إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
فصارت الركعتان قبل الظهر آكد من جملة الأربعة ويدخل وقت ذلك بالزوال .


( فصارت الركعتان) اللتان [ ص: 340 ] ( قبل الظهر آكد من جملة الأربعة) إن قلت: قد يعارضه ما أخرجه البخاري من طريق شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة، وما أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وفي آخره: وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين.

فالجواب: أنه لا تعارض، فإنه يحتمل أنه كان إذا صلى في بيته صلى أربعا، وإذا صلى في المسجد فركعتين، فابن عمر إنما شاهده في المسجد فحكى ما رآه منه، وعائشة حكت ما رأت منه في بيته، أو كان تارة يصلي أربعا وتارة ركعتين، أو كان الأربع وردا مستقلا بعد الزوال، وإلى هذا جنح المصنف فسمى الأربع هذه صلاة الزوال وهي غير سنة الظهر التي قال ابن عمر: إنهما ركعتان. نعم؛ قيل في وجه عند الشافعية: إن الأربع قبلها راتبة عملا بحديثها، وبه أخذ أصحابنا؛ فقال صاحب الهداية: السنة ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، وبعدها ركعتان، وأربع قبل العصر وإن شاء ركعتين، وركعتان بعد المغرب، وأربع قبل العشاء، وأربع بعدها وإن شاء ركعتين، وذهب مالك في المشهور عنه أنه لا رواتب في ذلك، ولا توقيت إلا في ركعتي الفجر، وذهب العراقيون من المالكية إلىاستحباب الركعتين بعد الظهر وقبل العصر وبعد المغرب، حكاه صاحب المفهم .

( ويدخل وقت ذلك بالزوال) أي: زوال الشمس من كبد السماء وهي سبعة أزولة: ثلاثة منها لا يعمل بها البشر؛ الزوال الأول تزوله عن قطب الفلك الأعلى لا يشهده ولا يعلمه إلا الله عز وجل، الزوال الثاني عن وسط الفلك لا يعمله من خلق الله تعالى إلا خزان الشمس الموكلون بها الذين يسوقونها على العجلة المركبة في الفلك ويرمونها بجبال الثلج لينكسر حرها ويخمد شعاعها عن العالمين. الزوال الثالث يعلمه ملائكة الأرض، ثم إن الزوال الرابع يكون على ثلاث دقائق وهو ربع شعيرة، والشعيرة جزء من اثني عشر جزءا من ساعة، فهذا الزوال تعرفه الفلاسفة من المنجمين أهل العمل بمساحة الفلك وتركيب الأفلاك فيه، وتقدير سير الشمس في الشتاء والصيف في فلكها منه، يقومون ذلك بالنظر في المرتحلات الطالعة في التقويم، فإذا زالت الزوال الخامس نصف شعيرة وهي ست دقائق عرف زوالها أهل الحساب والتقاويم بالإسطرلاب الطالع، فإذا زالت شعيرة أخرى، وهو الزوال السادس المشترك، وهو جزء من اثني عشر جزءا من ساعة، عرف زوالها علماء المؤذنين وأصحاب مراعاة الأوقات، فإذا زالت ثلاث شعيرات فهو الزوال السابع، وهو ربع ساعة، عرف الناس كلهم زوالها، وعند هذا الوقت صلاة الكافة، وهو أوسط الوقت وأوسعه، وذلك واسع برخصة الله تعالى ورحمته، وهذا كله لبعد منصب السماء ولاستواء تقويم صنعتها في الأفق الأعلى، ولاتفاق صنعتها في الجو المتحرق علوا، وفي الأقطار المتسعة المستديرة استواء واملساسا .

التالي السابق


الخدمات العلمية