إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
ولا يسلم من دخل والخطيب يخطب ، فإن سلم لم يستحق جوابا والإشارة بالجواب حسن ولا يشمت العاطسين أيضا .

هذه شروط الصحة .


(و) إذا قلنا بالقديم ، فإنه (لا يسلم من دخل والإمام يخطب ، فإن سلم لم يستحق جوابا) ، أي : حرمت إجابته باللفظ ، كما قاله الرافعي (والإشارة بالجواب حسن) مستحب (ولا يشمت العاطسين أيضا) ، واعلم أن في تشميت العاطس ثلاثة أوجه ؛ الصحيح المنصوص : تحريمه كرد السلام ، والثاني : استحبابه ، والثالث : يجوز ، ولا يستحب .

قال الرافعي : ولنا وجه أنه يرد السلام ؛ لأنه واجب ، ولا يشمت العاطس ؛ لأنه سنة ، فلا يترك لها الإنصات الواجب ، هذا تفريع القديم ، فأما إذا قلنا بالجديد ، فيجوز رد السلام ، والتشميت بلا خلاف ، ثم في رد السلام ثلاثة أوجه ؛ أصحها عند صاحب التهذيب وجوبه ، والثاني : استحبابه ، والثالث : جوازه بلا استحباب ، وقطع إمام الحرمين بأنه لا يجب الرد ، والأصح استحباب التشميت ، وحيث حرمنا الكلام فتكلم أثم ، ولا تبطل جمعته بلا خلاف ، وقال أصحابنا بعدم جواز رد السلام ، والتشميت روي عن محمد ، وروي عن أبي يوسف جوازهما ، وعن أبي حنيفة في غير رواية الأصول يرد بقلبه ، ولا يرد بلسانه ، وروى الحسن بن زياد ، عن أبي حنيفة أنه إذا سمع العاطس يحمد الله في نفسه ، ولا يجهر ، وعن محمد مثل ذلك .

قال : ولا يحرك شفتيه ، وفي النصاب : إذا شمت ، أو رد السلام في نفسه جاز ، وعليه الفتوى ، وفي الكبرى : الأصوب

[ ص: 232 ] أنه لا يجيب ، وبه يفتي ، وعلى الخلاف المبني بين محمد ، وأبي يوسف : إذا لم يرد السلام في الحال هل يرده بعد فراغ الإمام من الخطبة ؟ على قول محمد يرد ، وعلى قول أبي يوسف لا ، وأما إذا سمع الخطيب يقول : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ، فقال الطحاوي : يجب عليه أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والمشهور عند الأصحاب أنه يصلي سرا في نفسه ؛ تحقيقا للإنصات ، وإحرازا للفضيلة .

(فصل)

وهل يحرم الكلام على الخطيب في حال خطبته ؟ قال الرافعي : فيه طريقان ؛ المذهب أنه لا يحرم قطعا ، والثاني : على القولين القديم ، والجديد ، ثم هذا في الكلام الذي لا يتعلق به غرض مهم ، فأما إذا رأى أعمى يقع في بئر ، أو عقربا يدب إلى إنسان فأنذره ، أو علم إنسانا شيئا من الخير ، أو نهاه عن منكر ، فهذا ليس بحرام بلا خلاف ، نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب على التصريح به ، لكن يستحب أن يقتصر على الإشارة ، ولا يتكلم ما أمكن الاستغناء عنه ، وقال أصحابنا : إذا لم يتكلم بلسانه ، ولكنه أشار برأسه ، أو بيده ، أو بعينه هل يكره ذلك أم لا ؟ فمنهم من كرهه ، وسوى بين الإشارة والتكلم باللسان ، والصحيح أنه لا بأس ، كذا في فتح القدير ، وروى صاحب التجنيس ، عن ابن مسعود أنه سلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة ، وهو يخطب ، فرد عليه بالإشارة .

التالي السابق


الخدمات العلمية