إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
والأغلب أنها في أوتارها وأشبه الأوتار ليلة إحدى وثلاث وخمس وسبع .


(والأغلب أنها) أي ليلة القدر (في أوتارها) أي العشر الأواخر (وأشبه الأوتار ليلة إحدى وثلاث وخمس وسبع) ولنحك الخلاف في هذه المسألة :

فأحدها : أنها في السنة كلها وهو محكي عن ابن مسعود وتابعه أبو حنيفة وصاحباه والذي في كتب أصحابنا عن أبي حنيفة أنها في رمضان ولا يدرى أية ليلة هي وقد تتقدم وقد تتأخر وعندهما كذلك إلا أنها معينة لا تتقدم ولا تتأخر هكذا النقل عنهم في المنظومة والشرح والذي في فتاوى قاضيخان وفي المشهور عنه أنها تدور في السنة تكون في رمضان وفي غيره فجعل ذلك رواية وثمرة الاختلاف فيمن قال أنت حر أو أنت طالق ليلة القدر فإن قاله قبل دخول رمضان عتق وطلقت إذا انسلخ وإن قال بعد ليلة منه فصاعدا لم يعتق حتى ينسلخ رمضان العام القابل عنده وعندهما إذا جاء مثل تلك الليلة من رمضان الآتي وأجاب أبو حنيفة عن الأدلة المفيدة لكونها في العشر الأواخر بأن المراد في ذلك الرمضان الذي كان -عليه السلام- التمسها فيه والسياقات تدل عليها لمن تأمل طرق الأحاديث وألفاظها كقوله : إن الذي تطلب أمامك وإنما كان يطلب ليلة القدر من تلك السنة وغير ذلك مما يطلع عليه الاستقراء والله أعلم .

القول الثاني : أنها في شهر رمضان كله وهو محكي عن ابن عمر وطائفة من الصحابة وفي سنن أبي داود عن ابن عمر قال : "سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ليلة القدر وأنا أسمع قال : هي في كل رمضان " قال أبو داود وروي موقوفا عليه وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن هو البصري قال : ليلة القدر في كل رمضان ، قال المحاملي : في التجريد مذهب الشافعي أن ليلة القدر تلتمس في جميع شهر رمضان وآكده العشر الأواخر وآكده ليالي الوتر من العشر الأواخر .أهـ والمشهور من مذهب الشافعي اختصاصها بالعشر الأواخر كما سيأتي .

الثالث : أنها أول ليلة من شهر رمضان وهو محكي عن أبي رزين العقيلي أحد الصحابة .

الرابع : أنها في العشر الأوسط والأواخر حكاه القاضي عياض وغيره .

الخامس : أنها في العشر الأواخر فقط ويدل له قوله -صلى الله عليه وسلم- : "التمسوها في العشر الأواخر " وبهذا قال جمهور العلماء .

السادس : أنها تختص بأوتار العشر الأخير وعليه يدل حديث عبادة بن الصامت في مسند أحمد والمعجم الكبير للطبراني : "أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ليلة القدر فقال : في رمضان فالتمسوها في العشر الأواخر فإنها في وتر من إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين أو في آخر ليلة فمن قامها ابتغاءها ثم وفقت له غفر له ما تقدم من ذنبه " ، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وهو حسن الحديث إن قلت : قوله : أو آخر ليلة مشكل لأنها ليست وترا إن كان الشهر كاملا وقد قال أولا فإنها في وتر وإن كان ناقصا فهي ليلة تسع وعشرين فلا معنى لعطفها عليها ؟ فالجواب : أن قوله أو في آخر ليلة معطوف على قوله : فإنها في وتر لا على قوله : أو تسع وعشرين فليس تفسيرا للوتر بل معطوفا عليه .

السابع : أنها تختص بأشفاعه لحديث أبي سعيد في الصحيح : "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان والتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة فقيل له : يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا قال : أجل نحن أحق بذلك منكم " .

فإن قلت : ما التاسعة والسابعة والخامسة ؟ قال : إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتان وعشرون وهي التاسعة فإذا مضت ثلاثة وعشرون فالتي تليها السابعة فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة .

الثامن : أنها ليلة سبع عشرة وهو محكي عن زيد بن أرقم وابن مسعود أيضا والحسن البصري ففي معجم الطبراني وغيره عن زيد بن أرقم قال ما أشك وما أمتري أنها ليلة سبع عشرة أنزل القرآن ويوم التقى الجمعان .

التاسع : أنها ليلة تسع عشرة وهو محكي عن علي بن أبي طالب وابن مسعود أيضا .

العاشر : أنها تطلب في ليلة سبع عشرة وإحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين حكي ذلك عن علي وابن مسعود أيضا .

الحادي عشر : أنها ليلة إحدى وعشرين ويدل له حديث أبي سعيد الثابت في الصحيح الذي يقول فيه : وإني أريتها ليلة وتر وإني أسجد فيه صبيحتها في ماء وطين فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء فوكف المسجد فأبصرت [ ص: 235 ] الطين والماء فخرج حين فرغ من صلاته وجبينه وأرنبة أنفه فيها الطين والماء وإذا هي إحدى ليلة وعشرين من العشر الأواخر .

الثاني عشر : أنها ليلة ثلاث وعشرين وهو قول جمع كثير من الصحابة وغيرهم ويدل له ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أنس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبيحتها أسجد في ماء وطين " قال : فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه .

الثالث عشر : أنها ليلة أربع وعشرين وهو محكي عن بلال وابن عباس والحسن وقتادة وفي صحيح البخاري عن ابن عباس موقوفا عليه : "التمسوا ليلة القدر في أربع وعشرين " ذكره عقب حديثه في العشر في سبع تمضين أو سبع تبقين وظاهره أنه تفسير للحديث فيكون عمدة وفي مسند أحمد عن بلال أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : "ليلة القدر ليلة أربع وعشرين " .

الرابع عشر : أنها ليلة خمس وعشرين حكاه ابن العربي في شرح الترمذي وقال : في ذلك أثر .

الخامس عشر : أنها ليلة ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين وهو محكي عن ابن عباس ويدل له ما في صحيح البخاري عنه مرفوعا : "هي في العشر في سبع تمضين أو سبع تبقين يعني ليلة القدر " .

السادس عشر : أنها ليلة سبع وعشرين وبه قال جمع كثير من الصحابة وغيرهم وكان أبي بن كعب يحلف عليه وفي مصنف ابن أبي شيبة عن زر بن حبيش كان عمر وحذيفة وأناس من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يشكون فيها أنها ليلة سبع وعشرين وحكاه الشاشي في الحلية وأكثر العلماء وقال النووي في شرح المهذب : أنه مخالف لنقل الجمهور وقد وردت أحاديث صريحة في أنها ليلة سبع وعشرين ففي سنن أبي داود عن معاوية مرفوعا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين وفي مسند أحمد عن ابن عمر مرفوعا : "من كان متحريها فليتحر ليلة تسع وعشرين " واستدل ابن عباس على ذلك بأن الله تعالى خلق السموات سبعا والأرضين سبعا والأيام سبعة وأن الإنسان خلق من سبع وجعل رزقه في سبع ويسجد على سبعة أعضاء والطواف سبع والجمار سبع واستحسن ذلك عمر بن الخطاب كما في الحلية لأبي نعيم واستدل بعضهم على ذلك بأن عدد كلمات السورة إلى قوله : هي سبع وعشرون وفيه إشارة إلى ذلك وحكي ذلك عن ابن عباس نفسه حكاه عنه ابن العربي وابن قدامة وقال ابن عطية في تفسيره بعد نقل ذلك ونظيرين له : "وهذا من ملح التفسير وليس من متين العلم " وحكاه ابن حزم عن ابن بكير المالكي وبالغ في إنكاره وقال : إنه من طرائف الوسواس ولو لم يكن فيه أكثر من دعواه أنه وقف على ما غاب من ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . أهـ .

السابع عشر : أنها ليلة تسع وعشرين حكاه ابن العربي .

الثامن عشر : أنها آخر ليلة حكاه القاضي عياض وغيره ويتداخل هذا القول مع الذي قبله إذا كان الشهر ناقصا وروى محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة من حديث معاوية مرفوعا : "التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان " وفيه أقوال أخر أعرضت عن ذكرها أوردها الولي العراقي في شرح التقريب ثلاثة وثلاثين قولا وهذا كله تفريع على أنها تلزم ليلة بعينها كما هو مذهب الشافعي وغيره وبه قال ابن حزم والصحيح من مذهب الشافعي أنها تختص بالعشر الأخير وأنها في الأوتار أرجى منها في الأشفاع وأرجاها ليلة الحادي والعشرين والثالث والعشرين وحكى الترمذي في جامعه عن الشافعي أنه قال في اختلاف الأحاديث في ذلك كان هذا عندي والله أعلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجيب على نحو ما يسأل عنه يقال له : نلتمسها في ليلة كذا ؟ فيقول : التمسوها في ليلة كذا قال الشافعي : وأقوى الروايات عندي فيها ليلة إحدى وعشرين وحكى البيهقي في المعرفة عن الشافعي في القديم أنه قال : وكأني رأيت والله أعلم أقوى الأحاديث فيه ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين . أهـ . وذهب جماعة من العلماء أنها تنتقل فتكون سنة في ليلة وسنة في ليلة أخرى وهكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي قلابة وهو قول مالك وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وغيرهم وعزاه ابن عبد البر في الاستذكار للشافعي ولا نعرفه عنه ولكن قال به من أصحابه المزني وابن خزيمة وهو المختار عند النووي وغيره استحسنه ابن دقيق العيد للجمع [ ص: 236 ] بين الأحاديث الواردة في ذلك فإنها اختلفت اختلافا لا يمكن معه الجمع بينها إلا بذلك ، وإذا فرعنا على انتقالها : فعليه أقوال : أحدها : أنها تنتقل فتكون إما ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين أو الخامس والعشرين .

الثاني : أنها في ليلة الخامس والعشرين أو السابع والعشرين أو التاسع والعشرين وكلاهما في مذهب مالك قال ابن الحاجب وقول من قال من العلماء أنها في جميع العشر الأواخر أو في جميع الشهر ضعيف .

الثالث : أنها تنتقل في العشر الأواخر وهذا قول من قال بانتقالها من الشافعية .

الرابع : أنها تنتقل في جميع الشهر وهو مقتضى كلام الحنابلة قال ابن قدامة في المغني يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان وفي العشر الأواخر آكد وفي ليالي الوتر منه آكد ثم حكى قول أحمد : هي في العشر الأواخر في وتر من الليالي لا تخطئ إن شاء الله تعالى ومقتضاه اختصاصها بأوتار العشر الأخير فإذا انضم إليه القول بانتقالها صار هذا قولا خامسا على الانتقال فتضم هذه الأقوال الخمسة لما تقدم .

وقال ابن العربي بعد حكايته ثلاثة عشر قولا مما حكيناه : الصحيح منها أنها لا تعلم . أهـ . وهو معنى قول أهل العلم أخفى الله تعالى هذه الليلة على عباده لئلا يتكلوا على فضلها ويقصروا في غيرها فأراد منهم الجد في العمل أبدا . أهـ . وهذا يحسن أن يكون قولا مستقلا وهو الكف عن الخوض فيها وأنه لا سبيل إلى معرفتها ، وقال ابن حزم : هي في العشر الآخر في ليلة واحدة بعينها لا تنتقل أبدا إلا أنه لا يدرى أي ليلة هي منه إلا أنها في وتر منه ولا بد فإن كان الشهر تسعا وعشرين فأول العشر الأواخر ليلة عشرين منه فهي إما ليلة عشرين وإما ليلة اثنين وعشرين وإما ليلة أربع وعشرين وإما ليلة ست وعشرين وإما ليلة ثمان وعشرين لأن هذه الأوتار من العشر وإن كان الشهر ثلاثين فأول العشر الأواخر ليلة إحدى وعشرين فهي إما ليلة إحدى وعشرين وإما ليلة ثلاث وعشرين وإما ليلة خمس وعشرين وإما ليلة سبع وعشرين وإما ليلة تسع وعشرين لأن هذه أوتار العشر بلا شك ثم ذكر كلام أبي سعيد المتقدم وحمله على أن رمضان كان تسعا وعشرين وهو مسلك غريب بعيد .

(فصل)

وفي كتاب الشريعة للشيخ الأكبر قدس سره : اعلم أن القائمين في رمضان في قيامهم على خاطرين منهم القائم لرمضان ومنهم القائم لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر والناس فيها على خلاف فمنهم من قال : إنها في السنة كلها تدور وبه أقوال رأيتها مرتين في شعبان في ليلة النصف سنة وفي ليلة تسعة عشر منه بالبيت المقدس كما أني قد رأيتها في ليلتين في العشر الأوسط من شهر رمضان في ليلة ثلاثة عشر وفي ليلة ثمانية عشر فما ندري لشيء كان في رؤية الهلال فوقع الأمر على خلاف الرؤية أم تكون أيضا في ليلة سبع من الشهر وقد رأيتها في كل وتر من العشر الأخير من شهر رمضان فأنا على يقين من أنها في السنة تدور وهي في رمضان أكثر وقوعا على ما رأيت والله أعلم .

واعلم أن ليلة القدر إذا صادفها العبد هي خير له فيما ينعم الله به عليه من ألف شهر إن لو لم يكن إلا واحدة في ألف شهر فكيف وهي كل سنة هذا معنى غريب لم يطرق أسماعكم إلا في هذا النص ثم يتضمن معنى آخر وهو أنها خير من ألف شهر من غير تحديد وإذا كان الزائد على ألف شهر غير محدود فلا يدرى حيث ينتهي فيما جعل الله أنها تقاوم ألف شهر بل جعلها خيرا من ذلك أي : أفضل من غير توقيت فإذا نالها عبد كان كمن عاش في عبادة ربه أكثر من ألف شهر من غير توقيت كمن يتعدى العمر الطبيعي إذا وقع فيه وقع في العمر المجهول وإن كان لا بد له من الموت ولكن لا يدرى هل تقدمه العمر الطبيعي لنفس واحد أو بالألف سنين فهكذا ليلة القدر إذا لم تكن محصورة كما قدمنا واعلم أن ليلة القدر هي ليلة يفرق فيها كل أمر حكيم فينزل الأمر إليها علينا واحدة ثم يفرق فيها بحسب ما يعطيه من التفاصيل فهي ليلة مقادير الأشياء والمقادير ما تطلب سوانا فلهذا أمرنا بطلب ليلة القدر لنستقبلها كما نستقبل المسافر إذا جاء من سفره فلا بد له من هدية لأهله الذين يستقبلونه فإذا استقبلوه دفع إليهم ما كان قد استعده من تلك المقادير فمنهم من [ ص: 237 ] يكون هديته لقاء ربه ومنهم من يكون هديته التوفيق الإلهي والاعتصام وكل على حسب ما أراد المقدر أن يهبه ويعطيه لا تحجير عليه في ذلك وعلامتها محق الأنوار بنورها جعلها دائرة في الشهور حتى يأخذ كل شهر منها قسطه كما جعل رمضان يدور في الشهور الشمسية حتى يأخذ كل شهر من الشهور الشمسية فضيلة شهر رمضان فيعم فضل رمضان فصول السنة وكذلك الحج وكذلك الزكاة فإن حولها ليس بمعين إنما هو من وقت حصول المال عنده فما من يوم في السنة إلا وهو رأس حول لصاحب مال فلا تنفك السنة إلا وأيامها كلها محل للزكاة وهي الطهارة والبركة فالناس كلهم في بركة زكاة كل يوم من زكى فيه ومن لم يزك وإنما محي نور الشمس في صبيحة ليلتها إعلاما بأن الليل زمان إتيانها والنهار زمان ظهور أحكامها فلهذا تستقبل ليلا تعظيما لها حيث استقبلت لذاتها ولهذا قال : هي حتى مطلع الفجر أي إلى مطلع الفجر فذلك القدر الذي يتميز به حد الليل من النهار بالفجر الطالع ما هو ذلك الفجر إلا من نور الشمس ظهر في جرم القمر فلو كان نور القمر من ذاته لكان له شعاع كما هو الشمس ولما كان مستعارا من الشمس لم يكن له شعاع كذلك الشمس لها من نور ذاتها شعاع فإذا محت ليلة القدر شعاع الشمس بقيت الشمس كالقمر لها ضوء في الموجودات من غير شعاع مع وجود الضوء فذلك الضوء نور ليلة القدر حتى تعلو قدر رمح أو أقل من ذلك فحينئذ يرجع إليها نورها فترى الشمس تطلع في صبيحة ليلة القدر كأنها طاس ليس لها شعاع مع وجود الضوء مثل طلوع القمر لا شعاع له .

ثم جعلها -صلى الله عليه وسلم- في الوتر من الليالي دون الشفع لأنه انفرد بها الليل دون النهار فإنه وتر من اليوم واليوم شفع فإنه ليل ونهار ولمعنى آخر أيضا وهو أن الطلب إذا كان في ليالي وتر الشهر كان الوتر شاهدا لهذا العبد لما تعطيه هذه الليلة من البركات والخير وهو في وتر من الزمان المذكر له وترية الحق فيضيف ذلك الخير إلى الله لا إلى الليلة وإن كانت سببا في حصوله ولكن عين شهود الوتر يحفظه من نسبة الخير لغير الله مع ثبوت السبب عنده فلو كانت في ليلة شفع وهي سبب لم يكن لهذا العبد من يذكره تذكير حال في وقت التماسه إياها أو في شهوده إياها إذا عثر عليها فكان محصلا للخير من يد غير أهله فيكون صاحب جهل وحجاب في أخذ ذلك الخير فما كان يقاوم ما حصل له فيها من الخير ما حصل له من الحرمان والجهل بحجابه عن معطي الخير فلهذا أيضا جعلت في أوتار الليالي فاعلم وجعلت في العشر الأواخر لأنها نور والنور شهادة وظهور فهو بمنزلة النهار إذ سمي النهار لاتساع النور فيه والنهار متأخر عن الليل لأنه مسلوخ منه والعشر الأخر متأخر عن العشر الوسط والأول فكان ظهورها والتماسها في المناسب الأقرب أقوى من التماسها في المناسب الأبعد وما رأيت أحدا رآها في العشر الأول ولا نقل إلينا إنما تقع في العشر الأوسط والآخر خرج مسلم عن أبي سعيد قال : اعتكف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر وكذلك التجلي الإلهي ما ورد قط في خبر نبوي صحيح ولا سقيم أن الله يتجلى في الثلث الأول من الليل وقد ورد أنه يتجلى في الثلث الأوسط والآخر من الليل ولم يكن في الثلث الأول .

التالي السابق


الخدمات العلمية