إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وأما الأشعار فتكثيرها في المواعظ مذموم قال الله تعالى: والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وقال تعالى : وما علمناه الشعر وما ينبغي له وأكثر ما اعتاده الوعاظ من الأشعار ما يتعلق بالتواصف في العشق وجمال المعشوق وروح الوصال وألم الفراق والمجلس لا يحوي إلا أجلاف العوام وبواطنهم مشحونة بالشهوات وقلوبهم غير منفكة عن الالتفات إلى الصور المليحة فلا تحرك الأشعار من قلوبهم إلا ما هو مستكن فيها فتشتعل فيها نيران الشهوات فيزعقون ويتواجدون وأكثر ذلك أو كله يرجع إلى نوع فساد فلا ينبغي أن يستعمل من الشعر إلا ما فيه موعظة أو حكمة على سبيل استشهاد واستئناس .

وقد قال صلى الله عليه وسلم : إن من الشعر لحكمة ولو حوى المجلس الخواص الذين وقع الاطلاع على استغراق قلوبهم بحب الله تعالى ولم يكن معهم غيرهم فإن أولئك لا يضر معهم الشعر الذي يشير ظاهره إلى الخلق فإن المستمع ينزل كل ما يسمعه على ما يستولي على قلبه كما سيأتي تحقيق ذلك في كتاب السماع ولذلك كان الجنيد رحمه الله يتكلم على بضعة عشر رجلا فإن كثروا لم يتكلم وما تم أهل مجلسه قط عشرين .

وحضر جماعة باب دار ابن سالم فقيل له تكلم فقد حضر أصحابك فقال لا ما هؤلاء أصحابي إنما هم أصحاب المجلس إن أصحابي هم الخواص .


(وأما الأشعار فتكثيرها في المواعظ مذموم) .

قال السمين: الشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم: ليت شعري وسمي الشاعر لفطنته ثم صار في التعارف اسما للموزون المقفى من الكلام، والشاعر المختص بصناعته، وقوله تعالي حكاية عن الكفار: بل افتراه بل هو شاعر حمله كثير من المفسرين على أنهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم ومقفى حتى تأولوا ما جاء في القرآن من كل لفظ شبيه الموزون، وقال بعض المحصلين: لم يقصدوا هذا القصد فيما رموه به وذلك أنه ظاهر من هذا الكلام أنه ليس من أساليب الشعر ولا يخفى ذلك عليهم وإنما رموه بالكذب فإن الشعر يعبر به عن الكذب، والشاعر الكاذب، حتى سموا الأدلة الكاذبة الشعرية (قال الله تعالي) في وصف عامة الشعراء: ( والشعراء يتبعهم الغاوون الآية) أي إلى آخرها وهو ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون ، ولأن الشعر مقر الكذب، قالوا: أحسن الشعر أكذبه، وقال بعض الحكماء لم ير متدين صادق اللهجة مفلقا في شعره، ولذا لما أسلم منهم جماعة وكانوا مفلقين ضعف شعرهم كحسان ولبيد، وقد فطن حسان من نفسه ذلك. اهـ .

والغاوون جمع غاو وهو الضال المنهمك في ضلاله، لا يرده شيء، وقد يعبر بالغي عن الجهل؛ لأنه سببه، وقيل: الغواية شدة الجهل (وقال تعالى: وما علمناه الشعر وما ينبغي له ) قال: الراغب انبغى مطاوع بغى، فإذا قيل: ينبغي أن يكون كذا فهو باعتبارين: أحدهما ما يكون مسخرا للفعل نحو النار، ينبغي أن تحرق الثوب، والثاني بمعنى الاستئهال، نحو فلان ينبغي أن يعطي الكرامة وعلى المعنيين جاء قوله تعالي المتقدم ذكره أي: لا يتسخر له ولا يستأهل قال: ألا ترى لسانه لم يكن يجري به قال: السمين: ولذلك كان إذا تمثل بشيء من الشعر أتى به على غير نظمه، وقد نقل أنه تكلم بشيء من الشعر على سبيل الاتفاق، واختلفوا في أنه هل كان مصروفا عن ذلك بطبعه أو كان في قدرته ولكنه لم يقله، أقوال، واختلفوا في ذم الشعر ومدحه وأحسن ما قيل فيه قول الإمام الشافعي -رحمه الله- حين سئل عن ذلك الشعر: كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وقد روي مثل ذلك أيضا عن عائشة -رضي الله عنها- قال ابن السبكي: في الطبقات: وقد سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- الشعر وأجاز عليه، وذلك برهان على أنه لم يكن يمنع من ذلك وكذلك نطق به جماهير الصحابة وعدد بالغ من أحبار الأمة وأما ما ورد [ ص: 249 ] من الأحاديث في ذم الشعر فالمراد منه الشعر الذي هو هجو له -صلى الله عليه وسلم- حملا لمطلق الحديث على مقيده، على أنه قد ثبت في بعض طرق حديث أبي هريرة رفعه لأن يملأ جوف أحدكم قيحا ودما خير له من أن يمتلئ شعرا، هجيت به، رواه ابن عدي في الكامل. اهـ .

(وأكثر ما اعتاده الوعاظ من) إنشاد (الأشعار) في مواعظهم (ما يتعلق بالتواصف في العشق) وهو الإفراط في المحبة (وجمال المعشوق) وهو المحبوب (وروح الوصال) والتشوق إليه (و) التشكي من (ألم الفراق) وما يترتب عليه (والمجلس) ذاك (لا يحوي) أي: لا يجمع غالبا (إلا أجلاف العوام) والأغبياء الطغام (وبواطنهم) غير متهيئة لتلقي أسرار الحقائق بل (مشحونة بالشهوات) النفسانية (وقلوبهم غير منفكة عن الالتفات) والميل (إلى الصور المليحة) المستحسنة (ولا تحرك) تلك ( الأشعار من قلوبهم) وخواطرهم (إلا ما هي مستكنة) أي: مستترة (فيها) من الخبث (فتشتعل فيها نيران الشهوات) لا محالة بتسويل الشيطان (فيزعقون) أي يصيحون من غير اختيار ومنهم من يتمكن منه ذلك الخاطر فيغيب عن إحساسه (ويتواجدون) أي يتراقصون ويكونون سببا لضحكة الشيطان (وأكثر ذلك أو كله يرجع إلى نوع فساد) في الدين تترتب به جمل من المضرات (فينبغي) للواعظ (أن لا يستعمل) في وعظه للعامة (من) إنشاد (الشعر إلا ما فيه موعظة) ظاهرة يرتدع بها عن خبث الباطن (أو حكمة) نادرة يتعظ في كشف السر الكامن (كل ذلك على سبيل استشهاد) لكلامه (واستئناس) لما يورد من أحكامه (وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن من الشعر لحكمة) .

قال العراقي: رواه البخاري من حديث أبي بن كعب. اهـ .

قلت: وكذا الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه كلهم من رواية عبد الرحمن بن الأسود أن أبي بن كعب أخبره بلفظ: إن من الشعر حكمة.

وأخرجه أبو القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم الحنائي في جزء له من طريق هشام بن عروة عن جده عن أبيه الزبير رفعه، وذكره الدارقطني في العلل فقال: يرويه شيخ يعرف بعبد الملك بن محمد البلخي عن أبي بزة عن هشام قال: ووهم فيه ورواه الشافعي مرسلا عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ورواه الترمذي وأبو يعلى من رواية عاصم عن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، إنما رفعه أبو سعيد الأشج عن ابن عيينة وروى غيره عنه موقوفا، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: أن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما، قال الترمذي: حسن صحيح، وفي أوله قصة عند أبي داود، ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ: حكمة، وفي الباب عن بريدة وعبد الله بن عمرو وابن عمر وأبى موسى وعائشة وأنس وعمرو بن عوف (ولو حوى المجلس الخواص) من عباد الله العارفين المستكملين (الذين وقع الاطلاع) والاتفاق (على استغراق قلوبهم بحب الله تعالى) أي: امتلائها به (ولم يكن معهم) هناك (غيرهم) من الأجانب (فإذ ذاك) وفي نسخة: فإن أولئك (لا يضر معهم الشعر الذي يشير ظاهره إلى الخلق) بذكر الأوصاف المناسبة لهم من جمال ووصال وفراق (فإن المستمع ينزل كل ما يسمعه على ما يستولي على قلبه) بحسب المقامات، فالألفاظ هي هي والمعاني مختلفة وكل إناء بالذي فيه يرشح (ولذلك كان) أبو القاسم (الجنيد) ، وفي القوت: وقال بعض الشيوخ كان الجنيد -رحمه الله- (يتكلم على بضعة عشر) ونص القوت على بضع عشرة (رجلا فإن كثروا لم يتكلم) .

قال (وما تم أهل مجلسه قط عشرين) رجلا قال: وكان أبو محمد سهل -رحمه الله- يجلس إلى خمسة أو ستة إلى العشرة (وحضر جماعة دار) أبي الحسن محمد (ابن سالم) البصري أحد مشايخ أبي طالب المكي (فقيل له تكلم فقد حضر أصحابك) .

قال في القوت: وقد حدثت عن أبي الحسن بن سالم شيخنا -رحمه الله- أن قوما اجتمعوا في مسجده فأرسلوا إليه بعضهم إن إخوانك قد حضروا ويحبون لقاءك والاجتماع منك فإن رأيت أن تخرج إليهم فعلت وكان المسجد على باب بيته ولم يكن يدخل عليه في منزله فقال: [ ص: 250 ] للرسول بعد أن خرج إليه: من هم؟ فقال: فلان وفلان وسماهم (فقال ما هؤلاء أصحابي) ونص القوت: ليس هؤلاء من أصحابي (إنما هم أصحاب المجلس إن أصحابي هم الخواص) ونص القوت: هؤلاء أصحاب المجلس ولم يخرج كأنه رآهم عموما لا يصلحون لتخصيص علمه فلم يذهب وقته بوقتهم وكذلك العالم وقته أعز عليه فإن وافق خصوص إخوانه آثرهم على نفسه، فكان ذلك مزيدا وإن لم يوافق لهم لم يؤثر على خلوته ووقته غيره، فيكون مناخا للطالبين، وقد كان أبو الحسن -رحمه الله- يخرج لإخوانه ممن يراه أهلا لمكان علمه فيجلس إليهم ويذاكرهم وربما أدخلهم إليه نهارا أو ليلا ولعمري، إن المذاكرة تكون بين النظراء والمحادثة مع الإخوان والجلوس للعلم يكون للأصحاب والجواب عن المسائل نصيب العموم. وكان عند أهل هذا العلم أن علمهم مخصوص لا يصح إلا للخصوص، والخصوص قليل فلم يكونوا ينطقون به إلا عند أهله ويرون أن ذلك من حقه وأنه واجب عليه هذا كله كلام صاحب القوت .

التالي السابق


الخدمات العلمية