إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
السابع أن يراعي حق الآيات فإذا مر بآية سجدة سجد وكذلك إذا سمع من غيره سجدة سجد إذا سجد التالي ولا يسجد إلا إذا كان على طهارة وفي القرآن أربع عشرة سجدة وفي الحج سجدتان وليس في ص سجدة وأقله أن يسجد بوضع جبهته على الأرض وأكمله أن يكبر فيسجد ، ويدعو في سجوده بما يليق بالآية التي قرأها مثل أن يقرأ قوله تعالى : خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون فيقول : اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك ، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك ، أو على أوليائك وإذا قرأ قوله تعالى : ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا فيقول : اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وكذلك كل سجدة
(السابع أن يراعي حق الآيات فإذا مر بآية سجود سجد) أي في أثناء قراءته سواء كان في صلاته أم لا، (وكذلك إذا سمعها من غيره) ، وهو يتلوها (سجد إذا سجد التالي) لها قال الرافعي: يسن السجود للقارئ والمستمع له سواء القارئ في الصلاة، أم لا، وفي وجه شاذ لا يسجد المستمع لقراءة من في الصلاة، وليس للمستمع إلى قراءة المحدث، والصبي، والكافر على الأصح، وسواء سجد القارئ، أو لم يسجد يسن للمستمع السجود لكنه إذا سجد كان أوكد هذا هو الصحيح الذي قطع به الجمهور .

وقال الصيدلاني: لا يسن له السجود إذا لم يسجد القارئ، واختاره إمام الحرمين، أما الذي لا يستمع، بل يستمع من غير قصد فالصحيح المنصوص أنه يستحب له، ولا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع، ولو أصغى المنفرد بالصلاة لقراءة قارئ في الصلاة، أو غيرها لم يسجد; لأنه ممنوع من الإصغاء فإن سجد بطلت صلاته، والمصلي إماما كالمنفرد في جميع ما ذكرنا، (ولا يسجد إلا إذا كان على طهارة) فلا يسجد إذا كان محدثا، ولا الجنب والحائض (وفي القرآن أربع عشرة سجدة) على الجديد الصحيح .

وقال في القديم إحدى عشرة أسقط سجدات المفصل الثلاث: وهي في الأعراف والرعد والنحل والإسراء ومريم، و (في الحج سجدتان ) ، والفرقان والنمل والم تنزيل، وفصلت والنجم ،وإذا السماء انشقت، (وليس في ص سجدة ) ، أي ليست سجدة ص من عزائم السجود أي: متأكداته، وإنما هي مستحبة، وزاد بعضهم آخر الختم نقله ابن غلام الفرس في أحكامه .

قال الرافعي: ولنا وجه أن السجدات خمس عشرة ضم إليها سجدة ص، وهذا قول ابن سريج، والصحيح المنصوص أنها ليست من عزائم السجود، وإنما هي سجدة شكر فإن سجد فيها خارج الصلاة فحسن، ولوسجد في ص في الصلاة جاهلا، أو ناسيا لم تبطل صلاته، وإن كان عالما بطلت على الأصح، ولو سجد إمامه في ص لكونه يعتقدها لم يتابعه، بل يفارقه، أو ينتظره قائما فإذا انتظره قائما، فهل يسجد للسهو؟ وجهان قال النووي: الأصح لا يسجد، وحكى صاحب البحر وجها أنه يتابع الإمام في سجود ص، والله أعلم .

* اعلم أن سجود التلاوة سنة عند الشافعي ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة وصاحباه واجب وهو في الأعراف والرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والحج والفرقان والنمل و الم تنزيل و ص و حم فصلت والنجم والانشقاق والعلق كذا كتب في مصحف عثمان، وهو المعتمد ولا سجود عند مالك في المفصل أي السبع الأواخر، وهو من الحجرات إلى آخره، وعند الشافعي وأحمد في الحج سجدتان .

كما ذكره المصنف لما روي أنه صلى [ ص: 481 ] الله عليه وسلم قال: فضلت سورة الحج بسجدتين، وحمله أصحابنا على أن الأولى سجدة التلاوة، والثانية سجدة الصلاة بدلالة اقترانها بالركوع، وموضع السجدة في حم فصلت عند قوله: وهم لا يسأمون ، وعند الشافعي عند قوله: إن كنتم إياه تعبدون وهو واجب عندنا على التالي والسامع، ولو غير قاصد ويجب على التراخي، وسواء كان التالي كافرا، أو حائضا، أو جنبا، أو محدثا، أو صبيا عاقلا، أو سكران; لأن النص لم يفصل، ولا يجب على من لا تجب عليه الصلاة كالحائض والنفساء والصبي والمجنون والكافر لا بقرائتهم، ولا بسماعهم; لأنهم ليسوا من أهل الصلاة لا أداء ولا قضاء .

وفي التتمة روى الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة في السكران إذا قرأ آية السجدة لزمته، وكذا في المجنون إذا تلا تلزمه السجدة إذا أفاق قال الفقيه أبو جعفر: هذا إذا لم يكن مطبقا، وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح مشكل الآثار: قد تواترت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسجود في المفصل من طرق كثيرة، عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر وبها نقول وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وأما النظر في ذلك فعلى غير هذا المعنى، وذلك أنا رأينا المتفق عليه منهن عشر سجدات منها الأعراف، وموضع السجود فيها قوله تعالى: إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ، ومنها الرعد وموضع السجود منها عند قوله تعالى: ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ومنها النحل، وموضع السجود منها عند قوله عز وجل ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة إلى قوله: يؤمرون .

ومنها سورة بني إسرائيل، موضع السجود منها عند قوله تعالى: ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ومنها سورة مريم، وموضع السجود منها عند قوله عز وجل إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ، ومنها سورة الحج سجدة في أولها عند قوله تعالى: ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات إلى آخر الآية، ومنها سورة الفرقان، وموضع السجود منها عند قوله تعالى: وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن إلى آخر الآية، ومنها سورة النمل فيها سجدة عند قوله تعالى: فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء إلى آخر الآية، ومنها الم تنزيل فيها سجدة عند قوله عز وجل إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها إلى آخر الآية، ومنها حم تنزيل من الرحمن الرحيم وموضع السجود منها فيه اختلاف، فقال بعضهم: موضعه تعبدون وقال بعضهم: عند قوله وهم لا يسأمون وكان أبو حنيفة، وأبو يوسف ومحمد يذهبون إلى المذهب الأخير .

وقد اختلف المتقدمون في ذلك فروي عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يسجد الآخرة من حم تنزيل وروي مثل ذلك عن أبي وائل، وابن سيرين وقتادة، وروي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كانا يسجدان في الآية الأولى من حم فهذه السجدة مما اتفق عليها، وإنما اختلفوا في موضعها وما ذكر قبلها من السجود في السور الأخر فقد اتفقوا عليها وعلى مواضعها المذكورة، وكان موضع كل سجدة منها فهو موضع إخبار ، وليس بموضع أمر وقد رأينا السجود في مواضع أمر كقوله عز وجل يا مريم اقنتي لربك واسجدي وقوله تعالى: وكن من الساجدين فكل قد اتفق أن لا سجود فيها فالنظر على ذلك أن يكون كل موضع منها اختلف فيه، هل فيه سجود أم لا؟ ينظر فيه فإن كان موضع أمر فإنما هو تعليم فلا سجود فيه .

وكل موضع فيه خبر عن السجود فهو موضع سجود التلاوة فكان الموضع الذي قد اختلف فيه من سورة النجم، فقال بعضهم: هو سجدة تلاوة، وقال الآخرون: لا، هو قوله عز وجل فاسجدوا لله واعبدوا فذلك أمر وليس بخبر فكان النظر على ما ذكرنا أن لا يكون موضع سجود التلاوة، وكان الموضع الذي اختلف فيه أيضا من سورة العلق هو قوله تعالى: كلا لا تطعه واسجد واقترب فذلك أمر وليس بخبر فالنظر على ما ذكرنا أن لا يكون موضع سجود تلاوة، وكان الموضع الذي اختلف فيه من إذا السماء انشقت قوله تعالى: وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون فذلك موضع إخبار لا موضع أمر فالنظر على ما ذكرنا أن يكون موضع سجود التلاوة فيكون كل شيء من السجود يرد إلى ما ذكرنا، وكان يجب على ذلك أن يكون موضع السجود من حم هو [ ص: 482 ] الموضع الذي ذهب إليه ابن عباس; لأنه عند خبر وهو قوله تعالى: وهم لا يسأمون ، لا كما ذهب إليه من خالف; لأن أولئك جعلوا السجدة عند أمر، وهو قوله تعالى: واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ، فكان ذلك موضع أمر .

وقد ذكرنا أن النظر يوجب أن يكون السجود في مواضع الخبر لا في مواضع الأمر، وكان يجيء على ذلك أن لا يكون في سورة الحج غير سجدة واحدة; لأن الثانية المختلف فيها أيضا موضعها في قول من يجعلها سجدة موضع أمر، وهو قوله تعالى: اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم فلو خلينا والنظر لكان القول في سجود التلاوة أن ننظر فما كان فيه موضع أمر لم نجعل فيه سجودا، وما كان فيه موضع خبر جعلنا فيه سجودا، ولكن اتباع قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى .

وقد اختلف في سورة ص، فقال: قوم فيها سجدة، وقال آخرون: ليس فيها سجدة فكان النظر عندنا في ذلك أن يكون فيها سجدة; لأن موضعها خبر لا موضع أمر، وهو قوله عز وجل فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فذلك خبر فالنظر أن يرد حكمه إلى حكم أشكاله من الأخبار فتكون فيه سجدة، وقد روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أبي سعيد أنه سجد في ص، وعن ابن عباس نحوه فبهذا نأخذ اتباعا لما قد روي فيها، ثم لما قد أوجبه النظر ونرى أن السجود في المفصل في النجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك لما قد ثبتت به الرواية في السجود في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونرى أن لا سجود في آخر الحج لما قد نفاه ما ذكرنا من النظر; ولأنه موضع التعليم لا موضع خبر، ومواضع التعليم لا سجود فيها للتلاوة .

وقد اختلف في ذلك المتقدمون فروي من طريق عبد الله بن ثعلبة، قال: صلى بنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الصبح فقرأ بالحج، وسجد فيها سجدتين، وكذلك روي عن أبي موسى الأشعري وابن عمر وأبي الدرداء مثله، وروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال في سجود الحج: الأول عزيمة، والآخرة تعليم، قال: فبقول ابن عباس نأخذ، وجميع ما ذهبنا إليه في هذا الباب هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى، (وأقل السجود أن يسجد فيضع جبهته على الأرض ) من غير تكبير ولا دعاء، (وأكمله أن يكبر فيسجد، ويدعو في سجوده بما يليق بالآية التي قرأها مثل أن يقرأ قوله تعالى: خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون فيقول: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك، أو على أوليائك) فهذه المعاني هي اللائقة بالآية المذكورة، وفيها تضمين لما ذكر فيها .

(وإذا قرأ قوله تعالى: ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا فيقول: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك و) يفعل (كذلك في كل سجدة) ، يستخرج الدعاء من معاني تلك الآيات، وما يناسب للسياق والحال، وقال أصحابنا: أقل الدعاء أن يقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا وأكمله أن يقول سجدت للرحمن فاغفر لي يا رحمن .

(فصل)

قد عقد الحكيم الترمذي في نوادر الأصول فصلا في سجدات القرآن، وما لكل منها من الأدعية الخاصة فلا بأس أن نتم بذكر كلامه تكثيرا للفوائد فأقول: أخبرني بكتاب نوادر الأصول شيخي أبو عبد الله محمد بن الطيب الفاسي إجازة عن أبيه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبي مهدي عيسى بن محمد الجعفري سماعا وقراءة، أخبرنا علي بن محمد الأجهوري سماعا وإجازة عن الجمال يوسف بن زكريا، عن أبيه، عن الحافظ أبي الفضل العسقلاني بإجازته مشافهة، عن ابن أبي المجد الخطيب، عن سليمان بن حمزة، عن عيسى بن عبد العزيز، عن أبي سعد السمعاني، عن أبي الفضل محمد بن علي بن سعيد المطهر أخبرنا أبو إسحاق محمد بن إبراهيم بن محمد البرقي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو نصر أحمد بن أحيد البيكندي، أخبرنا الحكيم محمد بن علي الترمذي قال: فصل، ما يقرأ به في السجود، قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود، وعائشة رضي الله عنهما أدعية بروايات مختلفة، وألفاظ متنوعة .

فما روي عن ابن مسعود رفعه أنه كان إذا سجد يقول: سجد لك سوادي، وخيالي، وآمن بك فؤادي أبوء [ ص: 483 ] بنعمتك علي وأبوء بذنبي هذا ما جنيت على نفسي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا أنت، وعن عائشة رفعته أنه كان يقول في سجود القرآن بالليل مرارا: سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، وعنها أيضا أنه كان يقول دائما في سجوده: أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك جل وجهك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت يا عظيم.

وعنها أيضا كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله ودقه وجله، أوله وآخره، سره وعلانيته، قال الشيخ: فهذا ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نعلم أنه وقت شيئا في ذلك فهذه الأشياء التي ذكرتها كلمات نطق بها يريد أن يخرجها إلى ربه من الأجداث فكان ينطق بما يتراءى له في وقته، وبذلك يناجي ربه، ثم لمن بعده من الصحابة والتابعين مقالات في سجداتهم، وأما ما تراءى لنا في كل سجدة من سجود القرآن فهو ما ذكرنا ههنا .

سجدة الأعراف: طابت لهم منازل القربة عندك فتطهروا عن الاستكبار، وأذعنوا لك خضوعا بما عاينوا من عظيم كبريائك، وعزيز جبروتك من الملكوت فتلقوا عظمتك، واستكانوا بالسجود لك خشوعا هؤلاء بديع كلماتك، ونحن ولد بديع فطرتك، وصنع يدك وأمة حبيبك الممدوحين في التوراة، والموصوفين في الإنجيل بما منحتنا من منتك وفضلك، وأهديت إلى المجتبين منا هداياك وكراماتك رأفة سجدنا لك بحظنا من رأفتك، ورحمتك وألقينا بأيدينا سلما نرجو مددك، وسيبك ومعروفك يا معروفا بالعطايا الجزيلة، ومحمودا على صنائعك الجميلة .

سجدة الرعد: سجدت الأحباب طوعا والأعداء كرها سجد لك شخص الأحباب، وظلال الأعداء أدركت رحمتك شخص الأحباب فنالت، وانزوت عن الأعداء، فحرمت سجدت لك ظلالهم بالغدو والآصال تميل مع ميل الأظلة، والأفياء طهرت تلك الأجرام، والأشباح بطهارة قلوبهم بقوى التوحيد، فأهلتهم للسجود لك، ونزهت سجدتك عن تلك الأجرام النجسة التي نجست برجاسة الشرك، وتمكن العدو منها فلك الحمد على ما اصطنعت إلي وإليك الرغبة يا إلهي من دوامها علي فكما جعلتني أسجد لك سجود الأحباب طوعا وسلما، فاجعلني في جميع متقلباتي من محياي لك طوعا وسلما .

سجدة النحل: لك سجدت الملائكة وخافوك من فوقهم، وفعلوا ما أمرتهم ذلك بأنك عريتهم من الشهوات، وطهرتهم من الآفات، ومكنت لهم الزلفات فخافوك من فوقهم، وفعلوا ما أمرتهم ولم يسبقوا بقول وهم من خشيتك مشفقون فهم عبادك المكرمون، ونحن عبيدك المرحومون المحبوبون بالرأفة ابتدأتنا، ومن باب الرحمة أخرجتنا، ومن ضعف خلقتنا وبالشهوات ابتليتنا، وللحاجات عرضتنا، وبالوعد والوعيد من الوحي أدبتنا، وبجودك ونعمتك هديتنا، وبعظيم حظنا منك وسعت علينا، وأشرعت إليك السبيل لنا، وجعلت منا أولياء وأحبابا فمنازل القربة لديك فخوفنا لك مع الشهوات، وأفعالنا مع الوساوس والخطرات والآفات فارحمنا فإنك أعلمتنا أنك معنا في العون والنصر والتأييد يا خير من أشفق علينا ورحمنا .

سجدة سبحان: لك خرت العلماء سجدا وحق لهم فإنهم شاهدوا بقلوبهم عرصة التوحيد، وعاينوا بنور علم القربة ما هيأت لأحبابك هناك في مراتبهم من البر والوداد فخروا لأذقانهم سجدا مع البكاء والعويل وسبحوا لربوبيتك، وأيقنوا بوعدك عند تلاوة وحيك وزادهم بكاؤهم لك خشوعا فخشعت لك جوارحهم; لأن الخشية ميراث بكاء الخشية؛ ذلك بأنك جعلت للباكين من خشيتك من عاجل الثواب أن تملأ جوارحهم في الدنيا، وفي الآخرة ضحكا، فيا حنان تحنن علينا بعطفك، وزدنا علما بقربنا إليك، واجعلنا من الشاكرين لك، وتقبلها منا كما تقبلتها من الذين أوتوا العلم من قبلنا .

سجدة مريم: يا خير المنعمين أنعمت على النبيين والمقربين والمهديين والمخبتين بالنبوات والهداية والخباتة فيك، وصاروا إلى محبوبك من الأعمال وخروا لتلاوة آيات الرحمن لك سجدا، وبكيا تلك خشعة الأحباب، وأهل الوداد سجدوا مع البكاء شوقا إليك، وقلقا بطول الحبس عنك في سجون الدنيا يا ودود فليس من لقيك في السجن عبدا قنا في العبودية كمن لقيك في دارك دار السلام حرا ملكا محبورا مسرورا يراك جهرا قد كشفت الغطاء، وتجليت لأهل الوداد عن حجب الكبرياء والجلال فأنبأتنا عن أحوالهم وأخبارهم [ ص: 484 ] وحيا وتنزيلا فخررنا على ذلك من فعلهم هذا، سجودهم قد عملته، فليت شعري من أين بكاؤهم؟ وما الذي أبكاهم؟ وأين أصول ذلك المنبع؟ وهم أهل صفوتك ونجباء عبيدك؟ فسهل لنا السبيل إلى ذلك من فعلهم ظهرا وبطنا، ووفر حظنا من ذلك برحمتك علينا .

سجدة الحج: سجد لك الخلق، والخليقة علوا وسفلا وبرا وبحرا والحجر والمدر والدواب والشجر وكثير من الآدميين، وكثير حق عليه العذاب، ثم قلت: ومن يهن الله فما له من مكرم فلك الحمد إذ أكرمتنا بالسجود لك، ولا تجعلنا مما أهنته فما له من مكرم، ثم قلت: إن الله يفعل ما يشاء فلك الحمد على ما بدا من مشيئتك فينا، وعلى الرحمة التي جرت بمشيئتك فينا، وبإكرامك إيانا إلهي فلا تهنا بعد ما أكرمتنا على تفريطنا، وقلة شكرنا ووفائنا، وجفوتنا ولا تسلبنا خير ما أوليتنا يا عظيم يا حسن البلا يا كثير النعماء يا جزيل العطاء يا جليل الثناء .

الثانية من الحج: بك آمنا، ولك ركعنا، ولوجهك الكريم الباقي الدائم سجدنا وإياك عبدنا، وإليك أنبنا ربنا وفعل الخير قصدنا، والفلاح رجونا وأملنا والنجاح لك بك طلبنا فأعنا ولا تقطع مددك وعنايتك عنا، وخذ إليك بنواصينا، واجعل فيما لديك رغبتنا نور قلوبنا، واشرح لنا صدورنا، وحسن أخلاقنا، واختم لنا بأحسن ما ختمت لعبادك الصالحين من أهل ملتنا .

سجدة الفرقان: للرحمن سجدنا، وإياه وحدنا وما عنده أملنا وبما أمرنا من السجود ائتمرنا، فالرحمن مولانا، والرحمن خالقنا، والرحمن هادينا وناصرنا، والرحمن من علينا باسمه الرحمن، ووفر منه حظنا، وبالرحمة العظمى نلنا من الرحمن حظنا فالله ولينا ومولانا والرحمن أحيانا، والرحيم أعاشنا، والقيوم آوانا فيا أكرم مأمول ويا خير معبود، ويا أحسن خالق، ويا أكرم مالك تمم علينا معروفك، وما ابتدأت من الإحسان وتول منا ما توليت من أهل رحمتك وتعطف علينا بجودك وكرمك تبارك اسمك الرحمن ذو الجلال والإكرام، علمت القرآن، وخلقت الإنسان، وعلمته البيان فلك الآلاء والنعماء يا ذا الملك والملكوت يا عزيز الجبروت إليك الرغبات، ومنك الرهبات هديتنا لاسمك الرحمن، ووفرت منه حظنا فأحببت به قلوبنا، ونورت به أفئدتنا فالفرح الدائم لمن وصل إليه اليوم الرحمن قلبا، والسرور والبهجة وقرة العين لمن وصل إليه غدا، غمرتني برحمتك العظمى، فزادني اسمك سرورا وزاد أعداءك نفورا، وإنما نفرهم من اسمك الرحمن حرمان حظهم من الرحمن فلم تنلهم رحمتك فجهلوا اسمك، ونفروا من ذكره وهو الاسم الذي حييت به القلوب، فتمكنوا به في دارك دار السلام .

سجدة النمل: سجدت لمن يخرج الخبء في السماوات والأرض، عالم الخفيات محصل ما في الصدور ومبلي السرائر، ولم تخف عليه حركات جوارحنا، ومكتوم ضمائرنا، وخواطر قلوبنا، وهم نفوسنا، ونوازع الأهجاس منا سجدت لله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم يا ذا الأمثال العلى والأسماء الحسنى، وأنت رب العرش العظيم واستويت عليه، وأنت عال على العرش، وكيف لا يعظم وهو مقامك للربوبية يا حي يا قيوم؟! فمن دون إلى تحت الثرى في جوف العرش العظيم علوت العرش العظيم علوت على العرش العظيم، وأنت عال على العرش يا شاهد كل نجوى، ومن حبل الوريد أقرب وأدنى هب لنا ما أحصيته علينا مما أسرفنا على أنفسنا، وتفضل علينا بعفوك يا ذا الجود والإفضال .

سجدة السجدة: آمنا بآياتك، وخررنا لك سجدا فسبحانك اللهم وبحمدك تعاليت، ولك الكبرياء في السماوات والأرض، وأنت العزيز الحكيم نبوء لك على أن نتكبر على عظمتك، ونعوذ بك من أن ننازع أمرك، أو أن نسبقك بقول، أو نخالفك عن أمر، أو نلجأ إلى أحد سواك، أو نركن إلى مخلوق، أو نعلق قلوبنا بمن دونك لجلالك خضعت رقبتي، ولكبريائك ذلت نفسي ولوجهك الكريم الباقي الدائم، وضعت وجهي ولجاهك أرغمت نفسي ولعظمتك خرت ناصيتي ساجدة ولربوبيتك أسلم شخصي عبودية، ورقا فاجعل مولاي حركاتي، وشغلي وهمي لك خالصا، وعلى حقوقك عكوفا وبالعبودية لك قائما فانيا، وبقلبي إليك هائما، لا أوثر على حبك أحدا، ولا على أمرك أمرا .

سجدة ص: لك خررت راكعا، وساجدا مفتونا، وغير مفتون مستغفرا تائبا منيبا، وأنت الذي مننت على عبدك داود في وقت طول الفتنة بأن جعلت له السبيل إلى التوبة، والاستغفار حتى خر راكعا وأناب فغفرت له ذلك، وأعلمت العباد أن له مع المغفرة عندك لزلفى وحسن مآب، وهذا من كرمك وفضلك على [ ص: 485 ] أحبابك يا جواد وأنت به معروف، وما أنهيت إلينا هذا الخبر من صنيعك به إلا أنك رجيت عبيدك وأملتهم ما أوليته من معروفك لئلا يقنط المفتونون، ولا يتحير الخطاؤن، ولا ييأس المذنبون .

سجدة فصلت: سبح لك من عبدك فلم تلحقهم سآمة، ولا فتور، وذلك بأنك قويت مقامهم وعريتهم من أشغال النفوس، ونقذتهم من الوسواس والآفات، وخلقتنا [بموضع] رحمة من الشهوات والآفات، تعتورنا أسباب البلاء، وأزمة القضاء، فنعوذ بك أن نتكبر عن عبادتك، أو نرفع بأنفسنا عن السجود لك، والإلقاء بين يديك سلما فمن رام عزا فإنما ناله بالتذلل لك، وكيف لا يعز من انتصب لك خادما؟ وألقى نفسه بين يديك عبودية، وتسليما إلهي لو كانت لي نفوس غير واحدة لحق لها أن ألقيها بين يديك وأجود بها كلها، وكيف وأنها واحدة؟! وكيف لا أجود بها عليك؟! وإنما نلتها من عندك، وكيف لا أجود بها؟ وإنما سألتنيها لترحمها، وتكنفها وتحوطها برأفتك لتصلح لجوارك غدا، والمصير إلى ضيافتك في فردوس الجنان يوم الزيارة فيك أعوذ من جماحات نفسي وحرنها عن حقوقك يا أكرم داع يا أحق مجاب .

سجدة النجم: لك سجدنا، وبه إياك عبدنا، وبك ائتمرنا وحق أن نسجد إلهنا خلقتنا من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة في ظلمات ثلاث في بطون الأمهات والأرحام والمشيمات، ثم أخرجتنا إلى محل الابتلاء والامتحان ودار السباق، والمضمار، وعرضتنا للبلايا، والرزايا، وعظيم الأخطار وفتن دار الغرور، وكيد العدو وأمور الغيب في مشيئتك يا ذا القدرة والعلو والرفعة دعوتنا إلى دار السلام بسجون الأعداء، ومننت علينا منة الأحباب وأبهمت العواقب علينا من أمورنا فمن ذا يرحمنا إن لم ترحمنا، ومن ذا يغفر لنا إن لم تغفر لنا، ومن ذا يكشف عنا ضرنا إن لم تكشف يا خير مدعو، وأكرم مسؤل يا راحم المذنبين تفضل علينا بعفوك .

سجدة الانشقاق: الحين، والشغل أحاط بهم مولاي فاستكبروا عن توحيدك، وفوت حظ منك نالهم إلهي فتعظموا على الإيمان بك، وجعلوا معك إلها مفترين بقول العدو فلا إله إلا أنت سبحانك، وكيف يسجدون إذا قرئ عليهم القرآن؟ وهم المطرودون من بابك ينادون من مكان بعيد، إنما يسجد لك أحبابك، وأهل رأفتك، ورحمتك والمؤمنون عليه بذلك قربتهم، ووفرت حظهم منك، ونورت قلبهم بالسراج المنير، وشرحت صدورهم بعظيم آلائك، وأحييت قلوبهم بك، ووصلت حبلهم بحبلك فكلما تلوا آياتك فذكروا ذكر الصفاء، وأموا بأنفسهم إليك خروا لوجوههم، واستروحوا إلى ذلك، وتنسموا روح القربة، وسكنوا بلطائف مقالتك ضم الشوق إليك منهم، وتلقوا أمرك بإلقائهم بين يديك مترجلين لك فاجعلني ممن يترضى لك فترضى يا خير المقصودين .

سجدة القلم: لك سجدنا، وبأسباب وسائلك تعلقنا، ونفوسنا بين يديك ألقينا قصدا للاقتراب منك مولانا فقد أنزلت في وحيك علينا أن اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة، ثم قلت لنبيك: واسجد واقترب فجعلت له بالسجود إلى القربة سبيلا من ذا يستحق القربة منك يا مولاي إلا من رحمته فقربته، فقد اقتربت بفعلي، وإلقاء نفسي بين يديك تأميلا لفضلك وطمعا في رحيب عفوك اهـ. وإنما سقت عبارته بتمامها لما فيها من الغرابة تكثيرا للفوائد .

(فصل في اعتبار سجدات القرآن ) .

قال الشيخ الأكبر في كتاب الشريعة: لما قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني، وبين عبدي ولم يذكر في القسمة إلا حال التلاوة، ولم يتعرض للهيئات من الركوع، وغيره وذكر التلاوة علمنا أن التلاوة المطلوبة للحق ما فيها من التلاوة فسمينا التالي مصليا أي: مناجيا لله بما يخص الله من الصفات، وبما يخص العبد منها، وبما يقع فيه الاشتراك فجاء في الذي يتلوه من كلام الله مواضع ينبغي السجود فيها فعين الشارع ما نسجد فيه مما لا نسجد فنسجد فيما سجد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونترك فيما ترك، وإن كان اللفظ بالأمر يقتضي السجود، ولكن لا نسجد لكون الشارع ما شرع السجود إلا في مواضع مخصوصة لا تتعدى والسجود المشروع في غير التلاوة مذكور كسجود الإنسان عند رؤية الآيات، وكسجود الشكر وغير ذلك. عدد عزائم سجود القرآن، ونجمع المختلف فيه إلى المجمع عليه، وهي إحدى عشرة إلى خمس عشرة سجدة فمنها ما ورد بصيغة الخبر، ومنها ما ورد بصيغة الأمر فمنها في الأعراف في خاتمتها [ ص: 486 ] فأما الأعراف فسور باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب، وعليه رجال تساوت حسناتهم وسيئاتهم، ولم تثقل موازينهم ولا خفت، وخاتمة هذه السورة قوله وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا وهذه الآية نزلت في القراءة في الصلاة، والسجود ركن من أركان الصلاة، وختم هذه السورة بذكر الملائكة فوصفهم فقال: إن الذين عند ربك وهم المقربون من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته يقول: يذلون ويخضعون له ويسبحونه أي: ينزهونه عن الصفات التي تقربوا بها إليه من الذلة والخضوع، وله يسجدون فوصفهم بالسجود له سبحانه مع هذه الأحوال المذكورة .

وقال في آية ذكر النبيين لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فأي هداية أعظم مما هدى الله به الملائكة فسجد هذا التالي في هذا الموضع اقتداء بالملإ الأعلى، وبهديهم .

ورأى أصحاب الأعراف أن موطن القيامة قد سجد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند طلبه من ربه فتح باب الشفاعة، وسمع الله يقول: يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فعلموا أنه موطن سجود فيسجد أهل الأعراف في ذلك الموطن فيرجح ميزانهم بتلك السجدة; لأنها سجدة تكليف مشروعة عن أمر إلهي فيدخلون الجنة فهذه سجدة الأعراف، والسجدة الثانية سجدة في سورة الرعد عند قوله ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال وظلال الأرواح أجسادها فأخبر الله تعالى أنه يسجد له من في السماوات ومن في الأرض فهو خبر فتعين على العبد أن يصدق الله تعالى في خبره بسجوده عنه فيسجد طائعا فإنه يسجد في نفس الأمر على كره، وإن لم يشعر بذلك فيوقعها عبادة ليكون أنجى له، وذكر الغدو والآصال وهي: الأوقات المنهي عنها، فأخرج حكم السجود من حكم النافلة، وجعل حكمه حكم الفرائض في الأداء فتعين على التالي في هذه الآية السجود، فيجازى من باب من صدق ربه في خبره، والأولى سجدة اقتداء، والثانية سجدة تصديق، والسجدة الثالثة في النحل عند قوله: ويفعلون ما يؤمرون فذكر الملائكة والظلال بالسجود وسجدوا في الأعراف سجود اختيار لما يقتضيه جلال الله، وهنا أثنى الله عليهم بما وفقهم إليه من امتثال أمره فسجدها العبد رغبة في أن يكون ممن أثنى الله عليه بما أثنى به على ملائكته فهي للعبد سجود ذلة وخضوع، فإنه يقول يتفيأ ظلاله الضمير في ظلاله يعود على الشيء المخلوق .

وقد قلنا: إن الأجسام ظلال الأرواح، ولا تتحرك إلا بتحريك الأرواح أياما، ثم قال: عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون أي: أذلاء فهو سجود ذلة وخضوع، والسجدة الرابعة في بني إسرائيل عند قوله ويزيدهم خشوعا فهذه سجدة لزيادة في الخشوع والخشوع لا يكون إلا عن تجل إلهي فزيادة الخشوع دليل على زيادة التجلي فهي سجدة التجلي، والسجدة الخامسة في مريم عند قوله إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا هذا بكاء فرح وسرور وآيات قبول ورضا فإن الله قرن هذا السجود بآيات الرحمن والرحمة لا تقتضي القهر والعظمة، وإنما تقتضي اللطف والعطف الإلهي فدمعت عيونهم فرحا بما بشرهم الله به من هذه الآيات، فالصورة صورة بكاء لجريان الدموع، والدموع دموع فرح لا دموع كمد وحزن، لأن مقام الاسم الرحمن لا يقتضيه، والسجدة السادسة في الحج عند قوله إن الله يفعل ما يشاء وذكر سجود كل شيء في هذه الآية، ولم يبعض إلا الناس فإنه قال: وكثير من الناس وجعل ذلك من مشيئته فبادر العبد بالسجود في هذه الآية ليكون من الكثير الذي يسجد لله لا من الكثير الذي حق عليه العذاب .

فإذا رأى هذا العبد أن الله تعالى قد وفقه للسجود، ولم يحل بينه، وبين السجود علم أنه من أهل العناية الذين التحقوا بمن لم يبعض سجودهم ممن في السماوات، ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، والسجدة السابعة في سورة الحج في آخرها عند قوله يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون فهذا سجود الفلاح وهو البقاء والفوز والنجاة فكان فعل الخير مبادرته بالسجود عندما يسمع هذه الآية تتلى سببا لإيمانه إذ كان الله رؤفا بالمؤمنين في هذه الآية .

وأمرهم بالركوع والسجود له فالتحقوا بالملائكة في كونهم يفعلون [ ص: 487 ] ما يؤمرون فسجد العبد فأفلح، وهي سجدة خلاف، والسجدة الثامنة في الفرقان عند قوله وزادهم نفورا قيل لهم: اسجدوا للرحمن فسجدها المؤمن عندما يتلو ليمتاز بها عن الكافر المنكر لاسمه الرحمن فهذه تسمى سجدة الامتياز .

والله يقول: وامتازوا اليوم أيها المجرمون فيقع الامتياز بين المنكرين لاسم الرحمن، وبين العارفين به يوم القيامة بالسجود الذي كان منهم عند هذه التلاوة، وزادهم هذا الاسم نفورا لجهلهم به، ولهذا قالوا: وما الرحمن على طريق الاستفهام فهذا سجود إنعام لا سجود قهر فإن الكفار أخطئوا حيث رأوا أن الرحمن يناقض التكليف، ورأوا أن الأمر بالسجود تكليف فلا ينبغي أن يكون السجود لمن له هذا الاسم الرحمن لما فيه من المبالغة في الرحمة فلو ذكره بالاسم الذي يقتضي القهر ربما سارع الكافر إلى السجود خوفا فما زادهم نفورا إلا اقتران التكليف بالاسم الرحمن، فإن الرحمن من عصاه عفا عنه، وتجاوز فلا يكلف ابتداء، ولو علم منه الجاهل أن أمره تعالى بالسجود للرحمن لا يناقض التكليف، وإنما يناقض المؤاخذة، ويزيد في الجزاء بالحسنى لبادر إلى ذلك كما بادر المؤمن .

والسجدة التاسعة في النمل وموضع السجود منها مختلف فيه فقيل عند قوله تعلنون وقيل: عند قوله رب العرش العظيم فهذا هو سجود توحيد العظمة إن سجد في العظيم، وإن سجد في قوله: ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون، يقول: إن الشمس التي يسجدون لها، وإن اعتقدوا أنها تعلم ما يعلنون فالسجود لمن يعلم ما يخفون، وما يعلنون أولى، ثم إنهم يسجدون للشمس لكونها تخرج لهم بحرارتها ما خبأت الأرض من النبات، فقال الله لهم: ينبغي لكم أن تسجدوا للذي يخرج الخبء في السماوات، وهو إخراجه ما ظهر من الكواكب بعد أفولها وخبئها، ثم يظهرها طالعة من ذلك الخبء وفي الأرض ما تخرجه من نباتها فالشمس ليس لها ذلك، بل بظهورها يكون خبأ في السماوات الكواكب، فالله أولى بأن يسجد له من سجودكم للشمس، فإن حكمها عند الله حكم الكواكب في الأفول، والطلوع فطلوعها من الخبء الذي يخرجه الله في السماء مثل سائر الكواكب فهذا سجود الرجحان، فإن الدليل هنا في خبء الله أرجح منه في الدلالة على ألوهية الشمس حين اتخذتموها إلها لما ذكرناه .

والسجدة العاشرة في السجدة عند قوله تعالى إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون هذا سجود الغافلين; لأنه سجود عن تذكر فلما ذكروا أيقظتهم الذكرى عن غفلتهم قال تعالى: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين فيسجدون ويسبحون في سجودهم بحمد ربهم، وقوله: وهم لا يستكبرون يعني عند الذكرى لا يتكبرون عن قبول ما ذكروا به من آيات ربهم .

والسجدة الحادية عشر في ص عند قوله: وخر راكعا وأناب فهذا سجود الإنابة، وهي سجدة شكر، وفي السجود فيها خلاف فإن داود سجدها إنابة، ونحن نسجدها شكرا لقوله تعالى: فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ، والسجدة الثانية عشر في حم السجدة، وفي موضعها خلاف فقيل عند قوله: إن كنتم إياه تعبدون فهي عنده سجود عبادة، ومن سجد عند قوله وهم لا يسأمون كانت عنده سجدة نشاط ومحبة .

وأما السجدة الثالثة عشر سجدة النجم فإنها أمر بها أهل الغناء واللهو وهم السامدون أي: وإن كنتم أهل غناء فتغنوا بالقرآن، واسجدوا لله فيه، واعبدوه وهي لغة حميرية يقال: اسجد لنا أي غن لنا وكانت العرب إذا سمعت القرآن غنت حتى لا تسمع القرآن فأنكر عليهم من كونهم يغنون، ويضحكون ولا يبكون فإذا كنتم بهذه المثابة فاسجدوا لله أي من أجل الله واعبدوا فإن الذلة والافتقار تمنع من الضحك فهو أنفع لكم فإن الله قد مدح قوما خروا سجدا وبكيا فإن موطن الدنيا موطن حذر، وإشفاق ما هو موطن أمان، والحكيم العالم هو الذي يعامل كل موطن بما تقتضيه الحكمة، وهذه سجدة خلاف .

وأما السجدة: الرابع عشرة فهي سجدة الانشقاق عند قوله: وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون فهذا سجود الجمع; لأنه سجود عند القرآن، والجمع يؤذن بالكثرة فإن الأحدية لله تعالى فكأنه يقول: وإذا سمع القرآن الذي هو مجموع صفات جلال الله من التنزيه كيف لا [ ص: 488 ] يتذكر السامع جمعيته فيسجد لمن له جميع صفات التنزيه فيكون السجود لمقام جمع من حال جمع .

وأما السجدة الخامس عشرة فسجدة اقرأ عند قوله: واسجد واقترب وهذا يسمى سجود القربة، وجاءت بعد كلمة ردع وزجر وهو قوله : كلا لما جاء به من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر يقول: واقترب إلي منه تعتصم باقترابك منى مما دعاك إليه فتأمن غائلة ذلك، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية