إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وإن أراد أن يزيد أتى بالصلاة المأثورة ، فقال : اللهم اجعل فضائل صلواتك ونوامي بركاتك وشرائف زكواتك ورأفتك ، ورحمتك ، وتحيتك على محمد سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وخاتم النبيين ورسول رب العالمين قائد ، الخير وفاتح البر ونبي الرحمة ، وسيد الأمة اللهم ابعثه مقاما محمودا تزلف به قربه وتقر به عينه يغبطه به الأولون والآخرون ، اللهم أعطه الفضل ، والفضيلة والشرف والوسيلة والدرجة الرفيعة والمنزلة الشامخة المنيفة اللهم أعط محمدا سؤله وبلغه مأموله واجعله أول شافع وأول مشفع اللهم عظم برهانه وثقل ميزانه وأبلج حجته وارفع في أعلى المقربين درجته اللهم احشرنا في زمرته واجعلنا من أهل شفاعته ، وأحينا على سنته وتوفنا على ملته وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه غير خزايا ولا نادمين ولا شاكين ولا مبدلين ولا فاتنين ولا مفتونين آمين يا رب العالمين .

وعلى الجملة فكل ما أتى به من ألفاظ الصلاة ولو بالمشهورة في التشهد كان مصليا .


(فإن أراد أن يزيد) على ذلك، وذلك أن يجد من حاله فراغا، ومن قلبه نشاطا، وشوقا لحصول المزيد (أتى بالصلاة) ؛ أي: بصيغتها (المأثورة، فقال: اللهم اجعل فضائل صلواتك) ؛ أي: صلواتك الفاضلة (ونوامي بركاتك) ؛ أي: بركاتك النامية (وشرائف زكواتك) ؛ أي: زيادات خيورك، وفي نسخ الدلائل تقديم جملة "شرائف" على "نوامي"، وهكذا هو في القوت، فكان التقديم، والتأخير من النساخ (ورأفتك، ورحمتك، وتحيتك) . هكذا في القوت، وفي الدلائل بزيادة عواطف، وبعد هذه الجمل زيادة: وفضائل آلائك، وقوله: "وتحيتك" هو الصحيح، ويوجد في بعض النسخ بدله: "وتحننك" بنونين من الحنان، وهو العطف (على محمد) -صلى الله عليه وسلم-، كذا في القوت بزيادة جملة الصلاة (سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين) . هكذا في القوت بإثبات هذه الجمل، والذي في الدلائل بعد قوله: سيد المرسلين (ورسول رب العالمين، وقائد الخير) . هكذا بإثبات الواو في بعض نسخ الكتاب، وفي بعضها بحذفها، ومثله في الدلائل، وأما لفظ القوت، ففيه: وقائد الغر المحجلين (وفاتح البر) ، وهو بالكسر اسم جامع لأنواع الخير (ونبي الرحمة، وسيد الأمة اللهم ابعثه مقاما محمودا تزلف به) بضم التاء الفوقية، وسكون الزاي، وكسر اللام؛ أي: تقرب به؛ أي: بسببه (قربه) ، أو الباء ظرفية؛ أي: نزيده قربا (وتقر به عينه) بضم تاء تقر، وكسر قافها، ونصب "عينه" على المفعول به وضبط أيضا بفتح التاء، ورفع "عينه" على أنه فاعل، ويصح على هذا كسر القاف، وفتحها، ومعنى قرت عينه بردت سرورا برؤية ما كانت متشوقة إليه، أو بإعطائها ما ترضى (يغبطه) بكسر الموحدة، وفتحها من الغبطة بالكسر، وهي تمني حصول مثل النعمة الحاصلة للمنعم عليه من غير تمني زوالها عنه، وقد يراد بها لازمها، وهو السرور، والمحبة (به) . هكذا في القوت، ونسخ الدلائل فيه: (الأولون، والآخرون اللهم أعطه الفضل، والفضيلة) ؛ أي: المزيد من أنواع الكمال (والشرف) الأعظم (والوسيلة) ؛ أي: مقام القرب، والدنو (والدرجة الرفيعة) ، وفيه كلام تقدم في الأذان، وتقدم في إجابة المؤذن من حديث جابر، عند أحمد، والبخاري، والأربعة بلفظ: آت محمدا الوسيلة، والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته. وفي جامع ابن وهب: وصل على محمد عبدك، ونبيك، ورسولك!، وآته الوسيلة، والشفاعة (والمنزلة الشامخة المنيفة) ؛ أي: العالية. هكذا في القوت، وليس في الدلائل "المنيفة" (اللهم أعط) بقطع الهمزة (محمدا سؤله) ؛ أي: مسؤوله، وفي الدلائل بدله "الوسيلة" (وبلغه مأموله) ؛ أي: ما يتأمل منك (واجعله أول شافع) في الناس لا يتقدمه أحد (وأول مشفع) على صيغة اسم المفعول؛ أي: أول من تقبل شفاعته عندك، ومن حديث الصحيحين: "اشفع تشفع، وسل تعط" (اللهم عظم برهانه) ؛ أي: حجته، وعظم هكذا من التعظيم هنا .

وفي القوت، وفي نسخ الدلائل على الصحيح، وفي الدلائل موضع آخر في النصف الثاني: اللهم أعظم برهانه. يتعين هناك زيادة الألف، كذا قاله لنا شيخنا المرحوم العارف بالله تعالى السيد محمد بن مجاهد الأحمدي -قدس الله روحه-. قال: وهو من جملة المواضع التي يمتحن بها نسخ دلائل الخيرات، وأقول: إن هذا بالنسبة إلى الرواية التي صحت عن مصنفها -قدس سره-، فينبغي الاقتصار على ما وجد بخطه، أو سمع منه، وأما من جهة المعنى فإن التعظيم، والإعظام شيء واحد بمعنى الإجلال (وثقل ميزانه) على موازين جميع المرسلين، ويحتمل أن المراد موازين أمته، وقال شارح الدلائل: وكون أعماله -صلى الله عليه وسلم- توزن يوم القيامة لم أجد ما يشهد له إلا في تقييد الشيخ يوسف بن عمر على الرسالة من أن أعمال الأنبياء، والرسل توزن. اهـ .

وفيه كلام تقدم في شرح قواعد العقائد (وأفلج حجته) . هكذا هو في نسخ الكتاب، وفي القوت أيضا بالفاء من الفلج، وهو الفوز، والظفر بالمطلوب، ومثله في بعض النسخ من الدلائل، والمشهور: أبلج بالموحدة؛ أي: أظهر وأوضح (وارفع في أعلى المقربين درجته) ، كذا في نسخ الكتاب .

[ ص: 288 ] وزاد صاحب القوت: "منزلته" قبل "درجته"، والذي في الدلائل: وارفع في أهل عليين درجته، وفي أعلى المقربين منزلته، وأهل عليين هم أهل المنازل العلية في الجنة، وهم المقربون الأبرار، والمعنى: وارفع على أعلى منازل المقربين درجته، وهم المذكورون في قوله تعالى: والسابقون السابقون أولئك المقربون ، ووجد في بعض نسخ الإحياء: "الفردوس" بدل "المقربين"، وله وجه وجيه، ولكن الرواية ما قدمناها (اللهم احشرنا في زمرته) ؛ أي: جماعته (واجعلنا في) .

وفي القوت والدلائل: "من" (أهل شفاعته، وأحينا) بقطع الهمزة (على سنته) ؛ أي: على التمسك بطريقته، ولفظ الدلائل بتقديم "وأحينا على سنته" على الجملتين (وتوفنا على ملته) . هكذا في القوت، وسقط من الدلائل: وأردنا حوضه، وهو المعروف بالكوثر الثابت بالأحاديث الصحيحة (واسقنا بكأسه) ، وفي الدلائل: في كأسه (غير خزايا) حال لازم إذ لا يسقى من كأسه إلا على تلك الحال، وخزايا جميع خزيان، وهو المفتضح على رؤوس الأشهاد (ولا نادمين) جمع نادم، وهو المتحسر (ولا شاكين) من الشك، وفي بعض نسخ الكتاب بدله: ولا ناكبين، أي: ولا معرضين عن طريقته (ولا مبدلين) لطريقته، وزاد صاحب الدلائل بعد ولا مغيرين (ولا فاتنين) للغير (ولا مفتونين) بالدنيا، وزخارفها (آمين رب العالمين) ، وفي الدلائل بزيادة حرف النداء بعد آمين. إلى هنا آخر الصيغة. قال العراقي: أخرج ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن مسعود نحوه بسند ضعيف، ووقفه ابن ماجه على ابن مسعود. اهـ .

قلت: وأخرجه الطبراني في الكبير، والبغوي من حديث رويفع بن ثابت: "من قال: اللهم صل على محمد وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي"، وعند أحمد، وابن قانع من حديثه بلفظ: من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله... إلخ (وعلى الجملة كل ما أتى به من لفظ الصلاة) بأي صيغة اتفقت (ولو المشهور في التشهد كان مصليا) ، ولفظ القوت: وكيفما صلى عليه بعد أن يأتي بلفظ الصلاة؛ فهي صلاة، ولو الصلاة المشهورة التي رويت في التشهد. اهـ .

قلت: وهي ما أخرجه أحمد، والستة ما عدا الترمذي من حديث كعب بن عميرة قال: قلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

(تنبيه) :

قوله: واجعلنا من أهل شفاعته. قال الولي العراقي: كره بعضهم للعبد أن يسأل الله تعالى أن يرزقه شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- لكونها لا تكون إلا للمذنبين، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. رواه الترمذي، وابن ماجه من حديث جابر: من لم يكن من أهل الكبائر، فما له وللشفاعة، وروى ابن عبد البر في التمهيد، عن أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني من تشفع له يوم القيامة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إذا تخمشك النار، فإن شفاعتي لكل هالك من أمتي تخمشه النار. وقال القاضي عياض: لا يلتفت إلى هذا، فإن الشفاعة قد تكون لتخفيف الحساب، وزيادة الدرجات، ثم كل عاقل معترف بالتقصير محتاج إلى العفو غير معتد بعمله مشفق أن يكون من الهالكين. قال: ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة، والرحمة؛ لأنها لأصحاب الذنوب، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف الصالح، فقد عرف بالنقل المستفيض سؤالهم شفاعة نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ورغبتهم فيها .

(تذييل)

أذكر فيه بعض ما ورد في فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، أخرج أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والنسائي، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والضياء من حديث أنس: من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات.

وأخرج أحمد، وابن حبان من حديث أبي هريرة: من صلى علي مرة واحدة كتب الله له بها عشر حسنات .

وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان في حديثه: من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا. وأخرجه الطبراني في الكبير، عن أنس، عن أبي طلحة، وأخرجه أيضا عن ابن عمر، وعن ابن عمرو، وعن أبي موسى، وعن أبي

[ ص: 289 ] أمامة،
ولكن بلفظ: من صلى علي صلى الله بها عليه عشرا بها ملك موكل حتى يبلغنيها.

وأخرج الحاكم في الكنى، والطبراني في الكبير من حديث عامر بن ربيعة: من صلى علي صلاة صلى الله عليه، فأكثروا أو أقلوا.

وأخرج الطبراني في الكبير من حديث أبي الدرداء: من صلى علي حين يصبح عشرا، وحين يمسي عشرا أدركته شفاعتي يوم القيامة.

وأخرج أحمد، عن عبد الله بن عمر: ومن صلى علي صلاة صلى الله، وملائكته بها سبعين صلاة فليقلل عبد من ذلك، أو ليكثر.

وأخرج ابن النجار، عن جابر: من صلى علي في يوم مائة مرة قضى الله له مائة حاجة سبعين لآخرته وثلاثين منها لدنياه.

وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة: من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب.

وأخرج البيهقي، عن أبي هريرة: من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيا أبلغه.

وأخرج البيهقي، والخطيب من حديثه نحوه بلفظ: وكل بها ملك يبلغني، وكفي بها أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيدا، أو شفيعا.

وأخرج أبو الشيخ، عن أنس: من صلى علي في كل يوم ألف مرة لم يمت حتى يبشر بالجنة.

(تكميل)

قد أكثر المحبون للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة عليه بصيغ مختلفة، وألفاظ متنوعة، وأفردوها بمصنفات ما بين طوال، وقصار، فمن أطول ما رأيت كتاب تنبيه الأنام للشيخ عبد الجليل بن محمد بن محمد بن عظوم القيرواني في مجلد حافل أبدع فيه وأغرب، ومن المتأخرين القطب الكامل سيدي محمد المعطي بن عبد الخالق بن القطب أبي عبد الله محمد الشرقي التادلي في مجلدات أطال فيها - رحمه الله تعالى -، ومن القصار الكتاب المسمى بدلائل الخيرات، وشوارق الأنوار للقطب أبي عبد الله محمد بن سليمان الجزولي -قدس سره-، وكان في أواخر الثمانمائة، وكان في عصره رجل آخر بشيراز ألف كتابا سماه بهذا الاسم، وعلى هذه الطريقة، إلا أن الله سبحانه وتعالى قد رزق القبول والاشتهار لكتاب الجزولي ما لم يعط لغيره، فولعت به الخاصة والعامة، وخدموه بشروح وحواش، وما ذلك إلا لحسن نيته، وخلوص باطنه في حبه -صلى الله عليه وسلم-، وقد سمعت غير واحد من الشيوخ يقول: إذا أردت أن تعرف مقام الرجل في القبول عند الله تعالى، فانظر إلى مؤلفاته، أو تلامذته، وتلاه على طريقته من المتأخرين رجل من أهل تونس يعرف بالهاروشي ألف كتابا سماه: "كنوز الأسرار" غريب في بابه، وقد تلقيته عن بعض أصحاب أصحابه، وتلاه شيخنا القطب السيد عبد الله بن إبراهيم الحسيني نزيل الطائف -قدس سره-، فألف كتابا سماه "مشارق الأنوار" جمع فيه الصيغ الواردة عن السلف الصالحين، فجاء حسنا في بابه، ثم شرح عليه شرحا نفيسا تلقيناه عنه، ورأيت لبعض المتأخرين من أهل ثغر دمياط يعرف بالشامخ جمع كتابا صغيرا فيه صيغ حسنة، ولشيخنا المرحوم الشهاب الملوي رسالة جمع فيها أربعين صيغة مما تلقاها عن شيخه القطب مولاي التهامي -قدس سره- قد تلقيناها عنه، وقد حذوت حذوهم رجاء البركة، فألفت في هذا الباب رسالتين الأولى: "إتحاف أهل الصفا" جمعت فيها بعض الصيغ الواردة عن السلف، ومن بعدهم، والثانية: "الفيوضات الإلهية" ابتكرت فيها صيغا غريبة مدهشة العقول، ولما رآها بعض العارفين سماها: "قاموس الصلوات"؛ لما فيها من حسن الترتيب، وغرائب اللغات، ولشيخ مشايخنا السيد مصطفى البكري -قدس سره- على هذا المنوال صيغ سبع سماها: "دلائل القرب" يحفظها أصحابه، وقد شرحتها على طريقته مزجا، وأما الصيغ المنسوبة للقطب الأكبر محيي الدين بن عربي -قدس سره- ؛ فهي من غرائب الصلوات لا يحيط بمعرفة أسرارها إلا من داناه في ذوقه، ومعرفته، وقد شرحت بعضها، وعلى وتيرتها صيغ القطب شمس الدين البكري، وهي ثلاث، وقد شرحتها، وسميتها: "رحيق المدام المختوم البكري"، ومن أحسن ما يوجد في هذه الصيغ ما نسب إلى القطب سيدي عبد السلام بن مشيش -قدس سره-، فإليها النهاية للمريد إذا كررها يوم الجمعة، ففيها من الفضائل لا تحصى، وهي مغنية عن غيرها، وقد شرحها غير واحد من أئمة المغرب، والمشرق من المتقدمين، والمتأخرين، وأحسن ما رأيت من شروحها شرح شيخنا السيد عبد الله صاحب

[ ص: 290 ] الطائف، وهما شرحان أحدهما: صغير، وهو ممزوج بحيث من يراه لا يظن إلا أنه كلام واحد، والثاني: مطول في كراريس، وقد شرحتها أيضا في أوراق، ولكن المريد إذا لم يقتصر على هذه الصيغة، وتشوقت نفسه إلى الزيادة، فليلازم قراءة "دلائل الخيرات"، وختمه في كل يوم جمعة يشرع فيه من أول النهار، ويختمه قبل الزوال، ففيه الكفاية، فإن كان مشغولا بالكسب، فليقتصر على الربع منه، فإن كل ربع منه مشتمل على خمسمائة صيغة، وهذا القدر أوسط المراتب في حق المشتغل، وأما الصيغ المختصرة، والمطولة التي ذكر فيها أن المرة منها بعشرة، وبمائة، وبمائتين، وبخمسمائة، وبألف، وبألفين، وبعشرة آلاف، وبعشرين ألفا، وبثمانين ألفا، وبمائة ألف، وبخمسمائة ألف، وبعتق رقبة، وغير ذلك، فقد ألف فيها غير واحد من العلماء، وأشرت إلى بعضها في "إتحاف الصفا" .

(سانحة)

ذكر شيخ بعض شيوخنا الشهاب أحمد بن مصطفى الإسكندري الشهير بالصباغ في آخر إجازته ما نصه: أقرب طريق للمريد المسرف على نفسه الاستغفار، ثم الصلاة والسلام على النبي المختار -صلى الله عليه وسلم-، وقد ألهمت هذه الصيغة، ووجدت لها من الخواص ما لله المنة علي فيه ببركته -صلى الله عليه وسلم-، وعرضتها عليه مستأذنا له في استعمالها، فتبسم -صلى الله عليه وسلم-، وهي هذه: اللهم صل، وسلم على نبيك، وحبيبك، سيدنا محمد، وعلى إخوانه، وآله صلاة، وسلاما نقرع بهما أبواب جنانك، ونستجلب بهما أسباب رضوانك، ونؤدي بهما بعض حقه علينا بفضلك آمين، ثم قال: واعلم أن من أقرب أسباب رؤيته -صلى الله عليه وسلم- مناما كثرة الصلاة عليه بأي صيغة، وما فيها لفظ محمد أكمل، وأقل الكثرة ألف مرة في الليلة، فإن أهل الخصوصية نصوا على ذلك، وحضوا عليه كثيرا، ولقد سأله الفقير عن ذلك، فأشار برأسه أن نعم .

وبالجملة، فأنجح شيء في هذا المقام كثرة الشوق، وصدق التعلق به، واللجاج باسمه -صلى الله عليه وسلم-، خصوصا بعد وضع رأسك للوساد لطلب النوم ليلا، أو نهارا، بعد ما قسم لك من الذكر، أو القرآن، تختم بهذا الاسم الكريم اثنتين وعشرين مرة، فتجد له ما لا يدخل تحت حصر من الخير الجسيم. والله أعلم. اهـ .

قلت: ولو زاد المريد في هذه الصيغة: عبدك قبل نبيك، فهو أكمل؛ لأنه حينئذ يجمع له -صلى الله عليه وسلم- مقام الكمال في هذه المراتب الثلاث، وهو -صلى الله عليه وسلم- يفرح بمقام العبودية إذا أضيفت إليه، كما عرف من حاله -صلى الله عليه وسلم- فافهم .

ومما ألهمت به في إحدى ليالي شهر رجب سنة 178، وأنا بالحارة الداودية بمصر هذه الصيغة الشريفة، وبشرت أن قائلها مائة مرة يأمن به الإقليم الذي هو فيه ببركة تلاوته لهذه الصيغة الشريفة، وهي هذه: اللهم صل على سيدنا محمد بكل صلاة تحب أن يصلى به عليه، في كل وقت يحب أن يصلى به عليه، اللهم سلم على سيدنا محمد بكل سلام تحب أن يسلم به عليه، في كل وقت يحب أن يسلم به عليه، صلاة، وسلاما دائمين بدوامك عدد ما علمت، وزنة ما علمت، وملء ما علمت، ومداد كلماتك، وأضعاف أضعاف ذلك، اللهم لك الحمد، ولك الشكر كذلك على ذلك في كل ذلك، وعلى آله، وصحبه، وإخوانه .

(فائدة)

أخرج أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة رفعه: من سره أن يكال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت، فليقل: اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

(تنبيه) :

في القول البديع للحافظ أبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي -رحمه الله تعالى-، وهو أحسن كتاب صنف في الصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم- ما نصه: وأما الصلاة عليه عند ذكره، ففيه أحاديث تقدم ذكرها، وقد نقل القاضي عياض، عن إبراهيم التجيبي أنه قال: واجب على كل مؤمن ذكره -صلى الله عليه وسلم-، أو ذكر عنده أن يخضع، ويخشع، ويتوفر، ويسكن من حركته، ويأخذ من هيبته -صلى الله عليه وسلم-، وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدب بما أدبنا الله به. قال: وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح، وأمتنا الماضين، وكان مالك -رضي الله عنه- إذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- يتغير لونه، وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوما في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون، لقد كنت أرى محمد

[ ص: 291 ] بن المنكدر
- وكان سيد القراء - لا تكاد تسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى ترحمه، ولقد كنت أرى جعفر بن محمد، وكان كثير الدعابة، والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي -صلى الله عليه وسلم- اصفر، وما رأيته يحدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا على طهارة، ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- فننظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذكر عنده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبكي حتى لا يبقى في عينيه دموع، ولقد رأيت الزهري، وكان من أهنأ الناس، وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكأنه ما عرفك، ولا عرفته، ولقد كنت آتي صفوان بن سليم، وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه، ويتركوه، وكنا ندخل على أيوب السختياني، فإذا ذكر له حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكى حتى نرحمه. اهـ .

وإذا تأملت هذا عرفت ما يجب عليك من الخشوع، والوقار، والتأدب، والمواظبة على الصلاة، والتسليم عليه عند ذكره، أو سماع اسمه الكريم -صلى الله عليه وسلم- تسليما كثيرا كثيرا. آمين .

التالي السابق


الخدمات العلمية