إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الباب الأول .

في فضيلة الحلال ومذمة الحرام .

وبيان أصناف الحلال ودرجاته وأصناف الحرام ودرجات الورع فيه .

فضيلة الحلال ومذمة الحرام .

قال الله تعالى كلوا من الطيبات واعملوا صالحا أمر بالأكل من الطيبات قبل العمل وقيل : إن المراد به الحلال .

وقال تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وقال تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية .

وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ثم قال فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، ثم قال وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ثم قال ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون جعل آكل الربا أول الأمر مؤذنا بمحاربة الله وفي آخره متعرضا للنار .


(الباب الأول في تفصيل الحلال والحرام)

(وفيه فضيلة الحلال ومذمة الحرام و) فيه أيضا (بيان أصناف الحلال) وأنواعه (ودرجاته) ، وبيان (أصناف الحرام ودرجات الورع فيه) ، فأول ما يذكر فيه:

( فضيلة الحلال ومذمة الحرام )

فمن الآيات: (قال الله تعالى) في كتابه العزيز: ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا أمرهم) [ ص: 6 ] الله تعالى (بالأكل من الطيبات قبل العمل) ، فهم ذلك من تقديم الجملة الأولى على الثانية، وفيه كمال التنويه بشأنه حيث قدمه على العمل الصالح (قيل: إن المراد به الحلال) ، نقله صاحب القوت حيث قال: فأمر بأكل الحلال قبل العمل، وهكذا قال العلماء: زكاة الأعمال بأكل الحلال، فما كانت الطعمة أحل كان العمل أزكى وأرفع، وعلى هذا المنوال قوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم قيل: من الحلال، (وقال تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) إلى قوله: ولا تقتلوا أنفسكم قيل: من أكل حراما فقد قتل نفسه لأنه سبب إهلاكها وتعذيبها، فعرف من ذلك أن أكل أموال الناس بالباطل حرام، وفي ارتكابه إهلاك النفس (وقال عز وجل: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) أي: تعديا من غير أن يكون لهم فيها حق ( إنما يأكلون في بطونهم نارا ) ، أي: مثل النار (وسيصلون سعيرا) ، ووجه الاستدلال بها التعريف بأن أكل أموال اليتامى حرام ووعيده شديد، (وقال تعالى) يا أيها الذين آمنوا ( اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ثم قال) تعالى: ( فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، ثم قال) تعالى: ( وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ) ، لا تظلمون ولا تظلمون، (ثم قال) تعالى: ( ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ، فما توعد الله تعالى ولا تهدد في معصية بمثل ما توعد في أكل الربا ، فإنه عز وجل عظم شأنه بوصفين عظيمين إعظاما له وترهيبا منه حيث (جعل آكل الربا في أول الأمر مأذونا) ، أي: معلما (بمحاربة الله) عز وجل والرسول، (وفي آخره متعرضا للنار) بالخلود فيها، ومن ذلك اشترط للإيمان ترك الربا بقوله: إن كنتم مؤمنين، وهي للشرط والجزاء، ثم أوجب التوبة بعد إعلامه بالظلم منهم في قوله: وإن تبتم إلى آخرها، ثم نص على تحريمه بقوله تعالى: وأحل الله البيع وحرم الربا ، ثم توعد بالخلود في النار بقوله: هم فيها خالدون ، وهذا من شديد الخطاب وعظيم العذاب، فلذلك يخاف على مدمن الربا المختوم له به غير التائب منه أن يموت على الكفر لعلة ذكر الخلود .

التالي السابق


الخدمات العلمية