إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
فالكفارة عتق رقبة فإن أعسر فصوم شهرين متتابعين وإن عجز فإطعام ستين مسكينا مدا مدا .


وأما القول في كيفية الكفارة فأشار إليه المصنف بقوله (والكفارة) هذه مرتبة ككفارة الظهار فيلزم تحرير أي : (عتق رقبة) مؤمنة وقال أصحابنا : مؤمنة كانت أو كافرة (فإن أعسر) أي : لم يجد (فصوم شهرين متتابعين) قال أصحابنا دون النقصان (فإن عجز فإطعام ستين مسكينا مدا مدا) من حنطة أو شعير أو تمر وقال أصحابنا نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو صاع من تمر هذه كيفية كفارة الإفطار والظهار وأما كفارة القتل واليمين فينظر إلى باب الكفارات ليس هذا محل ذكرهما وقال مالك : يتخير بين الخصال الثلاث وهو رواية عن أحمد والأصح عنه مثل مذهب الشافعي .

وفي هذا الفصل صور :

منها : هل يلزمه مع الكفارة قضاء صوم اليوم الذي أفسده بالجماع ؟ فيه ثلاثة أوجه : أصحها يلزم ، والثاني : لا ، والثالث : إن كفر بالصيام لم يلزم .

قال الإمام : ولا خلاف في أن المرأة يلزمها القضاء إذ لم تلزمها الكفارة .

ومنها : هل تكون شدة الغلمة عذرا في العدول عن الصيام إلى الإطعام ؟ فيه وجهان : أصحهما أنه عذر وبه قطع صاحب التهذيب ورجح المصنف المنع .

ومنها : لو كان من لزمته الكفارة فقيرا فهل له صرفها إلى أهله وأولاده ؟ فيه وجهان : أحدهما : يجوز وأصحهما : لا .

ومنها : إذا عجز عن جميع خصال الكفارة هل تستقر في ذمته ؟ قال الأصحاب : الحقوق المالية الواجبة لله تعالى تنقسم إلى ما يجب لا بسبب يباشره العبد وإلى ما يجب بسبب يباشره فالأول : كزكاة الفطر إن كان قادرا وقت وجوبها وجبت وإلا لم تستقر في ذمته إلى أن يقدر والثاني : على ضربين ما يجب على وجه البدل كجزاء الصيد فإن كان قادرا عليه فذاك والأثبت في ذمته إلى أن يقدر تغليبا لمعنى الغرامة وما يجب لا على وجه البدل ككفارة الوقاع واليمين والقتل والظهار ففيهما قولان : أحدهما : أنه يسقط عند العجز كزكاة الفطر وبه قال أحمد وأصحهما أنه لا يسقط كجزاء الصيد فعلى هذا متى قدر على إحدى الخصال لزمته .

(فصل)

وفي كتاب الشريعة : هل الكفارة مرتبة كما هي في الظهار أو على التخيير ؟ فقيل : إنها على الترتيب وقيل : على التخيير ومنهم من استحب الإطعام أكثر من العتق ومن الصيام ويتصور هنا ترجيح بعض الأقسام على بعض بحسب حال المكلف أو مقصود الشارع فمن رأى أنه يقصد التغليظ وإن الكفارة عقوبة فإن كان صاحب الواقعة غنيا أو ملكا خوطب بالصيام فإذا شق عليه وأردع فإن المقصود بالحدود والعقوبات إنما هو الزجر وإن كان متوسط الحال في المال ويتصور بالإخراج أكثر مما يشق عليه الصوم أمر بالعتق [ ص: 222 ] أو الإطعام وإن كان الصوم عليه أشق أمر بالصوم ومن رأى أن الذي ينبغي أن يقدم في ذلك فليرفع الحرج فإنه تعالى يقول : وما جعل عليكم في الدين من حرج فيكلف من الكفارة ما هو أهون عليه وبه أقول في الفتيا وإن لم أعمل به في حق نفسي لو وقع مني إلا أن لا أستطيع فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها وما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا وكذلك فعل فإنه قال تعالى : فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا فأتى بعسر واحد وبيسرين معه فلا يكون الحق يراعي اليسر في الدين ورفع الحرج ويفتي المفتي بخلاف ذلك فإن كون الحدود وضعت للزجر ما فيه نص من الله ولا رسوله وإنما يقتضيه المنظر الفكري فقد يصيب في ذلك ويخطئ لا سيما وقد رأينا خفيف الحد في أشد الجناية ضررا في العالم فلو أريد الزجر لكانت العقوبة أشد فيها وبعض الكبائر ما شرع فيها حد ولا سيما والشرع في بعض الحدود في الكبائر لا تقام إلا بطلب المخلوق وإن أسقط ذلك سقطت والضرر في إسقاط الحد في مثله أظهر كولي المقتول إذا عفا فليس للإمام أن يقتله وأمثال هذا من الخفة والإسقاط فيضعف قول من يقول وضعت الحدود للزجر ولو شرعنا نتكلم في سبب وضع الحدود وإسقاطها في أماكن وتخفيفها في أماكن أظهرنا في ذلك أسرارا عظيمة لأنها تختلف باختلاف الأحوال التي شرعت فيها والكلام فيها يطول وفيها إشكالات مثل السارق والقاتل وإتلاف النفس أشد من إتلاف المال وإن عفا ولي المقتول لا يقتل قاتله وإن عفا رب المال المسروق أو وجد عند السارق عين المال فرد على ربه ومع هذا فلا بد أن تقطع يده على كل حال وليس للحاكم أن يترك ذلك ومن هنا تعرف أن حق الله في الأشياء أعظم من حق المخلوق فيها بخلاف ما يعتقده الفقهاء قال -عليه السلام- : "حق الله أحق أن يقضى " .

الاعتبار الترتيب في الكفارة أولى من التخيير فإن الحكمة تقتضي الترتيب والله حكيم والتخيير في بعض الأشياء من الترتيب لما اقتضته الحكمة والعبد في الترتيب عبد اضطرار كعبودية الفرائض والعبد في التخيير عبد اختيار كعبودية النوافل وبين عبادة النوافل وعبادة الفرائض في التقريب الإلهي فرق بعيد في علو المرتبة فإن الله تعالى جعل في القرب في الفرائض أعظم من القرب في النوافل وإن ذلك أحب إليه ولهذا جعل في النوافل فرائض وأمرنا أن لا نبطل أعمالنا وإن كان العمل نافلة لمراعاة عبودية الاضطرار على عبودية الاختيار لأن ظهور سلطان الربوبية فيها أجلى ودلالتها عليها أعظم .

(فصل) فيمن جامع متعمدا في رمضان

أجمعوا أن عليه القضاء والكفارة وقيل : القضاء فقط لأنه -عليه السلام- لم يأمره عند عدم العتق والإطعام أن يصوم ولا بد إن كان صحيحا ولو كان مريضا لقال له إذا وجدت الصحة فصم وقال قوم : ليس عليه إلا الكفارة فقط والذي أذهب إليه أنه لا قضاء عليه وأستحب له الكفارة .

الاعتبار القدرتان تجتمعان على إيجاد ممكن من ممكن فما ينسب من ذلك للعبد يجب القضاء عليه وهو رده إلى الاقتدار الإلهي والكفارة ستر ذلك الاقتدار المنسوب إلى العبد في الفعل من كل من لا يصل عقله إلى معرفة ذلك إما بعتق رقبة من الرق مطلقا أو مقيدا فإن أعتقه من الرق مطلقا فهو أن يقيم نفسه في حال كون الحق سمعه وبصره وجميع قواه التي بها يكون إنسانا وأما إن كان العتق مقيدا فهو أن يعتق نفسه من رق الكون فيكون حرا عن الغير عبدا لله والعتق من هذه العبودية في هذه الحال لا في الحال الأول وأما الإطعام في الكفارة فالطعام سبب في حفظه الحياة على متناوله فهو في الإطعام متخلق باسم المحيي لما أمات بما فعله عبادة لا مثل لها كان عليها فكان منعوتا بالمميت في فعلها لأنه تعمد ذلك فأمر بالإطعام ليظهر اسم المقابل الذي هو المحيي فافهم .

وأما صوم شهرين في كفارته فالشهر عبارة عن استيفاء جميع المنازل بالسير القمري فالشهر الواحد يسير فيها بنفسه ليثبت ربوبية خالقه عليه عند نفسه والشهر الآخر يسير في تلك المنازل بربه من باب أن الحق سمعه وبصره وقواه فإنه بالقوى قطع هذه المنازل والحق قوته فقطعها بربه لا بنفسه فهذا حكم الكفارة على من هذا فعله .

اعتبار من أكل أو شرب متعمدا الأكل والشرب تغذ لبقاء حياة الآكل والشارب عند هذا السبب لأن حياته مستفادة كما أن وجوده مستفاد والصوم [ ص: 223 ] لله لا للعبد فلا قضاء عليه ولا كفارة ومن قال بالكفارة أوجب عليه الستر لمقامه وحكمه فيها حكم المجامع في الاعتبار سواء ومن قال بالقضاء عليه يقول ما أوجب عليه القضاء إلا كونه عسيرا كما كان في أصل التكليف يصوم رمضان سواء فيقضيه برده إلى من الصوم له فإن الصوم للعبد الذي هو لله كمن يسلف شيئا من غيره فقضاؤه ذلك الدين إنما هو برده إلى مستحقه والعبد إنما يصوم مستلفا ذلك لأن الصمدانية ليست له والصوم صمدانية فهي لله لا له فاعلم ذلك .

اعتبار من جامع ناسيا لصومه هذا من باب الغيرة الإلهية لما اتصف العبد بما هو لله وهو الصوم أنساه أنه صائم فأطعمه وسقاه تنبيها له أن حقيقة الصمدانية ليست لك غيرة إلهية أن يدخل معه فيما هو له بضرب من الاشتراك فلما لم يكن للعبد في ذلك قصد ولا انتهك به حرمة المكلف سقط عنه القضاء والكفارة والجماع قد عرفت معناه في فصل من جامع ومن قال عليه القضاء دون الكفارة قال : يشهد بالصمدية لله دون نفسه في حال قيامها به فيكون موصوفا بها مثل قوله : وما رميت إذ رميت فنفى وأثبت ومن قال : عليه القضاء والكفارة قال : النسيان هو الترك ، والصوم ترك ، وترك الترك وجود نقيض الترك كما أن عدم العدم وجود ومن هذه حاله فلم يقم به الترك الذي هو الصوم فما امتثل ما كلف به فلا فرق بينه وبين المتعمد فوجب عليه القضاء والكفارة والاعتبار قد تقدم في ذلك وأنه ليس في الحديث أن ذلك الأعرابي كان ذاكر الصوم حين جامع أهله ولا غير ذاكر ولا استفصله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هل كان ذاكر الصوم أو غير ذاكر ؟ وقد اجتمعا في التعمد للجماع فوجب على الناسي بما وجب على الذاكر لصوم ولا سيما في الاعتبار فإن الطريق يقتضي المؤاخذة بالنسيان لأنه طريق الحضور والنسيان فيه غريب .

(فصل)

في الكفارة على المرأة إذا طاوعته فيما إذا أراد منها الجماع فمن قائل عليها الكفارة ومن قائل لا كفارة عليها وبه أقول فإنه -صلى الله عليه وسلم- في حديث الأعرابي ما ذكر المرأة ولا تعرض إليها ولا سأل عن ذلك ولا ينبغي لنا أن نشرع ما لم يأذن به الله .

الاعتبار النفس قابلة للفجور والتقوى بذاتها فهي بحكم غيرها بالذات فلا تقدر تنفصل عن التحكم فيها فلا عقوبة عليها والهوى والعقل هما المتحكمان فيها فالعقل يدعوها إلى النجاة والهوى يدعوها إلى النار فمن رأى أنه لا حكم لها فيما دعت إليه قال : لا كفارة عليها ومن رأى أن التخيير لها في القبول وإن حكم كل واحد منهما ما ظهر له حكم إلا بقبولها إذا كان لها المنع مما دعيت إليه والقبول فلما رجحت أثيبت إن خيرا فخير وإن شرا فشر فقيل عليها الكفارة .

(فصل)

هل يجب عليه الإطعام إذا أيسر وكان معسرا في وقت الوجوب ؟ فمن قائل لا شيء عليه وبه أقول ومن قائل يكفر إذا أيسر .

الاعتبار المسلوب الأفعال مشاهدة وكشفا معسر لا شيء له فلا يلزمه شيء فإن حجب عن هذا الشهود وأثبت ذلك من طريق العلم بعد الشهود كمتخيل المحسوس بعد ما قد أدركه بالحس فإن الأحكام الشرعية تلزمه بلا شك ولا يمتنع الحكم في حقه بوجود العلم ويمتنع بوجود المشاهدة فإنه يشاهد الحق محركا له ومسكنا وكذلك إن كان مقامه أعلى من هذا وهو أن يكون الحق سمعه وبصره على الكشف والشهود فمنا من قال حكمه حكم صاحب العلم ومنا من ألحقه بمشاهدة الأفعال منه تعالى فلا يلزمه الحكم كما لا يلزمه هناك وفي كل واحد من هذه المراتب يلزمه الحكم من وجه وينتفي عنه من وجه .

التالي السابق


الخدمات العلمية