إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وقال الأوزاعي إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع .

وروى مكحول عن عبد الرحمن بن غنم أنه قال حدثني عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا كنا ندرس العلم في مسجد قباء إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن يأجركم الله حتى تعملوا .

وقال عيسى عليه السلام : مثل الذي يتعلم العلم ولا يعمل به كمثل امرأة زنت في السر ، فحملت فظهر حملها فافتضحت فكذلك من لا يعمل بعلمه يفضحه الله تعالى يوم القيامة على رءوس الأشهاد .

وقال معاذ رحمه الله احذروا زلة العالم لأن قدره عند الخلق عظيم فيتبعونه على زلته .

وقال عمر رضي الله عنه : إذا زل العالم زل بزلته عالم من الخلق وقال عمر رضي الله عنه ثلاث بهن ينهدم الزمان إحداهن زلة العالم .

وقال ابن مسعود سيأتي على الناس زمان تملح فيه عذوبة القلوب فلا ينتفع بالعلم يومئذ عالمه ولا متعلمه فتكون قلوب علمائهم مثل السباخ من ذوات الملح ينزل عليها قطر السماء ، فلا يوجد لها عذوبة وذلك إذا مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا وإيثارها على الآخرة فعند ذلك يسلبها الله تعالى ينابيع الحكمة ويطفئ ، مصابيح الهدى من قلوبهم فيخبرك عالمهم حين تلقاه أنه يخشى الله بلسانه والفجور ظاهر في عمله فما أخصب الألسن يومئذ وما أجدب القلوب فوالله الذي لا إله إلا هو ما ذلك إلا لأن المعلمين علموا لغير الله تعالى والمتعلمين تعلموا لغير الله تعالى .

وفي التوراة والإنجيل مكتوب لا تطلبوا علم ما لم تعلموا ، حتى تعملوا بما علمتم .

وقال حذيفة رضي الله عنه إنكم في زمان من ترك فيه عشر ما يعلم ، هلك وسيأتي زمان من عمل فيه بعشر ما يعلم نجا وذلك لكثرة البطالين .


( وقال) أبو عمرو ( الأوزاعي) رحمه الله تعالى ( إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع) نقله صاحب القوت ( وروى) أبو عبد الله ( مكحول) الشامي فقيه ثقة كثير الإرسال مات سنة بضع عشرة ومائة ( عن عبد الرحمن بن غنم) بن كريب بن هانئ بن ربيعة الأشعري ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعية أهل الشام وذكره ابن حبان في ثقات التابعين قيل له صحبة ولم تثبت، وقال ابن عبد البر: كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره ولازم معاذ بن جبل إلى أن مات وكان أفقه أهل الشام، مات سنة ثمان وسبعين روى عن جماعة من الصحابة يأتي ذكرهم قريبا، وروى عنه ابنه وعطية بن قيس ومالك بن أبي مريم وأبو سلام الأسود ومكحول وشهر بن حوشب ورجاء بن حيوة وعبادة بن نسي وصفوان بن سليم وجماعة ( أنه قال حدثني عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) الذين سمع منهم من الصحابة عمر وعثمان وعلي وأبو ذر ومعاذ وأبو عبيدة بن الجراح، وأنس بن مالك الأشعري وأبو موسى الأشعري، وأبو هريرة وعمرو بن خارجة وشداد بن أوس وعبادة بن الصامت وثوبان ومعاوية جملتهم أربعة عشر نفسا ( أنا كنا ندرس العلم في مسجد قباء إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن يأجركم الله عز وجل حتى تعملوا) قال العراقي: ذكره ابن عبد البر في بيان العلم هكذا من غير أن يصل إسناده، وقد روى من حديث معاذ وابن عمر وأنس.

أما حديث معاذ فرواه الخطيب في كتاب الاقتضاء من رواية عثمان بن عبد الرحمن الجمحي عن يزيد بن يزيد بن جابر عن أبيه عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله، وأخرجه أيضا من رواية بكر بن خنيس عن حمزة النصيبي عن يزيد بن يزيد بلفظ: فلن ينفعكم مكان يأجركم وهكذا رواه ابن عدي في الكامل وأبو نعيم في الحلية ثم قال: وقد رواه الدارمي في مسنده وابن المبارك في الزهد والرقائق موقوفا على معاذ بإسناد صحيح اهـ .

قلت: الذي في الحلية حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا علي بن إسحاق حدثنا الحسين بن الحسن حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن يزيد بن يزيد بن جابر قال: قال معاذ قال: اعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن يأجركم الله بعلم حتى تعملوا قال الشيخ رفعه حمزة النصيبي عن ابن جابر عن أبيه عن معاذ ثم ساق [ ص: 374 ] سنده إليه كسياق الخطيب ثم قال العراقي: وأما حديث ابن عمر فرواه الدارقطني في غرائب مالك ومن طريقه الخطيب في أسماء الرواة عن مالك بسند فيه محمد بن روح وهو ضعيف ولا يصح هذا عن مالك وأما حديث أنس فروي عنه مرفوعا وموقوفا رواه ابن عبد البر في العلم من رواية عباد بن عبد الصمد عن أنس موقوفا قال: وهو أولى من رواية من رواه مرفوعا قال وعباد متفق على تركه اهـ .

قلت: وقد أخرج ابن عساكر في التاريخ عن أبي الدرداء أشار له السيوطي وسياقه كسياق الخطيب ورواه الحسن ابن الأخرم المديني في أماليه عن أنس أشار له السيوطي وسياقه كسياق الخطيب وأخرج الخطيب في الاقتضاء من طريق وكيع عن جعفر بن برقان عن فرات بن سليمان عن أبي الدرداء قال: إنك لن تكون عالما حتى تكون متعلما ولن تكون متعلما حتى تكون بما علمت عاملا وأخرج من طريق هشام الدستوائي عن برد عن سليمان قاضي عمر بن عبد العزيز قال: قال أبو الدرداء لا تكون عالما حتى تكون متعلما ولا تكون بالعلم عالما حتى تكون به عاملا ( وقال عيسى عليه السلام: مثل الذي يتعلم العلم ولا يعمل به كمثل امرأة زنت في السر، فحملت فظهر حملها فافتضحت فكذلك من لا يعمل بعلمه يفضحه الله تبارك وتعالى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد) ، نقله صاحب القوت ( وقال معاذ) رضي الله عنه: ( احذروا زلة العالم) بكسر اللام; ( لأن قدره عند الخلق عظيم) أي: يهابونه إجلالا ( فيتبعونه على زلته) لمهابته عندهم، وذكر له الطبراني في الأوسط مرفوعا إني أخاف عليكم ثلاثا، وهي كائنات; زلة عالم الحديث كما سيأتي، ومن كلامه رضي الله عنه أيضا وأحذركم زيغة الحكيم; فإن الشيطان يقول علي في الحكيم كلمة الضلالة، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فإن على الحق نورا.

( وقال عمر) بن الخطاب ( رضي الله عنه: إذا زل العالم زل بزلته عالم من الخلق) وبين العالم والعالم جناس، ( وقال) أيضا ( ثلاث) خصال ( بهن يهدم الإسلام) ، فذكرهن وقال: ( إحداهن زلة العالم) وهي أشدهن، لأنه يقتدى به في الحلال والحرام، وقد جاء ذكر هذه الثلاثة في حديث معاذ: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تفتح عليكم كما سيأتي قريبا، ومثله في حديث أبي الدرداء ولكن فيه الثالث التكذيب بالقدر وسيأتي أيضا .

( وقال) أبو عبد الرحمن عبد الله ( بن مسعود) بن غافل بن حبيب الهذلي رضي الله عنه من السابقين الأولين، صاحب علوم، وأمره عمر على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثمانين، أو في التي بعدها بالمدينة ( سيأتي على الناس زمان تملح فيه عذوبة القلوب) أي: تنقلب حلاوة القلوب التي هي ثمرة الإيمان الكامل مرارة وملوحة ( فلا ينتفع يومئذ بالعلم عالمه ولا متعلمه) ، وإذا لم ينتفع ( فتكون قلوب علمائهم) إذ ذاك ( مثل السباخ) جمع سبخة، وهي الأرض المالحة ( من ذوات الملح ينزل عليها قطر السماء، فلا توجد لها عذوبة) ، وفي نسخة له فكذلك إذا صادف القلوب التي نزعت منها حلاوة الإيمان ثم بين ذلك بقوله: ( وذلك إذا مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا) أي: والجاه والرياسة ( وإيثارها على الآخرة فعند ذلك يسلبها الله ينابيع الحكمة، وتطفأ مصابيح الهدى من قلوبهم) أي: فلا يكاد يصدر منهم الإرشاد حينئذ ( فيخبرك عالمهم حين تلقاه أنه يخشى الله) يقول ذلك ( بلسانه والفجور) هو خرق ستر الديانة ( بين) أي: ظاهر ( في عمله فما أخصب الألسن يومئذ) وأرطبها بالفصاحة وكثرة الكلام، ( وأجدب القلوب) وأيبسها ( فوالله الذي لا إله إلا هو ما ذلك إلا لأن المعلمين علموا) العلم ( لغير الله والمتعلمين تعلموا لغير الله) ، فحل بهم ما حل وكأنه رضي الله عنه، نطق بما هو واقع الآن بل، وقبلنا بكثير فلا حول ولا قوة إلا بالله .

وأخرج أبو نعيم في الحلية من رواية إبراهيم النخعي، عن عبد الله بن مسعود رفعه كيف أنتم إذا التبستكم فتنة فتتخذ سنة يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، وإذا ترك منها شيء قيل تركت سنة قالوا متى ذلك يا رسول الله قال: إذا كثر قراؤكم، وقلت علماؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الله قال عبد الله فأصبحتم فيها قال الشيخ: كذا [ ص: 375 ] روي مرفوعا، والمشهور من قول عبد الله: موقوف، ( وفي الإنجيل مكتوب لا تطلبوا علم ما لم تعلموا، حتى تعملوا بما علمتم) هكذا أورده صاحب القوت وأخرج أبو نعيم في ترجمة محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس قال: رقي رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فقال: قال موسى عليه السلام، يا بني إسرائيل ورآهم يبكون فقال: كم تعلمون ولا تعلمون وأنتم لا تعلمون ولا تعلمون.

وأخرج في ترجمة مالك بن دينار بسنده إليه، قال: كنت مولعا بالكتب أنظر فيها فدخلت ديرا من الديارات ليالي الحجاج فأخرجوا كتابا من كتبهم، فنظرت فيه فإذا فيه يا ابن آدم، لم تطلب علم ما لم تعلم وأنت لما تعمل فيما تعلم ( وقال حذيفة رضي الله عنه) ولفظ القوت وروينا عن حذيفة بن اليمان ( إنكم) اليوم ( في زمان من ترك فيه عشر ما يعلم، هلك وسيأتي زمان) ، ولفظ القوت: ويأتي بعدكم زمان ( من عمل فيه) ، ولفظ القوت: من عمل منهم ( بعشر ما يعلم نجا) وقال صاحب القوت في موضع آخر: وفي حديث أبي هريرة، "يأتي على الناس زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا"، وفي بعضها: بعشر ما يعلم، وفي حديث علي: "يأتي على الناس زمان ينكر الحق تسعة أعشار أعشارهم، لا ينجو منه يومئذ إلا كل مؤمن نؤمة، يعني صموتا متغافلا"، وذكر في موضع آخر قال بعض التابعين: "من عمل بعشر ما يعلم علمه الله تعالى ما يجهل، ووفقه فيما يعمل حتى يستوجب الجنة، ومن لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعلم، ولم يوفق فيما يعمل حتى يستوجب النار اهـ .

وأخرج أبو نعيم في ترجمة العلاء بن زياد بسنده إليه، قال: "إنكم في زمان أقلكم الذي ذهب عشر دينه"، وسيأتي عليكم زمان أقلكم الذي يبقى عشر دينه، ( وذلك لكثرة البطالين) هكذا في النسخ، ولفظ القوت: عقيب كلام حذيفة هذا القلة العاملين، وكثرة الطالبين، وقال في موضع آخر: وقال بعض الخلف: "أفضل العلم في آخر الزمان الصمت، وأفضل العلم النوم، يعني لكثرة الناطقين بالشبهات، فصار الصمت للجاهل علما، ولكثرة الغافلين بالشهوات، فصار النوم عبادة البطال، ولعمري إن الصمت والنوم أدنى أحوال العالم، وهما أعلى حال الجاهل .

التالي السابق


الخدمات العلمية