إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
كتاب العلم .

وفيه سبعة أبواب .

الباب الأول : في فضل العلم والتعليم والتعلم .

الباب الثاني: في فرض العين وفرض الكفاية من العلوم وبيان حد الفقه والكلام من علم الدين وبيان علم الآخرة وعلم الدنيا .

الباب الثالث: فيما تعده العامة من علوم الدين وليس منه وفيه بيان جنس العلم المذموم وقدره .

الباب الرابع: في آفات المناظرة وسبب اشتغال الناس بالخلاف والجدل .

الباب الخامس: في آداب المعلم والمتعلم .

الباب السادس: في آفات العلم والعلماء والعلامات الفارقة بين علماء الدنيا والآخرة .

الباب السابع: في العقل وفضله وأقسامه وما جاء فيه من الأخبار .


(كتاب العلم وفيه سبعة أبواب)

ومناسبة هذه الأبواب لمن تأملها بفكره الثاقب ظاهرة، فقدم بيان فضل العلم والتعلم والتعليم اهتماما بشأنه، ثم بين في الباب الثاني ما يفرض من ذلك على العين وعلى الكفاية، وبين فيه ما هو من علوم الدنيا وما هو من علوم الآخرة، ثم ذكر في الثالث بيان علوم الدين، وإخراج ما ليس منها، خلاف ما توهمه العامة، ثم ما ينشأ من تلك العلوم المناظرة، وآفاتها، والجدل والخلاف، ثم ذكر في الرابع ما يقطع به تلك الآفات بمعرفة الآداب، ثم بين في السادس الآفات التي تعرض للعلم تارة وللعلماء أخرى، والعلامات الفارقة بين العالمين، ثم لما كان تحصيل ذلك كله، وبيان التمييز بين تلك المقامات والعلامات متوقفا على موهبة عقل من الله تعالى فناسب ذكره في الباب السابع .

(الباب الأول: في فضل العلم والتعلم والتعليم وشواهده من العقل والنقل)

أورد فيه -رحمه الله تعالى- من شواهد القرآن ثلاث عشرة آية تدل على فضل العلم والعلماء، ومن الأخبار ثمانية وعشرين حديثا ما بين صحاح وحسان وضعاف، وليس فيها ما حكم عليه بالوضع، فالحديث الأول صحيح متفق عليه، والثاني صحيح أو حسن، والثالث والتاسع متفق عليه، والثاني عشر حسن أو صحيح، والسابع عشر حسن أو صحيح، والتاسع عشر حسن، وما عداها ضعاف، كما سيأتي بيان ذلك .

ثم اختلف في أن تصور ماهية العلم المطلق هل هو ضروري، أو نظري يعسر تعريفه، أو نظري غير عسير التعريف، والأول مذهب الإمام الرازي، والثاني رأي إمام الحرمين وتلميذه المصنف، والثالث هو الراجح، ولهم عليه تعريفات:

الأول: اعتقاد الشيء على ما هو به، وهو مدخول بالتقليد المطابق للواقع، فزيد فيه قيد عن ضرورة أو دليل، لكن لا يمنع الاعتقاد الراجح المطابق، وهو الظن الحاصل عن ضرورة أو دليل .

الثاني: معرفة المعلوم على ما هو به، وهو مدخول أيضا؛ لخروج علم الله تعالى؛ إذ لا يسمى معرفة، ولذكر المعلوم، وهو مشتق من العلم، فيكون دورا [ ص: 65 ] ولأن معنى ما هو به هو معنى المعرفة، فيكون زائدا .

الثالث: هو الذي يوجب كون من قام به عالما، وهو مدخول أيضا لذكر العالم في تعريف العلم، وهو دور .

الرابع: هو إدراك المعلوم على ما هو به، وهو مدخول أيضا لما فيه من الدور والحشو، كما مر؛ ولأن الإدراك مجاز عن العلم .

الخامس: هو ما يصح لمن قام به إتقان الفعل، وفيه أنه تدخل القدرة ويخرج علمنا؛ إذ لا مدخل له في صحة الإتقان، فإن أفعالنا ليس بإيجادنا .

السادس: تبيين المعلوم على ما هو به، وفيه الزيادة المذكورة والدور، مع أن التبيين مشعر بالظهور بعد الخفاء، فيخرج منه علم الله تعالى .

السابع: إثبات المعلوم على ما هو به، وفيه الزيادة والدور. وأيضا الإثبات قد يطلق على العلم تجوزا فيلزم تعريف الشيء بنفسه .

الثامن: الثقة بأن المعلوم على ما هو به، وفيه الزيادة والدور، مع أنه يلزم منه كون الباري واثقا بما هو عالم به، وذلك مما يمتنع إطلاقه عليه شرعا .

التاسع: اعتقاد جازم مطابق لموجب، إما ضرورة أو دليل فيه، وفيه أنه يخرج عنه التصور؛ لعدم اندراجه في الاعتقاد، مع أنه علم، ويخرج علم الله تعالى أيضا؛ لأن الاعتقاد لا يطلق عليه; ولأنه ليس بضرورة أو دليل، وهذا التعريف للفخر الرازي عرفه به بعد تنزيله كونه ضروريا .

العاشر: حصول صورة الشيء في العقل، قال ابن صدر الدين: هو أصح الحدود عند المحققين من الحكماء، وبعض المتكلمين، ولكن فيه أنه يتناول الظن والجهل المركب، والتقليد والشك، والوهم .

الحادي عشر: تمثيل ماهية المدرك في نفس المدرك، وفيه ما في العاشر، وهذان التعريفان للحكماء مبنيان على الوجود الذهني، والعلم عندهم عبارة عنه . فالأول يتناول إدراك الكليات والجزئيات، والثاني ظاهره يفيد الاختصاص بالكليات .

الثاني عشر: هو صفة توجب لمحلها تمييزا بين المعاني لا يحتمل النقيض، وهو الحد المختار عند المتكلمين، إلا أنه يخرج عنه العلوم العادية، كعلمنا مثلا بأن الجبل الذي رأيناه فيما مضى لم ينقلب الآن ذهبا؛ فإنها تحتمل النقيض لجواز خرق العادة، وأجيب عنه في محله .

وقد يزاد فيه قيد بين المعاني الكلية، وهذا مع الغنى عنه يخرج العلم بالجزئيات، وهو المختار عند من يقول: العلم صفة ذات تعلق بالمعلوم .

الثالث عشر: تمييز معنى عند النفس تمييزا لا يحتمل النقيض، وهو الحد المختار عند من يقول من المتكلمين: إن العلم نفس التعلق المخصوص بين العالم والمعلوم .

الرابع عشر: هو صفة يتحلى بها المذكور، ولمن قامت هي به، قال السيد الشريف: وهو أحسن ما قيل في الكشف عن ماهية العلم، ومعناه أنه صفة ينكشف بها لمن قامت به ما من شأنه أن يذكر انكشافا تاما لا اشتباه فيه .

الخامس عشر: حصول معنى في النفس حصولا لا يتطرق عليه في النفس احتمال كونه على غير الوجه الذي حصل فيه، وهو للآمدي، قال: ونعني بحصول المعنى في النفس تمييزه في النفس عما سواه، ويدخل فيه العلم بالإثبات والنفي، والمفرد والمركب، ويخرج عنه الاعتقادات؛ إذ لا يبعد في النفس احتمال كون المعتقد والمظنون على غير الوجه الذي حصل فيها، فهذه تعاريف العلم .

ثم اختلفوا في أن العلم بالشيء هل يستلزم وجوده في الذهن كما هو مذهب الفلاسفة وبعض المتكلمين، أو هو تعلق بين العالم والمعلوم في الذهن، كما ذهب إليه جمهور المتكلمين .

ثم إنه على الأول لا نزال في أنا إذا علمنا شيئا فقد تحقق أمور ثلاثة، صورة حاصلة في الذهن، وارتسام تلك الصورة فيه، وانفعال النفس عنها بالقبول .

واختلف في أن العلم هل هو من مقولة الكيف، أو الانفعال، أو الإضافة، والأصح أنه من مقولة الكيف على ما بين في محله .

ولهم في تقسيم العلم آراء مختلفة، فقال بعض أئمة الاشتقاق: العلم ضربان، إدراك ذات، والثاني: الحكم على الشيء بوجود شيء هو موجود له، أو نفي شيء هو منفي عنه، فالأول يتعدى لواحد، قال تعالى: لا تعلمهم نحن نعلمهم والثاني: يتعدى لاثنين، قال تعالى: فإن علمتموهن مؤمنات .

وقال آخرون: العلم من وجه آخر نوعان: عملي ونظري، فالنظري ما إذا علم فقد كمل، نحو العلم بموجودات العالم، والعملي ما لا يتم إلا بأن يعمل، كالعلم بالعبادات .

ومن وجه آخر نوعان: عقلي وسمعي، وقد يتجوز به عن الظن، كما يستعار الظن للعلم، ثم إن لفظ العلم كما يطلق على ما ذكر يطلق على ما يرادفه، وهو أسماء العلوم المدونة، كالنحو والفقه، فيطلق كأسماء العلوم تارة على المسائل المخصوصة، كما يقال: فلان [ ص: 66 ] يعلم النحو، وتارة على التصديقات بتلك المسائل عن دليلها، وتارة على الملكة الحاصلة من تكرر تلك التصديقات، أي: ملكة استحضارها، وقد تطلق الملكة على التهيؤ التام، وهو أن يكون عنده ما يكفيه لاستعلام ما يراد .

والتحقيق أن المعنى الحقيقي للفظ العلم هو الإدراك، ولهذا المعنى متعلق هو المعلوم، وله تابع في الحصول يكون وسيلة إليه في البقاء، هو الملكة، فأطلق لفظ العلم على كل منهما؛ إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية، أو مجاز مشهور، وقد يطلق على مجموع المسائل والمبادئ التصورية، والمبادئ التصديقية، والموضوعات، وقد تطلق أسماء العلوم على مفهوم كلي إجمالي يفصل في تعريفه، فإن فصل نفسه كان حدا رسميا، وإن بين لازمه كان رسما اسميا .

وأما حده الحقيقي فإنما هو بتصور مسائله، أو بتصور التصديقات المتعلقة بها؛ فإن حقيقة كل علم مسائل ذلك العلم، أو التصديقات بها، وأما المبادئ وآنية الموضوعات فإنما عدت جزءا منها لشدة احتياجها إليها، ثم إن الظاهر أن العلم المصدر به هنا هو الجامع بين علمي المكاشفة والمعاملة، بل المستجمع بين علمي الشريعة والحقيقة، المؤدي إلى مرتبة الطريقة .

وأما التعليم والإعلام فهما واحد، إلا أن الاستعمال خص الإعلام بإخبار سريع، والتعليم بما يكون فيه تكرير وتكثير يحصل منه أثر في نفس المتعلم .

وقال بعضهم: التعليم تنبيه النفس لتصور المعاني، والتعلم تنبه النفس لتصور ذلك، وربما استعمل في معنى الإعلام إذا كان فيه تكثر، نحو قوله تعالى: أتعلمون الله بدينكم ، وقوله تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها ، فتعليمه الأسماء هو أن جعل له قوة بها نطق، ووضع أسماء الأشياء، وذلك بإلقائه في روعه، وكتعليمه الحيوانات، كل واحد فعلا يتعاطاه وصوتا يتحراه، قاله السمين .

وقد أجمع العلماء على فضل التعليم والتعلم، من أفواه الشيوخ إلا ما كان من علي بن رضوان الطبيب المصري، فإنه صنف كتابا في إثبات أن التعلم من الكتب أوفق من المعلمين، وكان رئيس الأطباء للحاكم بمصر، ولم يكن له معلم في صناعة الطب ينسب إليه، وهو كلام لا يعبأ به، ولا يلتفت إليه، قرأت في الوافي بالوفيات للصلاح الصفدي: أن ابن بطلان وغيره من أهل عصره ومن بعدهم قد ردوا عليه هذا القول، وبينوه وشرحوه، وذكروا له العلل التي من أجلها صار التعلم من أفواه الرجال أفضل من التعلم من الصحف، إذا كان قبولهما واحدا:

الأولى منها: وصول المعاني من النسيب إلى النسيب خلاف وصولها من غير النسيب، والنسيب الناطق أفهم للتعليم، وهو المعلم، وغير النسيب له جماد وهو الكتاب .

الثانية: النفس العلامة، علامة بالعقل، وصدور العقل عنها يقال له التعليم، والتعليم والتعلم من المضاف، وكل ما هو للشيء بالطبع أخص مما ليس هو بالطبع، والنفس المتعلمة علامة بالقوة، وقبول العلم فيها يقال له: تعلم، والمضافان معا بالطبع، فالتعليم من المعلم أخص بالمتعلم من الكتاب .

الثالثة: المتعلم إذا استعجم عليه ما يفهمه المعلم من لفظه نقله إلى لفظ آخر، والكتاب لا ينقل من لفظ إلى لفظ، فالفهم من المعلم أصلح للمتعلم من الكتاب، كل ما هو بهذه الصفة فهو في إيصال العلم أصلح للمتعلم .

الرابعة: موضوعه اللفظ، واللفظ على ثلاثة أضرب:

قريب من العقل: هو الذي صاغه العقل مثالا لما عنده من المعاني .

ومتوسط: وهو المتلفظ به بالصوت، وهو مثال العقل .

وبعيد: وهو المثبت في الكتاب، وهو مثال ما خرج بهما اللفظ .

فالكتاب مثال مثال مثال المعاني التي في العقل، والمثال لا يقوم مقام المثل، فالمثال الأول: هو اللفظ، والثاني: هو الكتاب، فالفهم من لفظ المعلم أسهل من لفظ الكتاب .

الخامسة: وصول اللفظ الدال على المعنى إلى العقل يكون من جهة حاسة غريبة من اللفظ، وهو البصر; لأن الحاسة النسيبة للفظ هي السمع; لأنه تصويت، والشيء الواصل من النسيب وهو اللفظ أقرب من وصوله من الغريب، وهو الكتاب، فالفهم من المعلم باللفظ أسهل من الفهم من الكتابة بالخط .

السادسة: يوجد في الكتاب أشياء تصد عن العلم، وهي معدومة عند المعلم، وهي التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم اللفظ، والغلط بروغان البصر، وقلة الخبرة بالإعراب أو عدم وجوده مع الخبرة بالإعراب، أو فساد الموجود منه، وإصلاح الكتاب، وكتابة ما لا يقرأ، وقراءة ما لا يكتب، ومذهب صاحب الكتاب، وسقم النسخ، ورداءة النقل، وإدماج القارئ مواضع [ ص: 67 ] المقاطع، وخلط مبادئ التعليم، وذكر ألفاظ مصطلح عليها في تلك الصناعة وألفاظ يونانية لم يخرجها الناقل من اللغة، كالثوروس .

فهذه كلها معوقة عن العلم، وقد استراح المتعلم من تكلفها عند قراءته على المعلم، وإذا كان الأمر على هذه الصورة فالقراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه، هو ما أردنا بيانه .

قال: وأنا آتيك ببيان شائع أظنه مصدقا لما عندك، وهو ما قاله المفسدون في الاعتياض عن السالبة البسيطة بالموجبة المعدولة؛ فإنهم مجمعون على أن هذا الفصل لو لم يسمعه من أرسطو تلميذاه نامسطيوس وأوذيموس لما فهم قط. اهـ كلام ابن بطلان .

قال الصفدي: ولهذا قال العلماء: لا تأخذ العلم من صحفي ولا من مصحفي، يعني: لا تقرأ القرآن على من قرأ من المصحف، ولا الحديث وغيره على من أخذ ذلك من الصحف، وحسبك بما جرى لحماد لما قرأ في الصحف، وما صحفه .

وقد وقع لابن حزم وابن الجوزي أوهام وتصحيف معروفة عند أهلها، فناهيك بهذين الاثنين، وهذا الرئيس أبو علي بن سينا، وهو لما استبد بنفسه في الأدوية المفردة اتكالا على ذهنه لما سلم من سوء الفهم لم يسلم من التصحيف، وهو أثبت أبنطافلن وهو بتقديم الباء على النون، ومعناه ذو خمس أوراق في حرف النون. اهـ وهو كلام حسن ينبغي الاهتمام بمعرفته .

التالي السابق


الخدمات العلمية