إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الحق الثامن :

التخفيف وترك التكلف والتكليف وذلك بأن لا يكلف أخاه ما يشق عليه بل يروح سره من مهماته وحاجاته ويرفهه عن أن يحمله شيئا من أعبائه فلا يستمد منه من جاه ومال ولا يكلف التواضع له والتفقد لأحواله والقيام بحقوقه بل لا يقصد بمحبته إلا الله تعالى تبركا بدعائه واستئناسا بلقائه واستعانة به على دينه وتقربا إلى الله تعالى بالقيام بحقوقه وتحمل مؤنته .

قال بعضهم : من اقتضى من إخوانه ما لا يقضونه فقد ظلمهم ومن اقتضى منهم مثل ما يقتضونه فقد أتعبهم ومن لم يقتض فهو المتفضل عليهم .

وقال بعض الحكماء : من جعل نفسه عند الإخوان فوق قدره أثم وأثموا ، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم ومن جعلها دون قدره سلم وسلموا تمام التخفيف بطي بساط التكليف حتى لا يستحي منه فيما لا يستحي من نفسه .

وقال الجنيد ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه أو احتشم إلا لعلة في أحدهما .

وقال علي عليه السلام : شر الأصدقاء من تكلف لك ومن أحوجك إلى مداراة وألجأك إلى اعتذار .

وقال الفضيل إنما تقاطع الناس بالتكلف يزور أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه .

وقالت عائشة رضي الله عنها : المؤمن أخو المؤمن لا يغتنمه ولا يحتشمه .

وقال الجنيد صحبت أربع طبقات من هذه الطائفة كل طبقة ثلاثون رجلا حارثا المحاسبي وطبقته وحسنا المسوحي وطبقته وسريا السقطي وطبقته وابن الكريبي وطبقته فما تواخى اثنان في الله واحتشم أحدهما من صاحبه أو استوحش إلا لعلة في أحدهما .

وقيل لبعضهم : من نصحب قال : من يرفع عنك ثقل التكلف وتسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ .

وكان جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما يقول : أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي .


(الحق الثامن:

التخفيف) عن الأخ (وترك التكلف والتكليف) له ومعه، وأصل التكلف أن تحمل المرء على أن يكلف بالأمر كلفه بالأشياء التي يدعوه طبعه، قال الحراني: وقال الراغب: هو اسم لما يفعله الإنسان بمشقة أو بتصنع أو بتشبع والتكليف إلزام ما فيه كلفة (وذلك أن لا يكلف أخاه ما يشق عليه) ويتعب فيه (بل يروح سره) أي: باطنه (عن مهماته وحاجاته ويرفهه أن يحمله شيئا من أعبائه) أي: أثقاله (ولا يستمد منه من جاه ومال) [ ص: 240 ] وغيرهما (لا يكلفه التواضع له) عند لقائه في المجلس (و) لا (التفقد والقيام بحقوقه بل لا يقصد بمحبته) ومعرفته (إلا الله) -عز وجل- (تبركا بدعائه) الصالح (واستئناسا للقائه) واسترواحا بمشاهدته (واستعانة به على دينه وتقربا إلى الله تعالى بالقيام بحقوقه) لا لغرض عاجل (والتحمل بمؤنته) من أمور الدنيا .

(وقال بعضهم: من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضونه منه فقد ظلمهم ومن اقتضى منهم) مثل (ما يقتضونه منه) وفي نسخة: مثل ما يفعل معهم (فقد أتعبهم) وفي نسخة: فقد أنصفهم (ومن لم يقتض) منهم (فهو المتفضل عليهم) ، ولفظ القوت: ومن لم يقتضهم فقد تفضل عليهم، وبمعناه (قال بعض الحكماء: من جعل نفسه عند الإخوان فوق قدره أثم وأثموا، ومن جعل نفسه) في قدره تعب وأتعبهم (ومن جعلها عندهم دون قدره سلم وسلموا) كذا في القوت، وزاد: فلذلك عزز الناس الأخوة في الله -عز وجل- قديما؛ لأن هذا حقيقتها، فروي في الأخبار: اثنان عزيزان ولا يزيدان إلا عزة: درهم حلال، وأخ تسكن إليه. وقيل: تأنس به .

وقال يحيى بن معاذ: ثلاثة عزيزة في وقتها هذا؛ ذكر منها حسن الإخاء مع الوفاء (وتمام التخفيف بطي بساط التكليف حتى لا يستحى منه فيما لا يستحى من نفسه) وفي ذلك يقول الشاعر:


إنما مجلس البساط بساط فإذا ما انطوى طوينا بساطه



(وقال) أبو القاسم (الجنيد) قدس سره (ما تواخى اثنان في الله) -عز وجل- (فاستوحش أحدهما من صاحبه) أي: وجد منه وحشة في نفسه (أو احتشم إلا لعلة في إحداهما) ومثله قول بشر الحافي، وقد تقدم .

وفي القوت: وقد كان الإخوان يتسابقون على العلوم وعلى الأعمال وعلى التلاوة والأذكار، وبهذه المعاني تحسن الصحبة وتحق المحبة وكانوا يجدون من المزيد من ذلك والنفع به في العاجل والآجل ما لا يجدونه في التخلي والانفراد من تحسين الأخلاق وتنقيح العقول ومذاكرة العلوم، وهذا لا يصح إلا لأهله، وهم أهل سلامة الصدور والرضا بالميسور مع وجود الرحمة وفقد الحسد وسقوط التكلف ودوام التآلف إذا عدمت هذه الخصال أضدادها وضوح المباينة .

(و) قد (قال علي -رضي الله عنه-: شر الأصدقاء من تكلف لك) وفي القوت: من تكلف له (ومن أحوجك إلى مداراته وألجأك إلى الاعتذار) ولفظ القوت: وقال أيضا: شر الأصدقاء من أحوجك. إلخ. فهما قولان له جمع بينهما المصنف، وفي تاريخ قزوين للرافعي: قال إبراهيم بن حمير القزويني: بئس الصديق صديق يحتاج إلى المداراة أو يلجئك إلى الاعتذار أو يقول لك: اذكرني في دعائك .

وفي القوت: قال يونس -عليه السلام- لما زاره إخوانه فقدم إليهم خبز شعير وجزلهم من بقل كان زرعه: لولا أن الله سبحانه لعن المتكلفين لتكلفت لكم .

(وقال الفضيل) بن عياض -رحمه الله تعالى- (إنما تقاطع الناس بالتكليف يزور أحدهم أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه) أخرجه أبو نعيم في الحلية. وابن أبي الدنيا في كتاب إقراء الضيف، ولفظ القوت: فيتكلف له ما لا يفعله كل واحد منهما في منزله فيحشمه ذلك من الرجوع إليه .

(وقالت عائشة -رضي الله عنها-: المؤمن أخو المؤمن لا يغشه ولا يحتشمه) كذا في القوت، وفي المرفوع من حديث أبي هريرة عند الترمذي: من غشنا ليس منا. وعند ابن النجار من حديث جابر: المؤمن أخو المؤمن لا يدع نصيحته على كل حال، وقال صاحب القوت: روينا في الانبساط إلى الإخوان ما استطرفته ولو أنه جاء عن إمام ما ذكرته. حدثنا الحارث بن محمد عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: أهدي لهشيم قرد كثير الثمن، فقال: اذهب بها إلى سعيد الجوهري، فقل له: هذه قرد بعثها هشيم اشترها له، قال: فذهب بها إليه فاشتراها، ثم بعث بها إلى هشيم فصارت له ودراهمها.

(وقال) أبو القاسم (الجنيد) قدس سره (صحبت أربع طبقات من هذه الطائفة) يعني الصوفية (كل طبقة ثلاثون رجلا الحارث) بن أسد (المحاسبي وطبقته) أي: أقرانه (وحسن المسوحي وطبقته) له ذكر في الرسالة (و) أبو الحسن (سري السقطي وطبقته) وهو خال الجنيد (وابن الكريبي) وطبقته له ذكر في الرسالة وترجمة الخطيب في التاريخ: (فما تواخى اثنان في الله فاحتشم أحدهما من صاحبه أو استوحش إلا لعلة في أحدهما) وهذا القول قدم مختصرا قريبا وأورده صاحب القوت. [ ص: 241 ]

(وقيل لبعضهم: من تصحب) من الناس؟ (قال: من يرفع عنك ثقل التكلف ويسقط بينك وبينه مؤنة التحفظ) أي: التحرز. كذا في القوت (و) قد (كان جعفر بن محمد) بن علي بن الحسين -رضي الله عنهم- (يقول: أثقل إخواني من يتكلف لي وأتحفظ منه وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي) كذا في القوت. قال: ويريدون بهذا كله من لم يكن على هذه الأوصاف دخل عليه التصنع والتزين فأخرجاه إلى الرياء والتكلف، فذهبت بركة الصحبة وبطلت منفعة الأخوة .

التالي السابق


الخدمات العلمية