إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
التاسع أن : يراعي في قدوة الجمعة ما ذكرناه في غيرها فإذا سمع قراءة الإمام لم يقرأ سوى الفاتحة .

فإذا فرغ من الجمعة قرأ الحمد لله سبع مرات قبل أن يتكلم وقل هو الله أحد ، والمعوذتين سبعا سبعا وروى ، بعض السلف أن من فعله عصم من الجمعة إلى الجمعة ، وكان حرزا له من الشيطان .


(التاسعة: أن يراعي في قدوة الجمعة) جميع (ما ذكرناه في غيرها) من الشروط، والآداب (فإذا سمع قراءة الإمام لم يقرأ سوى الفاتحة) سرا في سكتات الإمام لا غير، وإن لم يسمع قراءته قرأ سورة معها إن أحب، وأما من سمع قراءة الفاتحة، ثم ضم معها في قراءته سورة، فقد خالف الأمة، وكره له ذلك .

قال صاحب القوت: ولا أعلمه مذهب أحد من المسلمين (فإذا فرغ من) ركعتي (الجمعة قرأ) سورة الحديد (الحمد سبع مرات قبل أن يتكلم) ، كذا في رواية، وفي أخرى، وهو ثان رجليه، وفي أخرى قبل أن يثني رجليه، فاللفظ مختلف، والمعنى واحد (وقل هو الله أحد سبعا، والمعوذتين) كل واحدة منهما (سبعا سبعا، فقد روي عن بعض السلف) فيه أثر (أن من فعله عصم) ، أي: حفظ (من الجمعة إلى الجمعة، وكان) ذلك (حرزا له من الشيطان) ، أي: من إبليس وجنوده. هكذا هو في القوت، ومثله للمصنف في بداية الهداية .

قلت: أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف، فقال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن عون، عن أسماء قال: من قرأ قل هو الله أحد، والمعوذتين يوم الجمعة سبع مرات في مجلسه حفظ إلى مثلها. هكذا نص ابن أبي شيبة في المصنف، والنسخة التي نقلت منها قديمة تاريخها إحدى وأربعين وسبعمائة بخط يوسف بن عبد اللطيف بن عبد العزيز الحراني، ولم يذكر فيه الفاتحة، وأسماء هذا الذي روي عنه هذا الأثر هو أسماء بن الحكم الفزاري يروي عن علي، وثقه العجلي، ورأيت في الجامع الكبير للحافظ السيوطي ما نصه: من قرأ بعد الجمعة بفاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس حفظ ما بينه وبين الجمعة [ ص: 271 ] الأخرى، وعزاه لابن أبي شيبة، وقال: عن أسماء بنت أبي بكر.

قلت: وهو غلط لعله من النساخ لما رأوا أسماء، فظنوا أنه أسماء بنت أبي بكر؛ لأنه من أسماء النساء فزادوا فيه تلك الزيادة رفعا للإيهام، وفيه أيضا: من قرأ بعد صلاة الجمعة قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس سبع مرات أعاذه الله -عز وجل- بها من السوء إلى الجمعة الأخرى، وعزاه لابن السني، وابن شاهين، عن عائشة، وليس فيه ذكر الفاتحة. قال الحافظ: وسنده ضعيف. قال: وله شاهد من مرسل مكحول أخرجه سعيد بن منصور في سننه، عن فرج بن فضالة، وزاد في أوله فاتحة الكتاب، وقال في آخره: كفر الله عنه ما بين الجمعتين. وفرج ضعيف. اهـ .

وقد ذكر ابن منتصر في منظومة له، كما أورده المصنف، وقال: إن المواظب عليه يرزقه الله القبول، والهيبة في قلوب الرجال، والنساء، وقد أشار إلى ذلك غير واحد من المصنفين في أسرار الأذكار والدعوات، وقد جاء ذكر الفاتحة أيضا في كتاب الأربعين لأبي الأسعد القشيري، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن محمد بن أحمد الرازي، عن الحسين بن داود البلخي، عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس رفعه: من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجله، فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، والمعوذتين سبعا سبعا غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وأعطي من الأجر بعدد كل من آمن بالله، وباليوم الآخر .

التالي السابق


الخدمات العلمية