إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
ولو كان الباعث على النكاح مجرد دفع الشهوة لما قال معاذ في الطاعون زوجوني لا ألقى الله عزبا فإن قلت : فما كان معاذ يتوقع ولدا في ذلك الوقت فما وجه رغبته فيه ؟ فأقول الولد يحصل بالوقاع .

بباعث الشهوة وذلك أمر لا يدخل في الاختيار وإنما المعلق باختيار العبد إحضار المحرك للشهوة ، وذلك متوقع في كل حال ، فمن عقد فقد أدى ما عليه وفعل ما إليه والباقي خارج عن اختياره ، ولذلك يستحب النكاح للعنين أيضا فإن نهضات الشهوة خفية لا يطلع عليها حتى إن الممسوح الذي لا يتوقع له ولد لا ينقطع الاستحباب أيضا في حقه على الوجه الذي يستحب للأصلع إمرار الموسى على رأسه اقتداء بغيره وتشبها بالسلف الصالحين وكما يستحب الرمل والاضطباع في الحج الآن ، وقد كان المراد منه أولا إظهار الجلد للكفار .

فصار الاقتداء والتشبه بالذين أظهروا الجلد سنة في حق من بعدهم ويضعف هذا الاستحباب بالإضافة إلى الاستحباب في حق القادر على الحرث وربما يزداد ضعفا بما يقابله من كراهة تعطيل المرأة وتضييعها فيما يرجع إلى قضاء الوطر فإن ذلك لا يخلو عن نوع من الخطر ، فهذا المعنى هو الذي ينبه على شدة إنكارهم لترك النكاح مع فتور الشهوة .

الوجه الثاني : السعي في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه بتكثير ما به مباهاته إذ قد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ويدل على مراعاة أمر الولد جملة بالوجوه كلها ما روي عن عمر رضي الله عنه : أنه كان ينكح كثيرا ويقول : إنما أنكح للولد .

وما روي من الأخبار في مذمة المرأة العقيم إذ قال عليه السلام : " لحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد .

وقال " : " خير نسائكم الولود الودود .

وقال " : " سوداء ولود خير من حسناء لا تلد .

"

(ولو كان الباعث على النكاح مجرد دفع الشهوة لما قال معاذ) بن جبل -رضي الله عنه- (في الطاعون) الذي أصابه: (زوجوني لا ألقى الله عزبا) بلا زوجة كما تقدم .

(فإن قلت: فما كان معاذ) -رضي الله عنه- (يتوقع ولدا في ذلك الوقت) لاشتغاله بنفسه (فما وجه رغبته فيه ؟ فأقول) في الجواب: (الولد يحصل بالوقاع) كما جرت به سنة الله تعالى، (ويحصل الوقاع بباعث الشهوة) الغريزية [ ص: 297 ] (وذلك أمر لا يدخل في الاختيار) البشري (إنما التعلق باختيار العبد إحضار) السبب (المحرك للشهوة، وذلك متوقع في كل حال، فمن عقد) عقدا (فقد أدى ما عليه) بالوجوب أو السنية والاستحباب (وفعل ما إليه) وجه (والباقي خارج، ولذلك يستحب النكاح للعنين أيضا) وهو الذي لا يقدر على إتيان النساء أو لا يشتهي النساء، (فإن نهضات الشهوة خفية لا يطلع عليها) لأنها تختلف باختلاف الأشخاص (حتى إن الممسوح الذي لا يتوقع له ولد) وهو الذي مسحت مذاكيره أي: قطعت (لا ينقطع الاستحباب) في التزويج (أيضا في حقه) . وفي حكمه الخصي والمجبوب (على الوجه الذي يستحب للأصلع) الذي انحسر الشعر عن مقدم رأسه (إمرار الموسى) أي: موسى الحديد (على رأسه اقتداء بغيره) من الحالقين (وتشبيها بالسلف الصالحين) ، وهذا قد روي عن ابن عمر أنه قال في الأصلع: يمر الموسى على رأسه. أخرجه الدارقطني. (وكما يستحب الرمل) وهو الإسراع في الطواف والسعي (والاضطباع) وهو نوع من الارتداء مخصوص بالطواف (في الحج الآن، وقد كان المراد منه أولا) في زمنه صلى الله وعليه وسلم (إظهار الجلد) والقوة (للكفار) الذين قالوا: وهنتهم حمى يثرب وصعدوا قعيقعان فيتفرجون عليهم (فصار الاقتداء والتشبيه بالذين أظهروا الجلد سنة في حق من بعدهم) ، وقد تقدم كل ذلك في كتاب الحج، (ويضعف هذا الاستحباب) أي بالنظر إلى الاقتداء والتشبه (بالإضافة إلى الاستحباب في حق القادر على الحرث) مع التمكن من الآلة. (وربما يزاد ضعفا بما يقابله من كراهة تعطيل المرأة وتضييعها فيما يرجح إلى قضاء الوطر) منها، (فإن ذلك لا يخلو عن نوع الخطر، فهذا المعنى الذي ينبه على شدة إنكارهم لترك النكاح مع فتور) داعية (الشهوة) فافهم ذلك فإنه دقيق .

(الوجه الثاني: السعي في محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورضاه بتكثير ما به مباهاته) أي: مفاخرته (إذ قد صرح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك) حيث قال: " تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة "، وقد تقدم ذلك، (ويدل على مراعاة أمر الولد جملة بالوجوه كلها ما روي عن عمر) بن الخطاب (-رضي الله عنه- أنه كان ينكح ويقول: إنما أنكح لأجل الولد) أي: لحصوله كما في "القوت " وتقدم، وهذا مع كمال زهده في الدنيا واشتغاله بمهمات الدين وأمور المسلمين، (وما روي من الأخبار في مذمة المرأة العقيم) وهي التي لا تلد (إذ قال -صلى الله عليه وسلم-: " لحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد") . قال العراقي : رواه أبو عمر والنوقاني في كتاب معاشرة الأهلين موقوفا على عمر بن الخطاب، ولم أجده مرفوعا. اهـ .

قلت: هو في "القوت " ولفظه: " حصير في البيت خير من امرأة لا تلد " .

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: " خير نسائكم الولود الودود") كذا في "القوت ". قال العراقي : رواه البيهقي من حديث ابن أبي أدية الصدفي قال البيهقي : روي بإسناد صحيح عن سعيد بن يسار مرسلا. اهـ .

قلت: قد روي هذا الحديث بزيادة: " المؤاسية المؤاتية إذا اتقين الله، وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات، وهن المنافقات لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم ". رواه البيهقي هكذا من حديث ابن أبي أدية، ورواه البغوي في معجم الصحابة كذلك، وقال: هو من أهل مصر. قال: ولا أدري أله صحبة أم لا. ولذا قال السيوطي في الجامع الصغير بعد أن رمز للبيهقي عن ابن أبي أدية مرسلا، وكلام الحافظ لا يشعر أنه مرفوع، وقد روي أيضا عن سليمان بن يسار مرسلا. والودود: هي المتحببة إلى زوجها، والولود: هي الكثيرة الولادة .

(وقال -صلى الله عليه وسلم-: " سوداء ولود خير من حسناء لا تلد") . قال العراقي : رواه ابن حبان في الضعفاء من رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ولا يصح. اهـ .

قلت: رواه كذلك الطبراني في الكبير والديلمي وتمام وابن عساكر، وجد بهز هو معاوية بن حيدة له صحبة، وأورده الذهبي في الميزان في ترجمة علي بن الربيع عن بهز. اهـ .

ولكن هؤلاء كلهم رووا هذا الحديث بزيادة بعد قوله: لا تلد وإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة حتى بالسقط لا يزال محبنطئا على باب الجنة إلخ. وسأذكره فيما بعد .

التالي السابق


الخدمات العلمية