إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الباب الرابع في سبب إقبال الخلق على علم الخلاف .

وتفصيل آفات المناظرة والجدل وشروط إباحتها .


اعلم أن الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تولاها الخلفاء الراشدون المهديون وكانوا أئمة علماء بالله تعالى فقهاء في أحكامه وكانوا مستقلين بالفتاوى في الأقضية فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة فتفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا لها وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا وأقبلوا على الله تعالى بكنه اجتهادهم كما نقل من سيرهم فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم .

وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول وملازم صفو الدين ومواظب على سمت علماء السلف فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات .

فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم فاشرأبوا لطلب العلم توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة فأكبوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم وطلبوا الولايات والصلات منهم فمنهم من حرم ومنهم من أنجح والمنجح لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم إلا من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء دين الله وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات ثم ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من يسمع مقالات الناس في قواعد العقائد ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها فعلمت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام فأكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف ورتبوا فيه طرق المجادلات واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله والنضال عن السنة وقمع المبتدعة كما زعم من قبلهم أن غرضهم بالاشتغال بالفتاوى الدين وتقلد أحكام المسلمين إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم .

ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام وفتح باب المناظرة فيه لما كان قد تولد من فتح بابه من التعصبات الفاحشة والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما على الخصوص فترك الناس الكلام وفنون العلم وانثالوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد رحمهم الله تعالى وغيرهم وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقرير علل المذهب وتمهيد أصول الفتاوى وأكثروا . فيها التصانيف والاستنباطات ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عليه إلى الآن ولسنا ندري ما الذي يحدث الله فيما بعدنا من الأعصار فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة أو إلى علم آخر من العلوم لمالوا أيضا معهم ولم يسكنوا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين وأن لا مطلب لهم سوى التقرب إلى رب العالمين .


(الباب الرابع: في سبب إقبال الخلق على علم الخلاف وتفصيل آفات المناظرة والجدل وشروط إباحتها) .

أما علم الخلاف فهو علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبهة وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية وهو الجدل الذي هو قسم من المنطق إلا أنه خص بالمقاصد الدينية وقد يعرف بأنه علم يقدر به على حفظ أي وضع وهدم أي وضع كان بقدر الإمكان ولهذا قيل الجدل إما مجيب بحفظ وضعا أو سائل بهدم وضعا، وذكر ابن خلدون في مقدمة تاريخه أن الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم خلافا لا بد من وقوعه واتسع في الملة اتساعا عظيما وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة وكانوا بمكان من حسن الظن اقتصر الناس على تقليدهم فأقيمت هذه الأربعة أصولا للملة وأجري الخلاف بين المتمسكين بها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه يجري على أصول صحيحة ويحتج بها كل على صحة مذهبه فتارة يكون الخلاف بين الشافعي ومالك، وأبو حنيفة يوافق أحدهما، وتارة بين غيرهم كذلك وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء فيسمى الخلافيات ولا بد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليه المجتهد الأول، والمجتهد يحتاج إليها للاستنباط وصاحب الخلاف يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل من أن يهدمها المخالف بأدلته وهو علم جليل الفائدة وكتب الحنفية والشافعية أكثر من تآليف المالكية؛ لأن أكثرهم أهل المغرب وهم بادية، وللغزالي فيه كتاب المأخذ ولأبي بكر بن العربي كتاب التخليص جاء به من المشرق ولأبي زيد الدبوسي كتاب التعليقة ولابن القصار من المالكية عيون الأدلة. اهـ .

ومن الكتب المؤلفة فيه المنظومة النسفية وخلافيات الإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي جمع فيه المسائل المختلف فيها بين الشافعي وأبي حنيفة، وأما علم الجدل فهو علم باحث عن الطرق التي يقتدر بها على إبرام ونقض وهو أحد أجزاء علم المنطق لكنه خص بالعلوم الدينية ومباديه بعضها نظرية وبعضها خطابية وبعضها أمور عادية وله [ ص: 279 ] استمداد من علم المناظرة المشهور بآداب البحث ولا يبعد أن يقال: إن علم الجدل هو علم المناظرة; لأن المآل منهما واحد إلا أن الجدل أخص منهما ويؤيد كلام ابن خلدون في مقدمة كتابه حيث قال: الجدل هو معرفة آداب المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول المستفاد من الاستدلال ما يكون صوابا وما يكون خطأ فاحتاج إلى وضع آداب وقواعد يعرف منه حال المستدل والمجيب ولذلك قيل فيه: إنه معرفة بالقواعد من الحدود والآداب في الاستدلال التي يتوصل بها إلى حفظ رأي أو هدمه كان ذلك الرأي من الفقه أو غيره وهو طريقان: طريق البزدوي، وهي خاصة بالأدلة الشرعية من النص والإجماع والاستدلال وطريق ركن الدين العميدي، وهي عامة في كل دليل يستدل به من أي علم كان، والمغالطات فيه كثيرة، وإذا اعتبر بالنظر المنطقي كان في الغالب أشبه بالقياس المغالطي والسوفسطائي إلا أن صور الأدلة والأقيسة فيه محفوظة مراعاة تتحرى فيها طرق الاستدلال كما ينبغي وهذا العميدي أول من كتب فيها ونسبت الطريقة إليه ووضع كتابه المسمى بالإرشاد مختصرا وتبعه من بعده من المتأخرين كالنسفي وغيره وكتب في الطريقة التآليف وهي لهذا العهد مهجورة لنقص العلم في الأمصار وهي مع ذلك كمالية وليست ضرورية. اهـ .

وقال المولى أبو الخير: وللناس فيه طرق أحسنها طريق ركن الدين العميدي وأول من صنف فيه من الفقهاء أبو بكر القفال الشاشي المتوفى سنة 336 وقال بعض العلماء: إياك أن تشتغل بهذا الجدل الذي ظهر بعد انقراض الأكابر من العلماء فإنه يبعد عن الفقه ويضيع العمر ويورث الوحشة والعداوة وهو من أشراط الساعة كذا في حديث، ولله در القائل:

أرى الفقهاء في ذا العصر طرا أطاعوا العلم واشتغلوا بلم لم     إذا ناظرتهم لم تلق منهم
سوى حرفين لم لم لا نسلم

وأما علم المناظرة المعروف الآن بآداب البحث فقد ذكر ابن طاشكبري في مفتاح السعادة والمولى لطفي في موضوعاته أنه علم يبحث فيه عن كيفية إيراد الكلام بين المناظرين وموضوعه الأدلة من حيث إنها يثبت بها المدعى على الغير، ومباديه أمور بينة بنفسها والغرض منه تحصيل ملكة طرق المناظرة لئلا يقع الخبط في البحث فيتضح الصواب، وفي الخاقانية لابن صدر الدين: وهذا العلم كالمنطق يخدم العلوم كلها لأن البحث والمناظرة عبارة عن النظر في الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب وإلزاما للخصم إلا أنه بشرائط معتبرة وإلا كان مكابرة غير مسموعة فلا بد من قانون تعرف به مراتب البحث على وجه يتميز به المقبول عما هو المردود وتلك القوانين هي آداب البحث. اهـ. وفيه مؤلفات أكثرها مختصرا وشروح للمتأخرين وأول من صنف فيه الشمس محمد بن شرف الحسين السمرقندي المتوفى سنة 610 والعلامة عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الدلجي المتوفى سنة 756 .

(اعلم أن الخلافة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تولاها الخلفاء الراشدون) وهم الخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز (وكانوا أئمة) على الحق (وعلماء بالله تعالى) أي بذاته وصفاته (فقهاء في أحكامه) وأوامره (مشتغلين) بأنفسهم (بالفتاوى في الأقضية) أي: الأحكام (فكانوا لا يستعينون بالفقهاء) من الصحابة (إلا نادرا في) بعض (وقائع) ونوازل (لا يستغنى فيها عن المشاورة) كمسألة الجد والأخوات وغيرها كما سيأتي فكان الذي يتولى أمور الناس هو الذي يفتي في الأحكام (فتفرغوا) وفي نسخة: فتفرغ العلماء (لعلم الآخرة) كعلم الإيمان واليقين المستفادين من القرآن والحديث (وتجردوا له) بهممهم وكليتهم (وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا) .

قال صاحب القوت: وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما منهم من أحد يسأل عن حديث أو فتيا إلا ود أن أخاه كفاه ذلك، وفي لفظ آخر كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى [ ص: 280 ] الآخر ويردها إلى الآخر حتى ترجع إلى الذي سئل عنها أول مرة، وسيأتي أنهم كانوا يتدافعون أربعة أشياء: الإمامة والوديعة والوصية والفتوى. وكان شغلهم في خمسة أشياء: قراءة القرآن وعمارة المساجد وذكر الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وأقبلوا على الله تعالى بكنه اجتهادهم) أي: خالصه وحقيقته (كما نقل من سيرهم) وشمائلهم، ومن طالع كتاب الحلية لأبي نعيم وجد ما يشفي الغليل (فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام) تغلبوا عليها بالمال والجاه (وتولوها بغير استحقاق) لها ولا أهلية للقيام بأركانها (ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام) الشرعية لغلبة الجهل عليهم أو لاشتغالهم بالذات النفسية (اضطروا إلا الاستعانة بالفقهاء) واحتاجوا لهم (وإلى استصحابهم) ومرافقتهم (في جميع أحوالهم) سفرا وحضرا (لاستفتائهم في مجاري أحكامهم) ، وفي القوت: قال عبد الرحيم الأسود وغيره من العلماء: إن علم الأحكام والفتاوى كان الولاة والأمراء يقومون به وترجع العامة إليهم فيه ثم ضعف الأمر وعجزت الولاة عن ذلك لميلهم إلى الدنيا وشغلهم بالحروب عنها فصاروا يستعينون على ذلك بعلماء الظاهر وبالمفتين في الجوامع، وكان الأمير إذا جلس للمظالم قعد عن يمينه وشماله مفتيان يرجع إليهما في القضاء والأحكام ويأمر الشرط بمثل ذلك فكان من الناس من يتعلم علم الفتيا والقضاء ليستعين بهم الولاة على الأحكام والقضاء حتى كثر المفتون رغبة في الدنيا وطلبا للجاه والرياسة ثم أخلق الأمر بعد ذلك حتى تركت الولاة الاستعانة بالعلماء. اهـ .

(وكان قد بقي من) طبقة (علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول) أصل الطراز علم الثوب ثم استعير للنمط والطريقة وبه فسر قول حسان:

بيض الوجوه كريمة أحسابهم     شم الأنوف من الطراز الأول

(وملازم صغو الدين) هو بكسر الصاد المهملة وسكون الغين المعجمة: الجانب والناحية (ومواظب على سمت) أي: طريقة (علماء السلف) من الصحابة (وكانوا إذا طلبوا) لتولية القضاء والفتيا في الأحكام (هربوا) من بلد إلى بلد ومنهم من أظهر الجنون والتحامق (وأعرضوا) عن ذلك بالكلية كما سيأتي تفصيله عن زيد بن أبي خراش أن الثوري لقي شريكا فقال بعد الفقه والخير تلي القضاء؟ قال: يا أبا عبد الله وهل بد للناس من قاض؟ فقال سفيان: وهل بد للناس من شرطي (واضطر الخلفاء) والأمراء (إلى الإلحاح) والحث في طلبهم (لتولية القضاء والحكومات) في أمور الخلق فلم يمكنهم ذلك، ومنهم من أدرك وولي كرها (فرأى أهل تلك الأعصار) الموجودين (عز العلماء) بالله تعالى (وإقبال الأئمة والولاة عليهم) والإصغاء لقولهم (مع إعراضهم عنهم) وعدم التفاتهم إليهم كما هو معلوم لمن طالع تراجم الإمام أبي حنيفة وسفيان الثوري ومن في عصرهما من الأئمة (فاشرأبوا) أي مالت نفوسهم (لطلب العلم) أي: علم الفتيا والأحكام (توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة) والحكام (فأكبوا) أي: واظبوا وفي نسخة: فأقبلوا (على علم الفتيا) وما يتعلق به تحصيلا واكتسابا (و) حين توشحوا بذلك (عرضوا بأنفسهم) وفي نسخة: نفوسهم (على الولاة) ليولون تلك المناصب (وتعرفوا إليهم) بالوسائط والشفاعات (وطلبوا الولايات) للأعمال (والصلاة) أي: العطايا (منهم فمنهم من حرم قصده) أي: منع (ومنهم من أنجح) أي: أعطي له ما تمناه (والمنجح) منهم (لم يخل عن ذل الطلب ومهانة الابتذال) لأنها لوازم السائل (فأصبح) السادة (الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن) الملوك و (السلاطين) والأمراء يقربون منهم (أذلة بالإقبال عليهم) والاتصال بحواشيهم وكم من فرق بين المطلوب والطالب والعزيز والذليل (إلا من وفقه الله -عز وجل- في كل عصر من علماء دينه) وفي نسخة: من العلماء بالله تعالى وهذا في زمانه وأما الآن فقد أخلق الأمر جدا وتضعضع ركن العلماء فصاروا أذل من كل ذليل وترك الاستعانة بهم فلا حول ولا قوة إلا بالله والله المستعان (وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية) دون غيره (لشدة الحاجة) أي [ ص: 281 ] حاجة الأمراء (إليها في الولايات والحكومات) والعامة تبع لهم (ثم ظهر بعدهم من الصدور) أي: الأكابر الذين يتصدرون في المجالس (والأمراء من سمع مقالات الناس) أي: أقاويلهم (في قواعد العقائد) الإسلامية (ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها) والتطلع إلى أقوال المخالفين والرد على كلامهم بالبراهين (فغلبت رغبته إلى المناظرة) أي: ميله إلى المباحثة على قواعد النظر (والمجادلة) على قواعد الجدل (في الكلام فانكب الناس) أي: اجتمعوا مشتغلين (على علم الكلام) وتحصيله (وأكثروا فيه التصانيف) وفي نسخة: التعاليق (ورتبوا فيه طرق المجادلات) على طريقة ركن الدين العميدي (واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات) بتكثير الكلام فيها (وزعموا) قائلين (أن غرضنا) من هذا (الذب) أي: الدفع (عن دين الله عز وجل) وحماية حوزته (والنضال) أي: المدافعة ( عن زعم من قبلهم) من المشتغلين (أن غرضهم الاشتغال بفتاوى الدين) حسبة لله تعالى (وتقلد أمور المسلمين) بحسن التوسط بينهم (إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم) وربما تعلقوا بحديث النصح لكل مسلم ونزلوا معناه على أفعالهم (ثم ظهر بعد لك من الصدور من لم يستصوب الخوض) أي: لم ير الخوض (في الكلام وفتح باب المناظرة) والمجادلة (فيه) صوابا (لما كان قد تولد من فتح بابه من التعصبات الفاحشة) والحميات الشيطانية (والخصومات الفاشية) الظاهرة وفي نسخة: الناشئة بالنون (المفضية) أي: الموصلة (إلى إهراق الدماء وإخراب البلاد) ومن أعظمها فتنة الوزير أبي نصر منصور بن محمد الكندي الذي كان معتزليا خبيث العقيدة متعصبا للكرامية والمجسمة في زمن السلطان طغرلبك السلجوقي قادت إلى خروج إمام الحرمين والحافظ البيهقي والإمام أبي القاسم القشيري وغيرهم من أئمة السنة من نيسابور، وقد طار شرر هذه الفتنة فملأ الآفاق وطال ضررها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق، وعظم خطبها ونهبت البلاد وأخربت البلدان وفي ذلك صنف القشيري رسالة إلى البلاد سماها شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة، وقد جالت هذه الرسالة في البلاد وانزعجت نفوس أهل العلم بسببها حسبما أوردها مع تفصيل الفتنة ابن السبكي في طبقاته فراجعه إن شئت (ومالت نفسه) لذلك (إلى المناظرة في الفقه) فقط بالرد والنقض على المخالفين (و) اختار من ذلك (بيان الأولى) والأرجح (من مذهب) الإمام (الشافعي) والإمام (أبي حنيفة -رضي الله عنهما- على الخصوص) لشهرتهما وكثرة من قلد مذهبهما في غالب الأقطار (فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا) وفي نسخة: انثالوا (على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص) وقد تقدم عن ابن خلدون قال في مقدمة تاريخه: لما انتهى الأمر إلى الأئمة الأربعة وكانوا بمكان من حسن الظن اقتصر الناس على تقليدهم فأقيمت هذه الأربعة أصولا للملة وأجري الخلاف بين المتمسكين بها فجرى الخلاف في النصوص الشرعية وجرت عنهم المناظرات.في تصحيح كل منهم مذهب إمامه يجري على أصول صحيحة ويحتج بها كل على صحة مذهبه. اهـ .

(وتساهلوا في الخلاف مع مالك رحمه الله) لأن أكثر مقلدي مذهبه مغاربة وهم بادية فلذلك لم يصنفوا فيه كتبا إلا ما كان من المتأخرين منهم (وسفيان) ابن سعيد الثوري (وأحمد) ابن حنبل لقلة مقلدي مذهبهما بالنسبة إلى الأولين (وغيرهم) من الأئمة (وزعموا أن غرضهم) من ذلك (استنباط) أي: استخراج (دقائق الشرع) وبيان المأخذ (و) معرفة القواعد التي يعرف منها (تفريع) وفي نسخة: تقرير ( علل المذهب وتمهيد أصول الفتاوى) مع المحافظة عليها من هدم مخالف أو نقض مصادم (فأكثروا فيها التصانيف) والتعاليق منظومة ومنثورة (والاستنباطات) الغريبة (ورتبوا فيها أنواع المجادلات) والخصومات (والتصنيفات) فمن ذلك تعليقة أبي زيد الدبوسي من الحنفية وخلافيات الحافظ البيهقي وغير هؤلاء (وهم مستمرون عليه إلى الآن) أي إلى زمان تأليف [ ص: 282 ] الكتاب وهو سنة ثمان وتسعين وأربعمائة (وليس ندري ما الذي قدر الله تعالى فيما بعدنا من الأعصار) قلت: ثم تعاظم الأمر في ذلك وأوسعوا في الكلام ومالوا إليه مرة واحدة بحيث لا يعد العالم فيما بينهم إذا استكمل الخلاف والجدل وحصلت المناظرات بين الحنفية والشافعية وترتب على ذلك تخريب بعض البلاد وإجلاء بعض العلماء ومن أعظمها ما حصل بمر وأم مدن خراسان بسبب ابن السمعاني وغيره (فهذا) الذي ذكرت (هو الباعث) لهم (على الإكباب) والإقدام (على الخلافيات والمناظرة) والجدل (لا غير ولو مالت نفوس أرباب الدنيا) وأمرائها (إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة) غير من ذكروا (أو إلى علم آخر من العلوم لمالوا أيضا معهم) كما اتفق لملوك الروم وميلهم إلى علوم الفلاسفة فاشتغل الناس بتحصيلها من كل وجه وامتلأت المدارس الشرعية بمن يحصلها وأوسعوا فيها من التآليف ووقعت الحكومات والمنافسات وأعطوا على ذلك أموالا فوجب صرف العناية إليها ولم تندثر تلك العلوم من بلاد الروم إلا عن قريب وهذا كما قيل: الناس على دين ملوكهم (ولم يسكتوا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين وأن لا مطلب لهم) من تحصيله (سوى التقرب إلى رب العالمين) وقد أخطئوا فيما زعموا


وكل يدعي وصلا بليلى     وليلى لا تقر لهم بذاك

ثم إن الشيخ -رحمه الله تعالى- ذكر سبب الأقبال على علم الخلاف والانكباب عليه ولم يذكر الأسباب الموجبة للخلاف في هذه الملة وهي ثمانية: الأول: اشتراك الألفاظ والمعاني، الثاني: الحقيقة والمجاز، والثالث: الإفراد والتركيب، والرابع: الخصوص والعموم، والخامس: الرواية والنقل، والسادس: الاجتهاد فيما لا نص فيه، والسابع: الناسخ والمنسوخ، والثامن: الإباحة والتوسع. وتفصيل ذلك في كتاب ألفه أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي وهو حسن في بابه فراجعه إن شئت .

التالي السابق


الخدمات العلمية