إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
إذ العادة ما جرت بالتصدق بالضيافة ولذلك ، دعته أم سليم ودعاه الخياط .

كما في الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه وقدم إليه طعاما فيه قرع ودعاه الرجل الفارسي فقال عليه الصلاة والسلام أنا وعائشة فقال : لا فقال فلا ، ثم أجابه بعد فذهب هو وعائشة يتساوقان فقرب إليهما إهالة .

ولم ينقل السؤال في شيء من ذلك وسأل أبو بكر رضي الله عنه عبده عن كسبه لما رابه من أمره وسأل عمر رضي الله عنه الذي سقاه من لبن إبل الصدقة إذ رابه وكان ، أعجبه طعمه ، ولم يكن على ما كان يألفه كل مرة .

وهذه أسباب الريبة وكل ، من وجد ضيافة عند رجل مجهول لم يكن عاصيا بإجابته من غير تفتيش بل لو رأى في داره تجملا ومالا كثيرا ، فليس له أن يقول : الحلال عزيز وهذا كثير ، فمن أين يجتمع هذا من الحلال بلى هذا ، الشخص بعينه يحتمل أن يكون ورث مالا أو اكتسبه فهو بعينه يستحق إحسان الظن به وأزيد على هذا وأقول : ليس له أن يسأله ، بل إن كان يتورع فلا يدخل جوفه إلا ما يدري من أين هو فهو حسن فليتلطف في الترك ، وإن كان لا بدله من أكله فليأكل بغير سؤال إذ السؤال إيذاء وهتك ستر وإيحاش وهو حرام بلا شك .

فإن قلت : لعله لا يتأذى فأقول : لعله يتأذى فأنت تسأل حذرا من لعل ، فإن قنعت ، فلعل ماله حلال وليس الإثم المحذور في إيذاء مسلم بأقل من الإثم في أكل الشبهة والحرام والغالب ، على الناس الاستيحاش بالتفتيش ولا يجوز له أن يسأل من غيره من حيث يدري هو به ; لأن الإيذاء في ذلك أكثر ، وإن سأل من حيث لا يدري هو ، ففيه إساءة ظن وهتك ستر ، وفيه تجسس وفيه تشبث بالغيبة وإن لم يكن ذلك صريحا .

وكل ذلك منهي عنه في آية واحدة ، قال الله تعالى : اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا وكم زاهد جاهل يوحش القلوب في التفتيش ويتكلم الكلام الخشن المؤذي وإنما يحسن الشيطان ذلك عنده طلبا للشهرة بأكل الحلال ، ولو كان باعثه محض الدين لكان خوفه على قلب مسلم أن يتأذى أشد من خوفه على بطنه أن يدخله ما لا يدري ، وهو غير مؤاخذ بما لا يدري إذ لم يكن ثم علامة توجب الاجتناب فليعلم أنطريق الورع الترك دون التجسس ، وإذا لم يكن بد من الأكل ، فالورع الأكل ، وإحسان الظن .

هذا ، هو المألوف من الصحابة رضي الله عنهم ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع وليس بمتبع فلن يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه ، ولو أنفق ما في الأرض جميعا كيف وقد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام بريرة فقيل إنه : صدقة ، فقال هو : لها صدقة ولنا هدية .

، ولم يسأل على المتصدق عليها فكان مجهولا عنده ولم يمتنع .


(لأن العادة ما جرت بالتصدق بالضيافة ، وكذلك دعته أم سليم ) بالتصغير، ابنة ملحان بن خالد الأنصارية، والدة أنس بن مالك، يقال: اسمها سهلة أو رميلة أو رميثة، وهي العميصاء أو الرميصاء ، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات ماتت في خلافة عثمان ، وقصة دعوتها أخرجها البخاري ومسلم من حديث أنس . (ودعاه الخياط الذي رواه أنس بن مالك ) رضي الله عنه، (وقدم إليه طعاما فيه قرع) ، وهو الدباء، وهو متفق عليه من حديثه: أن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم إليه طعاما فيه قرع .

وأخرجه الترمذي في الشمائل، والخياط المذكور لا يعرف اسمه، لكن في رواية: أنه كان من مواليه صلى الله عليه سلم، وفيه: أن أنسا قال: لقد رأيته يتتبع الدباء من حوالي القصعة ، وفيه: أن كسب الخياط ليس بدنيء، وأنه يسن محبة الدباء لمحبته صلى الله عليه وسلم، وكذا كل شيء كان يحبه صلى الله عليه وسلم ذكره النووي، (ودعاه الرجل الفارسي فقال) صلى الله عليه وسلم: (أنا وعائشة فقال: لا، ثم أجابه بعده فذهب هو وعائشة ) رضي الله عنها (يتساوقان) [ ص: 80 ] أي: يتسابقان في المشي، (فقدم إليهما إهالة) هي بالكسر، الودك المذاب، ورواه مسلم من حديث أنس ، وفيه: أنه يندب إجابة الدعوة، وإن قل الطعام أو كان المدعو شريفا، والداعي دونه ، وفيه: ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من عظيم التواضع والتلطف والرفق بأصاغر أصحابه وتعاهدهم بالمجيء إلى منازلهم ، (ولم ينقل السؤال في شيء من ذلك) ، أصدقة أم لا، (وسأل أبو بكر ) رضي الله عنه (عبده) الذي كان يتولى خراجه (عن كسبه لما رابه من أمره شيء) ، وقد تقدم (وسأل عمر ) رضي الله عنه (الذي سقاه) اللبن (من إبل الصدقة إذ رابه، فإنه أعجبه طعمه، ولم يكن على ما كان يألفه كل ليلة) ، وتقدم ذلك أيضا: وكل منهما تقيأ واستفرغ جوفه مما شرب، (وهذه أسباب الريبة، فكل من وجد ضيافة عند رجل مجهول لم يكن عاصيا بإجابته من غير تفتيش) وبحث، بل يندب، ولا يطالب بالبحث عنه، (بل لو رأى في داره تجملا) من أثاث وفرش وأمتعة (ومالا كثيرا، فليس له أن يقول: الحلال عزيز) قليل، (وهذا) الذي أراه (كثير، فمن أين يجتمع هذا من الحلال، بل الشخص بعينه إذا احتمل أن يكون ورث مالا) من مورثه بطريق الشرع، (أو اكتسبه) من وجه طيب، (فهو بعينه يستحق إحسان الظن به) ، ولا يقول: إنه حرام (وأزيد على هذا وأقول: ليس له أن يسأله، بل إن كان يتورع ولا يدخل جوفه إلا ما يدري من أين هو فهو حسن) ، لا بأس به، (فليتلطف في الترك، وإن كان لا بد له من أكله فليأكل بغير سؤال) ولا بحث (إذ السؤال إيذاء) له (وهتك ستر) عنه، (وإيحاش) له، (وهو حرام بلا شك) ، إذ قد ورد الوعيد فيمن آذى أخاه، وفيمن هتك ستره، (فإن قلت: لعله لا يتأذى) بذلك السؤال، (فأقول: لعله يتأذى وأنت تسأل حذرا من لعل، فإن قنعت بلعل، فلعل ماله حلال وليس الإثم المحذور) منه (في إيذاء مسلم) قولا أو فعلا (بأقل من الإثم في أكل شبهة أو حرام، أو الغالب على الناس الاستيحاش) ، أي: حصول الوحشة (بالتفتيش) والبحث الدقيق، (ولا يجوز له أن يسأل من غيره من حيث يدري هو به ; لأن الإيذاء في ذلك أكثر، وإن سأل من حيث لا يدري هو، ففيه إساءة ظن وهتك ستر، وفيه) أيضا (تجسس) ، وهو تتبع الأخبار والتفحص عن بواطن الأمور، (وفيه تشبت بالغيبة) ، أي: تحسين وتزيين لها، (وإن لم يكن صريحا، وكل ذلك منهي عنه في آية واحدة، قال تعالى: اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ) ، فأمر بالاجتناب عن سوء الظن بالمسلم ، وجعله إثما مبالغة، ونهى عن التجسس والاغتياب، (وكم من زاهد جاهل يوحش القلوب) أي: يثير الوحشة والنفرة في القلوب (في التفتيش) والتنقير، (ويتكلم بالكلام الخشن) المؤذي، (وإنما يحسن الشيطان ذلك عنده) ، ويزينه (طلبا للشهرة) بين الناس (بأكل الحلال، ولو كان باعثه محض الدين لكان خوفه على قلب مسلم أن يتأذى) ويستوحش، (أشد من خوفه على بطنه أن يدخله ما لا يدري، وهو غير مؤاخذ بما لا يدريه إذا لم يكن هناك علامة توجب الاجتناب) ، وأما الإيذاء والتجسس والاغتياب، فإنه مؤاخذ بكل من ذلك، (فليعلم أن طريق الورع الترك دون التجسس ، وإذا لم يكن بد من الأكل، فالورع الأكل، وإحسان الظن، وهذا هو المألوف) المعروف (من) أحوال (الصحابة) رضي الله عنهم كما يعرفه من سبر سيرهم، (ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال) عن الرشد، (مبتدع وليس بمتبع) سننهم، (فلن يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه، ولو أنفق ما في الأرض جميعا) ، كما جاء ذلك في الخبر [ ص: 81 ] والمد بالضم مكيال معروف، والنصيف كأمير لغة في النصف بالكسر، (وقد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام بريرة ) ، وهي الشاة التي تصدق بها عليها، وبريرة هي مولاة عائشة رضي الله عنها صحابية جليلة عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية ، (فقيل: إنها) أي: الشاة، (صدقة، فقال: هي لها صدقة ولنا هدية ، ولم يسأل عن المتصدق عليها فكان المتصدق) بها عليها (مجهولا عنده) صلى الله عليه وسلم، (ولم يمتنع) . والحديث المذكور أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس .

التالي السابق


الخدمات العلمية