إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الصفات بيان الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته .

اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان .

قال صلى الله عليه وسلم : " المرء على دين خليله ؛ فلينظر أحدكم من يخالل .

ولا بد أن يتميز بخصال وصفات يرغب بسببها في صحبته وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة ؛ إذ معنى الشرط ما لا بد منه للوصول إلى المقصود فبالإضافة إلى المقصود تظهر الشروط .

ويطلب من الصحبة فوائد دينية ودنيوية ، أما الدنيوية فكالانتفاع بالمال أو الجاه أو مجرد الاستئناس بالمشاهدة والمجاورة وليس ذلك من أغراضنا .

وأما الدينية فيجتمع فيها أيضا أغراض مختلفة إذ منها الاستفادة من العلم والعمل ومنها الاستفادة من الجاه تحصنا به عن إيذاء من يشوش القلب ويصد عن العبادة ومنها استفادة المال للاكتفاء به عن تضييع الأوقات .

في طلب القوت ومنها الاستعانة في المهمات فيكون عدة في المصائب وقوة في الأحوال ومنها التبرك بمجرد الدعاء ومنها انتظار الشفاعة في الآخرة فقد ، قال السلف استكثروا : من الإخوان ؛ فإن لكل مؤمن شفاعة ؛ فلعلك تدخل في شفاعة أخيك .

وروي في غريب التفسير في قوله تعالى: ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله قال : يشفعهم في إخوانهم فيدخلهم الجنة معهم .

ويقال : إذا غفر الله للعبد شفع في إخوانه ولذلك حث جماعة من السلف على الصحبة والألفة والمخالطة وكرهوا العزلة والانفراد .


(بيان الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته)

(اعلم أنه لا يصلح للصحبة كل إنسان، قال -صلى الله عليه وسلم-: "المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل") .

قال العراقي: رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والحاكم من حديث أبي هريرة وقال: صحيح إن شاء الله. اهـ .

قلت: وكذلك رواه الطيالسي والبيهقي والقضاعي من طريقه، والعسكري كلهم من طريق موسى بن وردان عن أبي هريرة، وتوسع ابن الجوزي فأورده في الموضوعات، ورواه العسكري من طريق سليمان ابن عمر، والنخعي عن إسحاق بن عبد الله بن طلحة عن أنس مرفوعا، ولفظه: "المرء على دين خليله ولا خير لك في صحبة من لا يرى لك الخير مثل الذي ترى"، ورواه ابن عدي في كامله وسنده ضعيف، وهو في الشعب للبيهقي بلفظ: "من يخال" بلام واحدة مشددة، وفي هذا المعنى قال الشاعر:


عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي



(فلا بد أن يتميز بخصال يرغب في صحبته بسببها وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة؛ إذ معنى الشرط ما لا بد منه للوصول إلى المقصود) ، ويكون كالعلامة عليه (فبالإضافة إلى المقصود تظهر الشروط) وتبان العلامات (وتطلب من الصحبة فوائد دينية ودنيوية، أما الدنيوية فكالانتفاع بالمال [ ص: 199 ] أو الجاه أو بمجرد الاستئناس بالمشاهدة) لوجهه هو (وبالمجاورة) حيث يسكن (وليس ذلك من غرضنا وأما الدينية فتجتمع فيها أغراض مختلفة) باختلاف الأشخاص والأحوال (إذ منها الاستفادة في العلم والعمل ومنها الاستفادة في الجاه تحصنا به عن إيذاء من يشوش القلب) ويفرقه (ويصد عن العبادة ومنها استفادة المال للاكتفاء به عن تضييع الأوقات في طلب الأقوات) فإن تحصيل القوت يستدعي أوقاتا إن هو تأخر عنها لم يحصل على مقصوده فيضيعها فيما يشغله عن عبادة الله .

(ومنها الاستعانة في المهمات) أي: الأمور اللازمة (فيكون عدة في المصائب) يستعين به في رفع النوازل (أو قوة في الأحوال ومنها التبرك بمجرد الدعاء) الصالح (ومنها انتظار الشفاعة في) الدار (الآخرة، قال بعض السلف: استكثر من الإخوان؛ فإن لكل مؤمن) عند الله (شفاعة؛ فلعلك تدخل في شفاعة أخيك) نقله صاحب القوت، وقد روي ذلك مرفوعا، أخرج ابن النجار في تاريخه من حديث أنس بسند ضعيف مرفوعا: "استكثروا من الإخوان؛ فإن لكل مؤمن شفاعة" والمراد به الاستكثار من مؤاخاة الأخيار، فإن لم يكونوا خيارا فينبغي الإقلال منهم كما قال ابن الرومي:


عدوك من صديقك مستفاد     فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه     يكون من الطعام أو الشراب



(وروي في غريب التفسير في قوله تعالى: فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) هكذا في النسخ، وهذه الآية في سورة "النساء" .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والإسماعيلي في معجمه بسند ضعيف عن ابن مسعود رفعه قال: "أجورهم يدخلون الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا".

وأما صاحب القوت فقال: وروينا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثا غريبا في تفسير قوله تعالى يعني في الشورى: ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله (قال: يشفعهم في إخوانهم فيدخلهم الجنة معهم) قلت: أخرجه ابن جرير من طريق قتادة عن إبراهيم النخعي في قوله: ويزيدهم من فضله قال: يشفعون في إخوان إخوانهم (ويقال: إذا غفر للعبد شفع في إخوانه) نقله صاحب القوت .

(ولذلك حث جماعة من السلف على الصحبة والألفة والمخالطة وكرهوا العزلة والانفراد) منهم المسيب والشعبي وابن أبي ليلى وهشام بن عروة وابن شبرمة وشريح وابن عيينة وابن المبارك والشافعي وابن حنبل كما سيأتي ذلك في أول كتاب العزلة .

التالي السابق


الخدمات العلمية