إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
ويرخص لهؤلاء في ترك الجمعة لعذر المطر والوحل والفزع والمرض والتمريض إذا لم يكن للمريض قيم غيره .


(ويرخص لهؤلاء) المذكورين (في ترك الجمعة) لأعذار خمسة ؛ الأول : (لعذر المطر ) إذا بل الثوب ، وتأذى به في طريقه ؛ لأن فيه مشقة ، فإذا كان المسجد قريبا من داره بحيث لا يتأذى في طريقه ، ولا يبل ثوبه ، فلا عذر حينئذ ، وأما حديث : إذا ابتلت النعال فصلوا في الرحال ، فقد قال ابن الأثير : إن النعال جمع نعل ، وهي الأكنة من الأرض ؛ أي : وليس النعال الملبوسة مرادا هنا ، فتنبه (و) الثاني : لعذر (الوحل ) ، وألحقوه بالمطر ؛ ولذا استغنى الأصحاب بذكره عن المطر . نبه على ذلك شارح المنهاج في مسألة الجمع بين الصلاتين ، وقيده الرافعي بالشديد ، وقال : فيه ثلاثة أوجه ؛ الصحيح أنه عذر في ترك الجمعة ، والجماعة ، والثاني : لا ، والثالث : في الجماعة دون الجمعة . حكاه صاحب العدة ، وقال : به أفتى أئمة طبرستان أهـ .

قلت : وذكر الرافعي في شرحه الصغير في الوجه الثاني ، فقال بأن له عدة دافعة كالخفاف ، والصنادل ، يعني يمكنه الاستعانة على دفع الوحل بالركوب ، وبلبس الخفاف ، ونحوها ، وصحح أيضا في شرح المهذب مثل ذلك (و) الثالث : لعذر (الفزع ) ، وهو محركة الخوف ؛ أي : من العدو أعم من أن يكون حيوانا ، أو إنسانا ، سواء كان الخوف على نفسه ، أو على ماله ، وكذا إذا خاف من غريم يحبسه ، أو يلازمه وهو معسر ، فله التخلف في هذه الأحوال ، ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه ؛ بل عليه الحضور ، وتوفية ذلك الحق ، ويدخل في الخوف على المال ما إذا كان خبزه في التنور ، وقدره على النار ، وليس هناك من يتعهدها ، ومنها أن يكون عليه قصاص ، ولو ظفر به المستحق لقتله ، وكان يرجو العفو مجانا ، أو على مال ، ولو غيب وجهه أياما ، فله التخلف بذلك (و) العذر الرابع : (المرض) ، فلا جمعة على مريض ، وقد تقدم الحديث الوارد فيه آنفا ، وهو من الأعذار المسقطة ، وألحق أصحابنا الشيخ

[ ص: 234 ] الكبير الذي ضعف ، فلا تجب عليه .

قاله ابن الهمام ، وعبارة المنهاج ، وشرحه : وتلزم الشيخ الهرم ، والزمن إن وجدا مركبا ؛ أي : ملكا ، أو إجارة ، أو إعارة ، ولو آدميا كما قاله في المجموع (و) العذر الخامس : (التمريض إذا لم يكن للمريض قيم غيره ) ، والتمريض هو القيام على المريض ، وحقيقته إزالة المرض عن المريض ؛ كالتقذية في إزالة القذى عن العين ، وقيل : التمريض هو التكفل بمداواته .

قال الرافعي : إن كان للمريض من يقعده ، ويقوم بأمره نظر إن كان قريبا ، وهو مشرف على الموت أو غير مشرف ، لكن يستأنس به ، فله التخلف عن الجمعة ، ويحضر عنده ، وإن لم يكن له استئناس به ، فليس له التخلف على الصحيح ، وإن كان أجنبيا لم يجز التخلف بحال ، والمملوك ، والزوجة ، ومن له مصاهرة ، والصديق كالقريب ، وإن لم يكن للمريض متعهد ، فقال إمام الحرمين : إن كان يخاف عليه الهلاك لو غاب عنه ، فهو عذر ، سواء كان المريض قريبا ، أو أجنبيا ؛ لأن إنقاذ المسلم من الهلاك فرض كفاية ، وإن كان يلحقه ضرر ظاهر لا يبلغ دفعه مبلغ فروض الكفايات ، ففيه أوجه ؛ أصحها أنه عذر أيضا . الثاني : لا ، والثالث : عذر في القريب دون الأجنبي ، ولو كان له متعهد ، ولكن لم يفرغ لخدمته لاشتغاله بشراء الأدوية ، أو الكفن ، أو حفر القبر إذا كان منزولا به ، فهو كما لو لم يكن متعهد .

(فصل)

قال الرافعي : يجب على الزمن الجمعة إذا وجد مركوبا ملكا ، أو إجارة ، أو عارية ، ولم يشق عليه الركوب ، وكذا الشيخ الضعيف ، وتجب على الأعمى إذا وجد قائدا متبرعا ، أو بأجرة ، وله مال ، وإلا فقد أطلق الأكثرون أنها لا تجب عليه ، وقال القاضي حسين : إن كان يحسن المشي بالعصا من غير قائد لزمه . أهـ .

وعند أصحابنا من شروط صحة الجمعة سلامة العينين ، فلا تجب على الأعمى ، وهو قول أبي حنيفة خلافا لصاحبيه فيما إذا وجد قائدا يوصله ، ومنها سلامة الرجلين ، فلا تجب على المقعد لعجزه عن السعي إليها اتفاقا ، وألحق به المحبوس ، فإن حبس ، وهو يقدر على إيفائه أثم ، وإلا فلا .

التالي السابق


الخدمات العلمية