن أبي السائب ؛ ولهذا يجمعهما مسلم تارة ، وتارة يفرد أباه ، وتارة يفرد أبا السائب . والله أعلم .

ولأبي هريرة حديث آخر أخرجه الخطيب في الجزء الذي صنفه في هذه المسألة ، فساق من طريق أبي أويس المدني ، واسمه عبد الله بن أويس قال : أخبرني العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أم الناس جهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، ورواه الدارقطني في السنن ، وابن عدي في الكامل ، فقالا فيه قرأ بدل جهر ، وكأنه رواه بالمعنى ، والجواب : لو ثبت هذا عن أبي أويس ، فهو غير محتج به ؛ لأن أبا أويس لا يحتج بما انفرد به ، فكيف إذا انفرد بشيء ، وخالفه فيه من هو أوثق منه ؟ مع أنه تكلم فيه ، فوثقه جماعة ، وضعفه آخرون ، وممن ضعفه أحمد بن حنبل ، وابن معين ، وأبو حاتم الرازي ، وممن وثقه الدارقطني ، وأبو زرعة ، وروى له مسلم في صحيحه ، ومجرد الكلام في الرجل لا يسقط حديثه ، ولو اعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة ؛ إذ لم يسلم من كلام الناس إلا من عصمه الله تعالى ؛ بل خرج في الصحيح لخلق ممن تكلم فيهم ، ولكن صاحبا الصحيح إذا أخرجا لمن تكلم فيه ، فإنهم ينتقون من حديثه ما توبع عليه ، وظهرت شواهده ، وعلم أن له أصلا ، ولا يروون ما تفرد به ، سيما إذا خالفه الثقات ، وهذه العلة راجت على كثير من الناس ممن استدرك على الصحيحين ، فتساهلوا في استدراكهم ؛ إذ لا يلزم من كون الراوي محتجا به في الصحيح أنه إذا وجد

[ ص: 186 ] في أي حديث كان يكون ذلك الحديث على شرطه ، وقد يوجد في الصحيح رجل روى عن معين لضبطه حديثه ، وخصوصيته به ، ولم يخرجا حديثه عن غيره لضعفه فيه ، أو لعدم ضبطه لحديثه ، أو لكونه غير مشهور عنه ، فيجيء المستدرك فيخرجه عن غير ذلك المعين ، ثم يقول : هذا على شرط الشيخين ، أو أحدهما ، وهذا فيه تساهل كبير ينبغي التنبه لذلك ، فحديث أبي أويس هذا لم يترك لكلام الناس فيه ؛ بل لتفرده به ، ومخالفة الثقات له ، وعدم إخراج أصحاب المسانيد ، والكتب المشهورة ، والسنن المعروفة ، ولرواية مسلم الحديث في صحيحه من طريقه ، وليس فيه ذكر البسملة . والله أعلم .

ولأبي هريرة حديث آخر أخرجه الدارقطني ، عن خالد بن إلياس ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : علمني جبريل الصلاة ، فقام ، فكبر لنا ، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر به في كل ركعة ، والجواب هذا الإسناد ساقط ، فإن خالد بن إلياس ، ويقال : فيه ابن إياس مجمع على ضعفه ؛ بل منكر الحديث متروكه ، كما قاله أحمد ، والنسائي ، وقال الحاكم : روي عن سعيد المقبري ، وابن المنكدر ، وهشام بن عروة أحاديث موضوعة ، والصواب في هذا الحديث وقفه ، وهكذا رواه نوح بن أبي مريم ، عن المقبري ، كما بينه الدارقطني في العلل ، ولئن سلم ، فليس فيه دلالة على الجهر ، ونحن لا ننكر أنها من القرآن ، وإنما النزاع في الجهر بها ، ومجرد قراءته - صلى الله عليه وسلم - إياها قبل الفاتحة لا يدل على ذلك ، وأيضا ، فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة ، كما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رفعه : الحمد لله هي أم القرآن ، وهي السبع المثاني ، والقرآن العظيم ، ورواه أبو داود ، والترمذي ، وقال : حسن صحيح .

ولأبي هريرة حديث آخر أخرجه البيهقي في السنن من طريق عقبة بن مكرم ، حدثنا يونس بن بكير ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس ، عن أبي هريرة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ، فترك الناس ذلك هذا هو الصواب ، ووهم من قال : مسعر بدل أبي معشر ، والجواب على تقدير ثبوت هذا الحديث من رواية أبي معشر ، كما قال : إنه الصواب ، فقد قال الذهبي في مختصره : أبو معشر ضعيف ، واسمه نجيح السندي ، وقد ضعفه البيهقي في غير موضع من كتابه ، وكان القطان لا يحدث عنه .

الحديث الثاني لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، وله ثلاث طرق ؛ أحدها : رواه الحاكم في المستدرك ، عن سعيد بن عثمان ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذن ، حدثنا قطر بن خليفة ، عن أبي الطفيل ، عن علي ، وعمار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم ، وقال : صحيح الإسناد ، لا أعلم في رواته منسوبا إلى الجرح ، والجواب : قال الذهبي في مختصره : هذا خبر واه كأنه موضوع ؛ لأن عبد الرحمن صاحب مناكير ، ضعفه ابن معين ، وسعيد بن عثمان مجهول ، وإن كان هو الكريري ، فهو ضعيف . أهـ . وعن الحاكم رواه البيهقي في المعرفة بسنده ، ومتنه ، وقال : إسناده ضعيف . أهـ . وقال ابن عبد الهادي : هذا حديث باطل ، ولعله أدخل على الحاكم .

الثاني : رواه الدارقطني في سننه ، عن أسيد بن زيد ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن أبي الطفيل ، عن علي ، وعمار نحوه ، والجواب أن : عمرو بن شمر ، وجابرا الجعفيين لا يحتج بهما ، قال البخاري : عمرو بن شمر منكر الحديث ، وقال النسائي ، والدارقطني ، والأزدي : متروك الحديث ، وقال الحاكم : كثير الموضوعات ، وقال الجوزجاني : زائغ كذاب ، وأما جابر الجعفي ، فقال : فيه أبو حنيفة ما رأيت أكذب منه ، وأسيد بن زيد كذبه ابن معين ، وتركه النسائي .

الثالث : رواه الدارقطني أيضا عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب العلوي ، عن أبيه ، عن جده علي قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين جميعا ، والجواب أن عيسى هذا متهم بوضع الحديث ، وقال ابن حبان ، والحاكم : روى عن آبائه أحاديث موضوعة لا يحل الاحتجاج به .

الحديث الثالث لابن عباس - رضي الله عنه - له أربع طرق ، أحدها : عند الحاكم في المستدرك ، عن عبد الله بن عمر بن حسان ، حدثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . قال الحاكم :

[ ص: 187 ] إسناده صحيح ، وليس له علة ، قد احتج البخاري بسالم هذا ، وهو ابن عجلان الأفطس ، واحتج مسلم بشريك . أهـ .

والجواب : هذا الحديث غير صريح ، ولا صحيح ، فأما كونه غير صريح ، فإنه ليس فيه أنه في الصلاة ، وأما كونه غير صحيح ، فإن عبد الله بن عمرو بن حسان الواقفي كان يضع الحديث . قاله ابن المديني ، وقال ابن عدي : أحاديثه مقلوبات ، وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه ، فقال : ليس بشيء ، كان يكذب ، وقول الحاكم احتج مسلم بشريك فيه نظر ، فإنه إنما روى له في المتابعات لا في الأصول .

الثاني : عند الدارقطني ، عن أبي الصلت الهروي ، حدثنا عباد بن العوام ، حدثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير ، عنه قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ، والجواب : إن هذا أضعف من الأول ، فإن أبا الصلت عبد السلام بن صالح الهروي متروك . قال أبو حاتم : ليس عندي بصدوق ، وضرب أبو زرعة على حديثه ، وقال : لا أرضاه ، وقال الدارقطني : رافضي خبيث متهم ، وقد خالفه غيره ، فرواه عن عباد فأرسله ، وليس فيه أنه في الصلاة . أخرجه أبو داود .

وفي المراسيل : حدثنا عباد بن موسى ، حدثنا عباد بن العوام ، عن شريك ، عن سالم ، فساقه . الثالث : أخرجه البيهقي من طريق إسحاق بن راهويه ، أخبرنا المعتمر بن سليمان ، سمعت إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان يحدث عن أبي خالد ، عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة ، يعني كان يجهر بها . رواه يحيى بن معين ، عن المعتمر ، ولفظه : كان يستفتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم ، وله شواهد ذكرتها في الخلافيات . أهـ .

والجواب : أولا : إن إسماعيل بن حماد لم يكن بالقوي في الحديث . قال البزار بعد أن أخرج هذا الحديث في مسنده من طريقه : ورواه العقيلي ، وأعله بإسماعيل هذا ، وقال : حديثه غير محفوظ ، وقال : أبو خالد مجهول . قاله ابن عدي ، وسئل عنه أبو زرعة ، فقال : لا أعرفه ، ولا أدري من هو .

قلت : ولكن البزار قال فيه : أحسبه الوالي ، فإن كان كما حسب فاسمه هرمز ، وهو ثقة ذكره ابن حبان في الثقات ، ولا أخاله يخفى على أبي زرعة ، حيث قال : لا أعرفه .

وثانيا : هذا التفسير الذي ذكره ليس من قول ابن عباس ، وإنما هو من قول غيره من الرواة ، وهو حديث لا يحتج به على كل حال .

الرابع : أخرج الدارقطني ، من طريق عمر بن حفص المكي ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم حتى قبض ، والجواب : إن هذا لا يجوز الاحتجاج به ، فإن عمر بن حفص ضعيف .

قال ابن الجوزي في التحقيق : أجمعوا على ترك حديثه ، وضعفه البيهقي أيضا في غير موضع من السنن ، وأنه لا يحتج به ، وقال ابن عبد الهادي : يجاب عن حديث ابن عباس من وجوه :

أحدها : الطعن في صحته ، فإن مثل هذه الأسانيد لا تقوم بها حجة ، فلو سلمت من المعارض ، فكيف وقد عارضتها الأحاديث الصحيحة ، وصحة الإسناد تتوقف على ثقة الرجال ، ولو فرض ثقة الرجال لم يلزم منه صحة الحديث حتى ينتفي عند الشذوذ .

والعلة الثانية أن المشهور في لفظه الاستفتاح لا لفظ الجهر .

الثالث : إن قوله جهر إنما يدل على وقوعه مرة ؛ لأن كان يدل على وقوع الفعل ، وأما استمراره فيفتقر إلى دليل من خارج ما روي أنه لم يزل يجهر بها فباطل ، كما سيأتي .

الرابع : إنه روي عن ابن عباس ما يعارض ذلك ؛ قال : الإمام أحمد ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الملك بن أبي بشير ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قراءة الأعراب ، وكذلك رواه الطحاوي .

قلت : وكذلك رواه ابن عبد البر في الاستذكار ، ثم قال : يقويه ما رواه أبا الأثرم بسنده إلى عكرمة . قال : أنا أعرابي إن جهرت ببسم الله الرحمن الرحيم . والله أعلم .

الحديث الرابع لابن عمر - رضي الله عنه - قال الدارقطني : حدثنا عمر بن الحسن بن علي الشيباني ، حدثنا جعفر بن محمد بن مروان ، حدثنا أبو طاهر أحمد بن عيسى ، حدثنا ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر ، فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ، والجواب : إن هذا باطل من هذا الوجه ؛ لم يحدث به ابن أبي فديك قط ، والمتهم به أحمد بن عيسى العلوي المتقدم ذكره ، وقد كذبه الدارقطني نفسه ، وابن أبي فديك بريء مما نسب إليه ، وشيخ الدارقطني ضعيف أيضا ،

[ ص: 188 ] تكلم فيه الدارقطني نفسه ، وشيخه جعفر بن محمد بن مروان لا يحتج به .

الحديث الخامس للنعمان بن بشير - رضي الله عنه - ، وأخرجه الدارقطني في سننه ، عن يعقوب بن يوسف بن زياد الضبي ، حدثنا أحمد بن حماد الهمداني ، عن قطر بن خليفة ، عن أبي الضحى ، عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمني جبريل عند الكعبة ، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، والجواب : هذا حديث منكر ؛ بل موضوع ، ويعقوب بن يوسف الضبي ليس له ذكر في الكتب المشهورة المصنفة في الرجال ، ويحتمل أن يكون هذا الحديث من وضعه ، وأحمد بن حماد ضعفه الدارقطني ، وسكوت الدارقطني ، والخطيب ، وغيرهما من الحفاظ عن مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جدا ، ولم يتعلق ابن الجوزي إلا بقطر بن خليفة ، وهو تقصير منه ، وكأنه اعتمد على قول السعدي فيه هو زائغ غير ثقة ، وليس هذا بطائل ، فإن قطر بن خليفة روى له البخاري في صحيحه ، ووثقه أحمد ، والقطان ، وابن معين . والله أعلم .

الحديث السادس للحكم بن عمير - رضي الله عنه . قال الدارقطني : حدثنا أبو الشيخ الحسين بن محمد بن بشر الكوفي ، حدثنا أحمد ، عن موسى بن إسحاق ، حدثنا إبراهيم بن حبيب ، حدثنا موسى بن أبي خبيب الطائفي ، عن الحكم بن عمير ، وكان بدريا قال : صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الليل ، وصلاة الغداة ، وصلاة الجمعة ، والجواب : هذا الحديث باطل من وجوه : أحدها : إن الحكم بن عمير ليس بدريا ، ولا في البدريين أحد اسمه كذلك ؛ بل لا تعرف له صحبة ، فإن موسى بن أبي حبيب الراوي عنه لم يلق صحابيا ؛ بل هو مجهول لا يحتج بحديثه ، ولعل الصواب ، وكان بدويا ، أي : ينزل البادية ، فوقع التصحيف ، فقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل : الحكم بن عمير روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث منكرة لا يذكر سماعا ، ولا لقاء روى عنه ابن أخيه موسى بن أبي حبيب ، وهو ضعيف الحديث ، سمعت أبي يذكر ذلك ، وقال الدارقطني : موسى بن أبي حبيب شيخ ضعيف الحديث ، وقد ذكر الطبراني في معجمه الكبير الحكم بن عمير ، وقال : في نسبته الثمالي . روى له بضعة عشر حديثا منكرا ، وكلها من رواية موسى بن أبي حبيب عنه ، وروى له ابن عدي في الكامل قريبا من عشرين حديثا منكرا ، ولم يذكر فيها هذا الحديث ، والراوي عن موسى إبراهيم بن إسحاق الكوفي .

قال الدارقطني : متروك الحديث ، وقال الأزدي : يتكلمون فيه ، ويحتمل أن يكون هذا الحديث صنعته ، فإن الذين رووا نسخة موسى ، عن الحكم لم يذكروا هذا الحديث فيها كبقي بن مخلد ، وابن عدي ، والطبراني ، وإنما رواه فيما علمنا الدارقطني ، ثم الخطيب ، ووهم الدارقطني ، فقال : إبراهيم بن حبيب ، وإنما هو إبراهيم بن إسحاق ، وزادوهما ، فقال : الضبي بالضاد ، والباء ، وإنما هو الصيني بصاد مهملة ، ونون . والله أعلم .

الحديث السابع لأم سلمة - رضي الله عنها - . رواه الحاكم في المستدرك ، عن عمر بن هارون ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم ، فعدها آية الحمد لله رب العالمين آيتين الرحمن الرحيم ثلاث آيات . . . إلخ . قال الحاكم : وعمر بن هارون أصل في السنة ، وإنما أخرجه شاهدا ، والجواب : إن هذا ليس بحجة لوجوه :

أحدها : إنه ليس بصريح في الجهر ، ويمكن أنها سمعته سرا في بيتها لقربها منه .

الثاني : إن مقصودها الإخبار بأنه كان يرتل قراءته ، ولا يسردها ، وقد رواه الحاكم نفسه من حديث همام ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن أم سلمة قالت : كانت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتلة ، فوصفت بسم الله الرحمن الرحيم حرفا حرفا قراءة بطيئة ، ورواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي من حديث يعلى بن مملك أنه سأل أم سلمة ، عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا .

الثالث : إن المحفوظ فيه ، والمشهور أنه ليس في الصلاة ، وإنما قوله في الصلاة زيادة من عمر بن هارون ، وهو مجروح تكلم فيه غير واحد من الأئمة .

قال أحمد : لا أدري عنه شيئا ، وقال ابن معين : ليس بشيء ، وكذبه ابن المبارك ، وقال النسائي : متروك الحديث ، وقال صالح جرزة : كان كذابا ، وقد رواه أبو جعفر الطحاوي من حديث حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، عن ابن جريج به بمثل حديث عمر بن هارون

[ ص: 189 ] ثم أخرجه عن ابن أبي مليكة به بلفظ السنن ، ثم قال : فقد اختلف الذين رووا له في لفظه ، فانتفى أن يكون حجة ، وكأنه لم يعتد بمتابعة غياث لعمر بن هارون لشدة ضعف عمر بن هارون .

الرابع : أن يقال : غاية ما فيه أنه - صلى الله عليه وسلم - جهر بها مرة ، أو نحو ذلك ، وليس فيه دليل على أن كل إمام يجهر بها في صلاة الجهر دائما ، ولو كان ذلك معلوما عندهم لم يختلف فيه ، ولم يقع فيه شك ، ولم يحتج أحد إلى أن يسأل عنه ، ولكان من جنس جهره - عليه السلام - بغيرها ، ولما أنكره عبد الله بن مغفل ، وعده حدثا ، ولكان الرجال أعلم به من النساء . والله أعلم .

الحديث الثامن لأنس بن مالك - رضي الله عنه - رواه الحاكم في مستدركه ، والدارقطني في سننه من حديث محمد بن أبي المتوكل بن أبي السري قال : صليت خلف المعتمر بن سليمان من الصلوات ما لا أحصيها الصبح ، والمغرب ، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب ، وبعدها ، وقال المعتمر : ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي ، وقال أبي : ما آلو أن أقتدي بصلاة أنس ، وقال أنس : ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال الحاكم : رواته كلهم ثقات ، والجواب : هو معارض بما رواه ابن خزيمة في مختصره ، والطبراني في معجمه ، عن معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن الحسن ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة ، وأبو بكر ، وعمر . أهـ .

وفي الصلاة زادها ابن خزيمة ، وله طريق آخر عند الحاكم أيضا أخرجه عن محمد بن أبي السري ، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، حدثنا مالك ، عن حميد ، عن أنس قال : صليت خلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، فكلهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم .

قال الحاكم : وإنما ذكرته شاهدا قال الدهري في مختصره : أما استحى الحاكم أن يورد في كتابه مثل هذا الحديث الموضوع فأنا أشهد بالله أنه الكذب ، وقال ابن عبد الهادي : سقط منه لأوله طريق آخر عند الخطيب ، عن ابن أبي داود ، عن ابن أخي ابن وهب ، عن عمه ، عن النميري ، عن مالك ، وابن عيينة ، عن حميد ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة .

قال ابن عبد الهادي : سقط منه لا ، كما رواه الباغندي ، وغيره ، عن ابن أخي وهب . أهـ .

فصار هذا الذي رواه الخطيب خطأ على خطأ ، والصواب فيه عدم الرفع ، وعدم الجهر . والله أعلم .

الحديث التاسع : وهو موقوف ، ولكنه في حكم المرفوع ، أخرجه الحاكم في المستدرك ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أن أنس بن مالك قال : صلى معاوية بالمدينة صلاة ، فجهر فيها بالقراءة ، فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ، ولم يقرأ بها السورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة ، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة ، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين ، والأنصار يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت ؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم ؟ وأين التكبير إذا خفضت ، وإذا رفعت ؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن ، وكبر حين يهوي ساجدا . أهـ .

قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ، ورواه الدارقطني ، فقال : رواته كلهم ثقات اعتمد الشافعي رحمه الله على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر ، وقال الخطيب : هو أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب ، والجواب عنه من وجوه : أحدها : أن مداره على عبد الله بن عثمان بن خثيم ، هو وإن كان من رجال مسلم مختلف فيه ، فلا يقبل ما تفرد به ، مع أنه قد اضطرب في إسناده ، ومتنه ، وهو أيضا من أسباب الضعف . أما في إسناده ، فإن ابن خثيم تارة يرويه عن أبي بكر بن حفص ، عن أنس ، وتارة يرويه عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه ، وقد رجح الأولى البيهقي في كتاب المعرفة لجلالة راويها ، وهو ابن جريج ، ومال الشافعي إلى ترجيح الثانية ، ورواه ابن خثيم ، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه ، عن جده ، فزاد ذكر الجد . كذلك رواه إسماعيل بن عياش ، وهي عند الدارقطني ، والأولى عنده ، وعند الحاكم ، والثانية عند الشافعي ، وأما الاضطراب في متنه ، فتارة يقول : صلى فبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها ، كما تقدم عند

[ ص: 190 ] الحاكم ، وتارة يقول : فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم حين افتتح القرآن ، وقرأ بأم الكتاب ، كما هو عند الدارقطني في رواية إسماعيل بن عباس ، وتارة يقول : فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ، ولا للسورة التي بعدها ، كما هو عند الدارقطني في رواية ابن جريج ، ومثل هذا الاضطراب في السند ، والمتن مما يوجب ضعف الحديث ؛ لأنه مشعر بعدم ضبط الوجه الثاني أن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذا ، ولا معللا ، وهذا شاذ معلل ، فإنه مخالف لما رواه الثقات الأثبات ، عن أنس ، ومما يرد حديث معاوية هذا أن أنسا كان مقيما بالبصرة ، وأن معاوية لما قدم المدينة لم يذكر أحد فيما علمناه أن أنسا كان معه ؛ بل الظاهر أنه لم يكن معه . والله أعلم .

والوجه الثالث : أن مذهب أهل المدينة قديما ، وحديثا ترك الجهر بها ، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلا ، ولا يحفظ من أحد عن أهل المدينة بإسناد صحيح أنه كان يجهر بها إلا شيء يسير ، وله محمل ، وهنا عملهم يتوارثه آخرهم ، عن أولهم ، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم ؟ هذا باطل . والوجه الرابع أن معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة ، كما نقلوه لكان هذا معروفا من أمره عند أهل الشام الذين صحبوه ، ولم ينقل ذلك عنهم ؛ بل الشاميون كلهم خلفاؤهم ، وعلماؤهم كان مذهبهم ترك الجهر بها ، وما روي عن عمر بن عبد العزيز من الجهر بها فباطل لا أصل له ، والأوزاعي إمام الشام ، ومذهبه في ذلك مثل مذهب مالك لا يقرؤها سرا ، ولا جهرا ، ومن المستبعد أن يكون هذا حال معاوية ، ومعلوم أن معاوية صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلو سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يجهر بالبسملة لما تركها حتى تنكر عليه رعيته أنه لا يحسن يصلي ، وهذه الوجوه من تدبرها علم أن حديث معاوية هذا باطل ، أو مغير عن وجهه ، وقد يتمهل فيه ، ويقال : إن كان هذا الإنكار على معاوية محفوظا ، فإنما هو إنكار لترك إتمام التكبير لا لترك الجهر بالبسملة ، ومعلوم أن ترك إتمام التكبير كان مذهب الخلفاء من بني أمية وأمرائهم على البلاد حتى أنه كان مذهب عمر بن عبد العزيز هو عدم التكبير حين يهوي ساجدا بعد الركوع ، وحين يسجد بعد القعود ، وإلا فلا وجه لإنكارهم عليه ترك البسملة ، وهو مذهب الخلفاء الراشدين ، وغيرهم من أكابر الصحابة ، ومذهب أهل المدينة أيضا . والله أعلم .

ثم إن البيهقي أخرج من طريق الشافعي من طريقين الأول قال فيه : أخبرنا إبراهيم بن محمد ، حدثني عبد الله بن خثيم ، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة ، عن أبيه أن معاوية قدم المدينة . . . إلخ . الثاني : قال فيه : أخبرنا يحيى بن سليم ، عن عبد الله بن عثمان ، وإسماعيل ، عن أبيه ، عن معاوية مثله ، ثم قال الشافعي : أحسب هذا الإسناد أحفظ من الأول ، يعني به حديث ابن جريج الذي رواه الشافعي ، عن عبد المجيد بن عبد العزيز عنه ، أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أن أنس بن مالك . . . إلخ ، واختلفوا في معنى قول الشافعي : أحسب هذا الإسناد أحفظ من الأول ، فقال ابن الأثير في شرح مسند الشافعي : لأن الاثنين روياه ، عن ابن خثيم . أهـ .

قلت : هذا ليس بشيء ؛ لأن كلا منهما تكلم فيه ، فإبراهيم بن محمد الأسلمي مكشوف الحال ، وأما يحيى بن سليم الطائفي ، فقد ضعفه البيهقي نفسه في كتابه ، وقال فيه : إنه كثير الوهم سيئ الحفظ ، فكيف يكون هذا الإسناد أحفظ من إسناد ابن جريج ، مع أن ابن جريج أجل منهما ، وأحفظ ، والذي يظهر لي في معنى قوله المذكور أنه لاحظ بعض الوجوه التي أوردناها في حديث ابن جريج ، فاستبعد ذلك السياق وجعل ما رواه ابن خثيم ، عن إسماعيل أقوى ، وأحفظ ؛ إذ إسماعيل زرقي مدني أنصاري ، وأبوه عبيد بن رفاعة لم تعرف له غيبة عن المدينة ، فحين قدوم معاوية كان حاضرا ، وروى ما رواه عن مشاهدة ، بخلاف أنس بن مالك ، فإنه كان إذ ذاك بالبصرة ، فروايته إن صحت ؛ فهي مرسلة ، فتأمل ذلك . وبالجملة ، فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح ؛ بل فيها عدمهما ، أو عدم أحدهما ، وكيف تكون صحيحة ، وفي رواتها الكذابون ، والضعفاء ، والمجاهيل ، وكيف يجوز أن يعارض برواية هؤلاء ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس الذي تلقاه الأئمة بالقبول ، ولم يضعفه أحد بحجة إلا من ركب هواه ، وحمله فرط التعصب على أن علله ، ورده باختلاف ألفاظه

[ ص: 191 ] كما سيأتي ، مع أنها ليست مختلفة ؛ بل يصدق بعضها بعضا ، ومتى وصل الأمر إلى معارضة حديثه بمثل حديث ابن عمر الموضوع ، أو بمثل حديث علي الضعيف ، فجعل الصحيح ضعيفا ، والضعيف صحيحا ، والمعلل سالما من التعليل ، والسالم من التعليل معللا سقط الكلام ، وهذا ليس بعدل ، والله يأمر بالعدل ، وما تحلى طالب العلم بأحسن من الإنصاف وترك التعصب . والله أعلم .

وأما الآثار الواردة من ذلك ، فالأول منها رواه البيهقي في الخلافيات ، والطحاوي في كتابه من حديث عمر بن ذر ، عن أبيه ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال : صليت خلف عمر رضي الله عنه - ، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، وكان أبي يجهر بها .

قلت : وهذا الأثر مخالف للصحيح الثابت عن عمر أنه كان لا يجهر بها ، وقد روى عبد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن أبيه عدم الجهر ، وروى الطحاوي بإسناده عن أبي وائل قال : عمر ، وعلي لا يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم ، وروى الطبري في تهذيب الآثار فقال : أخبرنا أبو كريب ، أخبرنا أبو بكر بن عياش ، عن أبي سعيد ، عن أبي وائل قال : لم يكن عمر ، وعلي يجهران ببسم الله الرحمن الرحيم ، ولا بآمين ، ومع ذلك فقد اختلف في هذا الأثر على عمر بن ذر .

قال البيهقي في كتاب المعرفة : رواه الطحاوي عن بكار بن قتيبة ، عن أبي أحمد ، عن عمر بن ذر ، عن أبيه ، عن سعيد ، وكذلك رواه خالد بن مخلد ، عن عمر بن ذر ، عن أبيه ، وكان ذكر أبيه سقط من كتاب البيهقي ، فإن ثبت هذا عن عمر فيحمل على أنه فعله مرة ، أو بعض أحيان لأحد الأسباب المتقدمة . والله أعلم .

الثاني : ما أخرجه الخطيب من طريق الدارقطني بسنده ، عن عثمان بن عبد الرحمن ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليا كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم .

قلت : هذا باطل ، وعثمان بن عبد الرحمن هو الوقاصي ، أجمعوا على ترك الاحتجاج به . قال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه فقال : كذاب ذاهب الحديث ، وقال ابن حبان : يروي عن الثقات الأشياء الموضوعات ، وقال النسائي : متروك الحديث . والله أعلم .

الثالث : ما أخرجه الخطيب أيضا عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح ، عن أبيه قال : صليت خلف علي بن أبي طالب ، وعدة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كلهم يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم .

قلت : وهذا أيضا لم يثبت ، وعطاء لم يلحق عليا ، ولا صلى خلفه قط ، والحمل منه على ابنه يعقوب ، فقد ضعفه غير واحد من الأئمة ، وأما شيخ الخطيب فيه أبو الحسين الأهوازي ، فإنه كان يلقب بجراب الكذب .

الرابع : ما أخرجه الخطيب أيضا عن طريق الدارقطني ، عن الحسن بن أحمد بن عبد الواحد ، حدثنا الحسن بن الحسين ، حدثنا إبراهيم بن أبي يحيى ، عن صالح بن نبهان قال : صليت خلف أبي سعيد الخدري ، وابن عباس ، وأبي قتادة ، وأبي هريرة ، فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم .

قلت : وهذا أيضا لا يثبت ، والحسن بن الحسين شيعي ضعيف ، أو هو مجهول ، وإبراهيم بن أبي يحيى ، فقد رمي بالرفض ، والكذب ، وصالح بن نبهان مولى التوأمة في إدراكه للصلاة خلف أبي قتادة نظر ، وهذا الإسناد لا يجوز الاحتجاج به ، وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأصحابه ؛ لأن الشيعة ترى الجهر ، وهم أكذب الطوائف ، فوضعوا ذلك في أحاديث ، وكان أبو علي بن أبي هريرة أحد أعيان أصحاب الشافعي يرى ترك الجهر بها كما تقدم ، ويقول : الجهر بها صار من شعائر الروافض ، وقال : غالب أحاديث الجهر تجد في رواتها من هو منسوب إلى التشيع .

الخامس ما أخرجه الخطيب أيضا عن محمد بن أبي السري ، حدثنا المعتمر ، عن حميد الطويل ، عن بكر بن عبد الله المزني قال : صليت خلف عبد الله بن الزبير ، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، وقال : ما يمنع أمراؤكم أن يجهروا بها إلا الكبر .

قلت : قال ابن عبد الهادي : إسناده صحيح ، لكنه يحمل على الإعلام بأن قراءتها سنة ، فإن الخلفاء الراشدين كانوا يسرونها ، فظن كثير من الناس أن قراءتها بدعة ، فجهر بها من جهر من الصحابة ؛ ليعلموا الناس أن قراءتها سنة لا أنه فعله دائما ، وقد ذكر ابن المنذر ، عن ابن الزبير ترك الجهر . والله أعلم .

(أحاديث الإخفاء)

الصحيح الثابت منها حديث أنس ، وحديث عبد الله بن مغفل ، وحديث عائشة - رضي الله عنهم - ، أما حديث

[ ص: 192 ] أنس ، فأخرجه البخاري ، ومسلم ، وأصحاب السنن ، وغيرهم بألفاظ متقاربة يصدق بعضها بعضا ، فلفظ البخاري ، ومسلم : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبو بكر ، وعثمان يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ، وهذا أصح الروايات عن أنس ، رواه يزيد بن هارون ، ويحيى بن سعيد القطان ، والحسن بن موسى الأشيب ، ويحيى بن السكن ، وأبو عمر الحوضي ، وعمرو بن مرزوق ، وغيرهم ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، وكذلك روي عن الأعمش ، عن شعبة ، عن قتادة ، وثابت ، عن أنس ، وكذلك رواه عامة أصحاب قتادة ، عن قتادة منهم هشام الدستوائي ، وسعيد بن أبي عروبة ، وأبان بن يزيد العطار ، وحماد بن سلمة ، وحميد ، وأيوب السختياني ، والأوزاعي ، وسعيد بن بشير ، وغيرهم ، وكذلك رواه معمر ، وهمام ، واختلف عنهما في لفظه ، قال الدارقطني : وهو المحفوظ عن قتادة ، وغيره ، عن أنس ، وقد اتفق البخاري ، ومسلم على إخراج هذه الرواية لسلامتها من الاضطراب .

وفي لفظ عنه : صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، فلم أسمع أحدا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . رواه كذلك محمد بن جعفر ، ومعاذ بن معاذ ، وحجاج بن محمد ، ومحمد بن بكر البرساني ، وبشر بن عمر ، وقراد أبو نوح ، وآدم بن أبي إياس ، وعبيد الله بن موسى ، وأبو النضر هاشم بن القاسم ، وعلي بن الجعد ، وخالد بن زيد المرزقي ، عن شعبة ، عن قتادة ، وأكثرهم اضطربوا فيه ، فلذلك امتنع البخاري من إخراجه ، وهو من مفاريد مسلم ، ورواه النسائي ، عن شعبة ، وسعيد بن أبي عروبة معا ، عن قتادة ، عن أنس ، وفي لفظ عنه : فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم . رواه النسائي في سننه ، وأحمد في مسنده ، وابن حبان في صحيحه ، والدارقطني في السنن ، وزاد ابن حبان : ويجهرون بالحمد لله رب العالمين .

وفي لفظ عنه : فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين . رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده ، وفي لفظ عنه : فكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم . رواه الطبراني في معجمه ، وأبو نعيم في الحلية ، وابن خزيمة في مختصر المختصر ، والطحاوي في شرح الآثار ، ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرج لهم في الصحيحين ، ولحديث أنس طرق أخرى دون ذلك في الصحة ، وفيها ما لا يحتج به ، فتركناها ، وصحح الخطيب اللفظ الأول ، وضعف ما سواه لرواته الحفاظ له ، عن قتادة ، ولمتابعة غير قتادة له ، عن أنس فيه ، وجعله اللفظ المحكم ، عن أنس وجعل غيره متشابها ، وحمله على الافتتاح بالسورة ، يعني أنهم كانوا يبدؤون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ ما بعدها لا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم ، وهكذا ذكره البيهقي ، عن الشافعي بعد رواية الشافعي الحديث ، عن سفيان ، عن أيوب ، عن قتادة ، عن أنس ، وقد رده شارح العمدة بقوله : هذا ليس بقوي ؛ لأنه إن أجري مجرى الحكاية ، فهذا يقتضي البداءة بهذا اللفظ بعينه ، فلا يكون قبله غيره ؛ لأن ذلك الغير هو المفتتح به ، وإن جعل اسمها سورة الفاتحة لا تسمى بهذا المجموع أعني الحمد لله رب العالمين ؛ بل تسمى بالحمد ، فلو كان لفظ الرواية كان يفتتح بالحمد لقوي هذا ، فإنه يدل حينئذ على الافتتاح بالسورة التي البسملة بعضها عند هذا المؤول للخبر . أهـ .

وقال بعض أصحابنا : تسمية هذه السورة بسورة الحمد عرف متأخر ، ولكن قد يعكر على شارح العمدة في قوله : فسورة الفاتحة لا تسمى بهذا المجموع . . . إلخ ما أخرجه البخاري في الصحيح من حديث أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلم أجبه ، فقلت : يا رسول الله ، إني كنت أصلي ، وفيه : ثم قال لي : لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن . قلت : ما هي ؟ قال : هي الحمد لله رب العالمين ، هي السبع المثاني ، والقرآن العظيم الذي أوتيته ، فهذا يدل على أن السورة تسمى بهذا المجموع ، وإذا ثبت ذلك صح تأويل الشافعي المذكور جمعا بين الأحاديث ، وهو قوي ، ولكن يعكر على الشافعي حديث أبي سعيد بن المعلى هذا ، فإنه كما دل على إطلاق السورة على هذا المجموع دل أيضا على أن البسملة ليست من السورة ، فإنه قال : هي السبع المثاني ، فلو كانت البسملة آية منها ، كما يقوله الشافعي لكانت ثمانيا ؛ لأنها سبع آيات بدون البسملة ، ومن جعل البسملة منها إما أن يقول : هي بعض آية ، أو يجعل قوله : صراط الذين أنعمت عليهم إلى آخرها آية واحدة . والله أعلم .

الحديث الثاني عن

[ ص: 193 ] ابن عبد الله بن مغفل قال : سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال : أي بني إياك والحدث ، قال : ولم أر أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أبغض إليه الحدث في الإسلام ؛ يعني منه . قال : وصليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومع أبي بكر ، ومع عثمان ، فلم أسمع أحدا يقولها ، فلا تقلها أنت إذا صليت ، فقل : الحمد لله رب العالمين
. أخرجه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه من حديث أبي نعامة ، واسمه قيس بن عباية ، حدثنا ابن عبد الله بن مغفل ، فساقوه ، وقال الترمذي : حديث حسن ، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وغيرهم ، ومن بعدهم من التابعين ، وبه يقول سفيان الثوري ، وابن المبارك ، وأحمد ، وإسحاق لا يرون الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة ، ويقولها في نفسه . أهـ .

وأخرجه البيهقي في السنن من طريق روح ، حدثنا عثمان بن غياث ، حدثنا أبو نعامة الحنفي ، عن ابن عبد الله بن مغفل ، عن أبيه قال : صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر ، فما سمعت أحدا منهم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم ، ثم قال : تابعه الجريري ، عن أبي نعامة قيس بن عباية ، وقال : فلم أسمع أحدا منهم جهر بها ، ثم روى من طريق الثوري ، عن الحذاء ، عن أبي نعامة الحنفي ، عن أنس كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأبو بكر ، وعمر لا يقرؤون يعني لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم . أهـ .

وقد اعترض على هذا الحديث من وجهين : الأول : قال النووي في الخلاصة : وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث ، وأنكروا على الترمذي تحسينه كابن خزيمة ، وابن عبد البر ، والخطيب ، وقالوا : إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل ، وهو مجهول . أهـ .

والجواب : إنه قد روى الطبراني في معجمه ، عن أبي سفيان طريف بن شهاب ، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل ، عن أبيه قال : صليت خلف إمام ، فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، فلما فرغ من صلاته قال : ما هذا غيب عنا هذه التي أراك تجهر بها ، فإني قد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومع أبي بكر ، وعمر ، فلم يجهروا بها ، وروى أحمد في مسنده من حديث أبي نعامة ، عن بني عبد الله بن مغفل قالوا : كان أبونا إذا سمع أحدا منا يقول : بسم الله الرحمن الرحيم يقول : أي بني إني صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأبي بكر ، وعمر ، فلم أسمع أحدا منهم يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، ورواه الطبراني في معجمه ، عن عبد الله بن بريدة ، عن ابن عبد الله بن مغفل ، عن أبيه بمثله ، فهؤلاء ثلاثة رووا الحديث ، عن ابن عبد الله بن مغفل ، عن أبيه ، وهم أبو نعامة ، وعبد الله بن بريدة ، وأبو سفيان السعدي ، وهو الذي سمى ابن عبد الله بن مغفل يزيد ، فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه ، وبنوه الذين رووا عنه يزيد ، وزياد ، ومحمد ، والنسائي ، وابن حبان ، وغيرهم يحتجون بمثل هؤلاء ؛ إذ لم ير واحد منهم ما يخالف رواية الثقات ، وقد روى الطبراني لزياد ، ومحمد أحاديث توبع عليها ، وبالجملة ، فالحديث صريح في عدم الجهر بالتسمية ، والذين تركوا الاحتجاج به لتلك الجهالة قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه ، فإن قلت : الذي بين هذا الاسم هو أبو سفيان السعدي ، كما عند الطبراني ، وهو متكلم فيه ، والخصم لا يعتبره لهذا المعنى ، فالجواب : إنه وإن تكلم فيه ، ولكنه يعتبر به ما تابعه عليه غيره من الثقات ، وهذا القدر يكفي في رفع الجهالة .

الوجه الثاني : قال البيهقي في السنن : وأبو نعامة لم يحتج به الشيخان ، وقال في كتاب المعرفة : هذا الحديث قد تفرد به أبو نعامة ، وأبو نعامة ، وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا الصحيح ، فالجواب : إن الذهبي قال في مختصره : هو بصري صدوق ما علمت فيه جرحا ، وحديثه في السنن الأربعة . أهـ .

وقال ابن معين : هو ثقة ، وقال ابن عبد البر : هو ثقة عند جميعهم ، وقال الخطيب : لا أعلم أحدا رماه ببدعة في دينه ، ولا كذب في روايته ، وفي الميزان : هو صدوق تكلم فيه بلا حجة ، وقول البيهقي : تفرد به أبو نعامة فيه نظر ، فقد تابعه عبد الله بن بريدة ، وهو أشهر من أن يثنى عليه ، وأبو سفيان السعدي ، كما تقدم ذلك ، وقوله : لم يحتج بهما صاحبا الصحيح ، فليس هذا لازما في صحة الإسناد ، ولئن سلمنا فنقول : إن لم يكن من أقسام الحديث الصحيح ، فلا ينزل عن درجة الحسن ، وقد حسنه الترمذي ، والحديث الحسن يحتج به ، لا سيما إذا تعددت شواهده ، وكثرت متابعاته ، ثم إن قول

[ ص: 194 ] البيهقي : إن الجريري تابع عثمان بن غياث في سياقه غير صحيح ، فإن الترمذي ساقه من طريق الجريري باللفظ الذي ذكرناه ، وكذلك ابن ماجه . والله أعلم .

الحديث الثالث : أخرجه مسلم في صحيحه ، عن بديل بن ميسرة ، عن أبي الجوزاء ، عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستفتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بالحمد لله رب العالمين ، واعترض على هذا بأمرين : أحدهما : أن أبا الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة ، والثاني : أنه روي عن عائشة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر ، فالجواب : أن أبا الجوزاء ثقة كبير لا ينكر سماعه من عائشة ، وقد احتج به الجماعة ، وبديل بن ميسرة تابعي صغير مجمع على عدالته وثقته ، وقد حدث بهذا الحديث عن الأئمة الكبار ، وتلقاه العلماء بالقبول ، ويكفينا أنه حديث أودعه مسلم في صحيحه ، وأما ما روي عن عائشة من الجهر ، ففي طريقه الحكم بن عبد الله بن سعد ، وهو كذاب دجال لا يحل الاحتجاج به ، ومن العجب القدح في الحديث الصحيح ، والاحتجاج بالباطل .

(فصل)

وأما أقوال التابعين في ذلك ، فليست بحجة ، مع أنها قد اختلفت ، فروي عن غير واحد منهم الجهر ، وروي عن غير واحد منهم تركه ، وفي بعض الأسانيد إليهم الضعف ، والاضطراب ، ويمكن حل جهر من جهر منهم على أحد الوجوه المتقدمة ، والواجب في مثل هذه المسألة الرجوع إلى الدليل لا إلى الأقوال ، وقد نقل بعض من جمع في هذه المسألة الجهر عن غير واحد من الصحابة ، والتابعين ، وغيرهم ، والمشهور عنهم غيره ، كما نقل الخطيب الجهر عن الخلفاء الأربعة ، ونقله البيهقي ، وابن عبد البر عن عمر ، وعلي ، والمشهور عنهم تركه ، عن الخلفاء الأربعة ، وعن الثوري ، وابن المبارك ، وأحمد ، وإسحاق ، وكذلك قال ابن عبد البر : لم يختلف في الجهر بها عن ابن عمر ، وهو الصحيح عن ابن عباس قال : لا أعلم أنه اختلف في الجهر بها ، عن شداد بن أوس ، وابن الزبير ، وقد ذكر الدارقطني ، والخطيب ، عن ابن عمر عدم الجهر ، وكذلك روى الطحاوي ، والخطيب ، وغيرهما ، عن ابن عباس عدم الجهر ، وكذلك ذكر ابن المنذر ، عن ابن الزبير عدم الجهر ، وذكر ابن عبد البر ، والخطيب ، عن عمار بن ياسر الجهر ، وذكر ابن المنذر عنه عدم الجهر ، وذكر البيهقي ، والخطيب ، وابن عبد البر ، عن عكرمة الجهر ، وذكر الأثرم عنه عدمه ، وذكر الخطيب ، وغيره ، عن ابن المبارك ، وإسحاق الجهر ، وذكر الترمذي عنهما تركه ، وذكر الأثرم ، عن إبراهيم النخعي أنه قال : ما أدركت أحدا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، والجهر بها بدعة ، وذكر الطحاوي ، عن عروة قال : أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بالحمد لله رب العالمين ، وقال وكيع كان الأعمش ، وابن أبي خالد ، وابن أبي ليلى ، وسفيان ، والحسن بن صالح ، وعلي بن صالح ، ومن أدركنا من مشيختنا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ، وروى سعيد بن منصور في سننه ، حدثنا خالد ، عن حصين ، عن أبي وائل قال : كانوا يسرون البسملة ، والتعوذ في الصلاة ، حدثنا حماد بن زيد ، عن كثير بن شنظير أن الحسن سئل عن الجهر بالبسملة قال : إنما يفعل ذلك الأعراب ، حدثنا عتاب بن بشير ، أخبرنا خصيف ، عن سعيد بن جبير قال : إذا صليت فلا تجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، واجهر بالحمد لله رب العالمين .

(فصل)

ملخص ما قاله صاحب التنقيح ذكر الأحاديث التي استدل بها الشافعية ، ثم قال : وهذه الأحاديث في الجملة لا يحسن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة ، ولولا أن تعرض للمتفقه شبهة عند سماعها فيظنها صحيحة لكان الإضراب عن ذكرها أولى ، ويكفي في ضعفها إعراض المصنفين للمسانيد ، والسنن عن جمهورها ، وقد ذكر الدارقطني منها طرفا في سننه فبين ضعف بعضها ، وسكت عن بعضها .

وقد حكى لنا مشايخنا أن الدارقطني لما ورد مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر ، فصنف فيه جزأ ، فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبر بالصحيح من ذلك ، فقال : كل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهر فليس بصحيح ، وأما عن الصحابة ، فمنه صحيح ، ومنه ضعيف ، ثم تجرد الإمام أبو بكر الخطيب لجمع أحاديث الجهر ، فأزرى على عمله بتغطية ما ظن أنه لا ينكشف ، وقد بينا عللها ، وخللها ، ثم إنا بعد ذلك نحمل

[ ص: 195 ] أحاديثهم عن أحد أمرين : إما أن يكون جهر بها للتعليم ، أو جهر بها جهرا يسيرا ، أو جهر بها جهرا يسمعه من قرب منه ، والمأموم إذا قرب من الإمام ، أو حاذاه سمع منه ما يخافته ، ولا يسمى ذلك جهرا ، كما ورد أنه كان يصلي بهم الظهر فيسمعهم الآية ، والآيتين بعد الفاتحة أحيانا .

والثاني : أن يكون ذلك قبل الأمر بترك الجهر ، فقد روى أبو داود من مرسل سعيد بن جبير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، وكان مسيلمة يدعى رحمان اليمامة ، فقال أهل مكة : إنما يدعو إله اليمامة فأمر الله رسوله بإخفائها ، فما جهر بها حتى مات ، فهذا يدل على نسخ الجهر . قال : ومنهم من سلك ذلك مسلك البحث ، والتأويل ، فقال : إن أحاديث الجهر تقدم على أحاديث الإخفاء بأشياء : أحدها : بكثرة الرواة ، فإن أحاديث الإخفاء رواها اثنان من الصحابة أنس بن مالك ، وعبد الله بن مغفل ، وأحاديث الجهر رواها أربعة عشر صحابيا ، والثاني : إن أحاديث الإخفاء شهادة على نفي ، وأحاديث الجهر شهادة على إثبات ، والإثبات مقدم على النفي ، قالوا : وإن أنسا قد روي عنه إنكار ذلك في الجملة ، فروى أحمد ، والدارقطني في حديث سعيد بن يزيد أبي مسلمة قال : سألت أنسا أكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، أو الحمد لله رب العالمين ؟ قال : إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه ، أو ما سألني عنه أحد من قبلك .

قال الدارقطني : إسناده صحيح قلنا : ما اعتراضهم بكثرة الرواة ، فالاعتماد عليها لا يكون إلا بعد صحة الدليلين ، وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح بخلاف حديث الإخفاء ، فإنه صحيح صريح ثابت مخرج في الصحاح ، والمسانيد المعروفة ، والسنن المشهورة ، وأحاديث الجهر ، وإن كثرت رواتها ، ولكنها كلها ضعيفة ، وكم من حديث كثرت رواته ، وتعددت طرقه ، وهو حديث ضعيف ؛ بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفا ، وإنما يرجح بكثرة الرواة إذا كانت الرواة محتجا بهم من الطرفين ، وأحاديث الجهر لم يروها إلا الحاكم ، والدارقطني ، فالحاكم عرف تساهله في التصحيح ، والدارقطني قد ملأ كتابه من الأحاديث الغريبة ، والشاذة ، والمعللة ، وأما الشهادة على النفي ؛ فهي وإن ظهرت في صورة النفي فمعناها الإثبات ، مع أن المسألة مختلف فيها على ثلاثة أقوال ، فالأكثرون على تقديم الإثبات ؛ قالوا : لأن المثبت معه زيادة علم ، وأيضا فالنفي يزيد التأكيد لدليل الأصل ، والإثبات يزيد التأسيس ، والتأسيس أولى . الثاني : إنهما سواء ؛ قالوا : لأن النافي موافق للأصل ، وأيضا فالظاهر تأخير النافي عن المثبت ؛ إذ لو قدر مقدما عليه لكانت فائدته التأكيد لدليل الأصل ، وعلى تقدير تأخيره يكون تأسيسا ، فالعمل به أولى .

القول الثالث : إن النافي مقدم على المثبت ، وإليه ذهب الآمدي ، وغيره ، وأما جمعهم بين الأحاديث بأنه لم يسمعه لبعده ، وأنه كان صبيا يومئذ ، فمردود ؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هاجر إلى المدينة ولأنس يومئذ عشر سنين ، ومات وله عشرون سنة ، فكيف يتصور أن يصلي خلفه عشر سنين ، فلا يسمعه يوما من الدهر يجهر ؟ هذا بعيد ، بل يستحيل ، ثم قد روى هذا في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر ، وعمر ، وكهل في زمن عثمان ، مع تقدمه في زمانهم ، وروايته للحديث ، وأما ما روي من إنكار أنس ، فلا يقاوم ما ثبت عنه خلافه في الصحيح ، ويحتمل أن يكون نسي في تلك الحال لكبره ، وقد وقع مثل ذلك كثيرا ، كما سئل يوما عن مسألة ، فقال : عليكم بالحسن فاسألوه ، فإنه حفظ ، ونسينا ، وكم ممن حدث ونسي ، ويحتمل أنه إنما سأله عن ذكرها في الصلاة أصلا ، لا عن الجهر بها ، وإخفائها . والله أعلم . أهـ .

وقد طال بنا الكلام في هذه المسألة ؛ لأنها أكثر دورانا في المناظرة ، وهي من أعلام المسائل ، وقد نبهت فيها على فوائد غفل عنها أكثر أئمتنا في كتبهم ، وسبق لي الكلام عليها في كتابي الجواهر المنيفة في أصول أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة ، ولخصت هناك كلام الحافظ أبي بكر الحازمي - رحمه الله تعالى - ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية