إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وقد علل علي الكثرة وعلل ابن مسعود رضي الله .عنه بطريق الإشارة بأن عليه المأثم ; لأنه يعرفه ، ولك المهنأ أي: أنت .

لا تعرفه وروي أنه قال رجل لابن مسعود رضي الله عنه أن : لي جارا يأكل الربا فيدعونا إلى طعامه أفنأتيه فقال : نعم .

وروي في ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه روايات كثيرة مختلفة وأخذ الشافعي ومالك رضي الله عنهما جوائز الخلفاء والسلاطين مع العلم بأنه قد خالط مالهم الحرام قلنا : أما ما روي عن علي رضي الله عنه فقد اشتهر من ورعه ما يدل على خلاف ذلك ، فإنه كان يمتنع من مال بيت المال حتى يبيع سيفه ولا يكون له إلا قميص واحد في وقت واحد في وقت الغسل لا يجد غيره ولست أنكر أن رخصته صريح في الجواز وفعله محتمل للورع ، ولكنه لو صح فمال السلطان له حكم آخر ، فإنه بحكم كثرته يكاد يلتحق بما لا يحصر ، وسيأتي بيان ذلك وكذا فعل الشافعي ومالك رضي الله عنهما متعلق بمال السلطان وسيأتي حكمه وإنما كلامنا في آحاد الخلق وأموالهم قريبة من الحصر وأما قول ابن مسعود رضي الله عنه فقيل إنه : إنما نقله حواب التيمي وإنه ضعيف الحفظ والمشهور عنه ما يدل على توقي الشبهات إذ قال : لا يقولن أحدكم أخاف وأرجو ، فإن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور ، مشتبهات ، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك .


(وقد علل علي ) رضي الله عنه (بالكثير) ، أي: إن الحلال كثير، (وعلل ابن مسعود ) رضي الله عنه (بطريق الإشارة بأنه عليه المأثم; لأنه يعرفه، ولك المهنأ لأنك لا تعرفه) ، فالحلال إذا ما جهل أصله، وقد ذهب إليه بعض العلماء، (وروي) أيضا (أنه قال رجل لابن مسعود :) رضي الله عنهم، ( إن لي جارا يأكل الربا فيدعونا إلى طعامه أفنأتيه؟ قال: نعم، وروي ذلك عن ابن مسعود بروايات مختلفة) مع اختلاف الألفاظ، (وأخذ الشافعي ومالك ) رحمهما الله تعالى (جوائز الخلفاء والسلاطين مع العلم بأنه قد خالط مالهم الحرام) ، فأخذ مالك من أبي جعفر المنصور مالا أعطاه بالمدينة ، وأخذ الشافعي من هارون الرشيد ألف دينار كما سيأتي، فهؤلاء الخلفاء، وأما السلاطين فأخذ مالك رضي الله عنه من سلطان المغرب جائزة أرسلها إليه، وأخذ الشافعي رضي الله عنه من عمال اليمن كما هو محرر في تراجمهم، (قلنا: أما ما روي عن علي ) رضي الله عنه، (فقد اشتهر من ورعه) وزهده واحتياطه (ما يدل على خلاف ذلك، فإنه كان يمتنع من) أخذ (مال بيت المال) ، فقد روى أبو نعيم في الحلية من طريق علي بن ربيعة الدالبي عن علي رضي الله عنه قال: جاءه ابن البناج فقال: يا أمير المؤمنين، امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء، فقال: الله أكبر، فقام متوكئا على ابن البناج حتى قام على بيت مال المسلمين فقال: هذا جنائي وخياره فيه، وكل جان يده فيه يا ابن البناج علي بأسباع الكوفة ، قال: فنودي في الناس فأعطى جميع ما في بيت المال وهو يقول: يا صفراء ويا بيضاء غري غيري ها وها حتى ما بقي منه دينار ولا درهم، ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين، (حتى يبيع سيفه) .

أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق علي بن الأقمر عن أبيه قال: رأيت عليا وهو يبيع سيفا له في السوق ويقول: "من يشتري مني هذا السيف، فوالذي خلق الجنة لطالما كشفت به الكروب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان عندي إزار ما بعته" . ومن طريق مجمع التيمي عن يزيد بن محجن قال: كنت مع علي رضي الله عنه وهو بالرحبة ، فدعا بسيف فسله فقال: "من يشتري سيفي هذا، فوالله لو كان عندي ثمن إزار ما بعته" . ومن طريق مجمع أيضا عن أبي رجاء قال: رأيت علي بن أبي طالب خرج بسيف يبيعه فقال: من يشتري مني هذا؟ لو كان عندي ثمن إزار لم أبعه .

(ولا يكون له إلا قميص واحد في وقت الغسل لا يجد غيره) ، أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق هارون بن عنترة عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب بالخورنق وهو يرعد تحت شمل قطيفة فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال، وأنت تصنع بنفسك، فقال: والله ما أرزؤكم من مالكم شيئا، وإنها لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي أو قال من المدينة ، (ولست أنكر أن رخصته صريح في الجواز وفعله محتمل للورع، ولكنه إن صح) عنه، (فمال السلطان له حكم آخر، فإنه بحكم كثرته يكاد يلتحق بما لا يحصر، وسيأتي بيان ذلك) قريبا، (وذلك مستند الشافعي ومالك ) رحمهما الله تعالى (في قبول مال [ ص: 87 ] السلطان وسيأتي حكمه) قريبا، (وإنما كلامنا في آحاد الخلق وأموالهم) محصورة أو (قريبة من الحصر) ، هذا الجواب عن قول علي، (وأما قول ابن مسعود ) رضي الله عنه (فقيل: إنما نقله جواب) بالجيم والموحدة ابن عبد الله (التيمي وهو ضعيف الحفظ) عند النقلة، قال الذهبي في المغني قال ابن نمير : ضعيف الحديث ووثقه ابن معين ، روى عن الحارث بن سويد ، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: جواب ابن عبيد الله التيمي الكوفي صدوق، رمي بالإرجاء من السادسة، روى له البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، والنسائي في مسند علي ، وعرف السادسة بقوله: من ليس له من الحديث إلا القليل ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ مقبول حيث يتابع، وإلا، فلين الحديث، وقد رأيت له ذكرا في كتاب الصمت لأبي بكر بن أبي الدنيا ، وساق من طريق قيس بن سليم الغبري عنه قال: جاءت أخت الربيع بن خثيم عائدة إلى بني له فأكبت عليه فقالت: كيف أنت يا بني، الحديث، وسيأتي في كتاب آفات اللسان (توقي الشبهات إذ قال: لا يقولن أحدكم أخاف وأرجو، فإن الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات ، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك ) ، وقد تقدم أن كلا من الجملتين قد رفعتا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية