إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
وقال بعض الصوفية : لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده ببر ولا تنقص عنده بإثم يكون ذلك لك ، وعليك وأنت عنده سواء وإنما قال هذا لأن به يتخلص عن التكلف والتحفظ .

وإلا فالطبع يحمله على أن يتحفظ منه إذا علم أن ذلك ينقصه عنده .

. وقال بعضهم : كن مع أبناء الدنيا بالأدب ومع أبناء الآخرة بالعلم ومع العارفين كيف شئت وقال آخر : لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت يعتذر إليك إذا أسأت ويحمل مؤنة نفسك ويكفيك مؤنة نفسه .

وقائل : هذا قد ضيق طريق الأخوة على الناس وليس الأمر كذلك بل ينبغي أن يواخي كل متدين عاقل ويعزم على أن يقوم بهذه الشرائط ولا يكلف غيره هذه الشروط حتى تكثر إخوانه إذ به يكون مواخيا في الله وإلا كانت مواخاته لحظوظ نفسه فقط .

ولذلك قال رجل للجنيد قد عز الإخوان في هذا الزمان أين أخ لي في الله ؟ فأعرض الجنيد حتى أعاده ثلاثا فلما أكثر قال له الجنيد إن أردت أخا يكفيك مؤنتك ويحتمل أذاك فهذا لعمري قليل وإن أردت أخا في الله تحمل أنت مؤنته وتصبر على أذاه فعندي جماعة أعرفهم لك فسكت الرجل .

واعلم أن الناس ثلاثة : رجل تنتفع بصحبته ، ورجل تقدر على أن تنفعه ولا تضرر به ولكن لا تنتفع به .

ورجل لا تقدر أيضا على أن تنفعه وتضرر به وهو الأحمق أو السيئ الخلق فهذا الثالث ينبغي أن تتجنبه فأما الثاني فلا تجتنبه لأنك تنتفع في الآخرة بشفاعته وبدعائه وبثوابك على القيام به وقد أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن : أطعتني فما أكثر إخوانك ! أي : إن واسيتهم واحتملت منهم ولم تحسدهم وقد قال بعضهم : صحبت الناس خمسين سنة فما وقع بيني وبينهم خلاف فإني كنت معهم على نفسي ومن كانت هذه شيمته كثر إخوانه .


(وقال بعض الصوفية : لا تعاشر من الناس إلا من لا تزيد عنده ببر ولا تنقص عنده بإثم يكون لك، وعليك وأنت في الحالين سواء) كذا في القوت (وإنما قال هذا لأن به يتخلص عن التكلف والتحفظ وإلا فالطبع يحمله على أن يتحفظ منه إذا علم أن ذلك ينقصه عنده. وقال بعضهم: كن مع أبناء الدنيا بالأدب) ؛ لأنهم أهل الظاهر فيعاشرون بالأدب الظاهر (ومع أبناء الآخرة بالعلم) المراد به معرفة الفقه الباطن، ومن جملته حفظ الخواطر الردية (ومع العارفين بالله) -عز وجل- (كيف شئت) كذا في القوت .

(وقال آخر: لا تصحب إلا من يتوب عنك إذا أذنبت ويعتذر لك) وفي نسخة: إليك (إذا أسأت ويحمل عليك مؤنة نفسه ويكفيك مؤنة نفسك) كذا في القوت. قال: وهذا من أعز الأوصاف في هذا الوقت .

وحاول المصنف الرد عليه، فقال (وقائل: هذا قد ضيق طريق الآخرة على الناس وليس الأمر كذلك بل ينبغي أن يواخي) الإنسان (كل متدين عاقل ويعزم على أن يقوم بهذه الشروط ولا يكلف غيره هذه الشروط حتى تكثر إخوانه) في الله تعالى (إذ به يكون مؤاخيا في الله) -عز وجل- وإلا كانت مؤاخاته لحظوظ نفسه فقط (وكذلك قال رجل) ولفظ القوت كما قاله بعض الناس (قد عز الإخوان في هذا الزمان أين أخ في الله؟ فأعرض الجنيد حتى أعاده ثلاثا) ولفظ القوت: قد عز في هذا الوقت أخ في الله، قال: فسكت الجنيد عنه، فأعاد ذلك فتغافل عنه (فلما أكثر قال له) الجنيد: (إن أردت أخا) في الله تعالى (يكفيك مؤنتك ويتحمل أذاك فهو) ولفظ القوت فهذا (لعمري قليل وإن أردت أخا في الله) تعالى (تحمل) أنت مؤنته وتصبر على أذاه (فعندي جماعة أعرفهم لك) وفي بعض نسخ القوت: أدلك عليهم إن أحببت، قال: (فسكت الرجل) كذا في القوت، قال: وهذا لعمري يكون محبا لنفسه إذا اقتضى من أخيه هذا إلا محبا في الله -عز وجل- وقد قيل: ليس الإخاء في الله كف الأذى هذا واجب، وإنما الإخاء الصبر على الأذى .

(واعلم أن الناس ثلاثة: رجل تنتفع بصحبته، ورجل تقدر على أن تنفعه ولا تتضرر به ولكن لا تنتفع به، ورجل لا تقدر على أن تنفعه وتتضرر به وهو الأحمق) أي: الناقص العقل (والسيئ الخلق فهذا الثالث ينبغي أن يجتنب) اصطحابه، وقد تقدم ما يتعلق به (فأما الثاني) الذي لا تتضرر به ولا تنتفع (فلا يجتنب بل ينتفع في الآخرة بشفاعته و) في الدنيا (بدعائه وبثوابك على القيام به) ومن ذلك قال بشر الحافي: لا تخالط من الناس إلا حسن الخلق فإنه لا يأتي إلا بخير ولا تخالط سيئ الخلق فإنه لا يأتي إلا بشر .

(وقد أوحى الله) عز وجل (إلى موسى -عليه السلام-: إن أطعتني فما أكثر إخوانك! أي: إن واسيتهم) بالفضل (واحتملت منهم) الإساءة (ولم تحسدهم) لا في دين ولا في دنيا، ولفظ القوت في أخبار موسى -عليه السلام- فيما أوحى الله -عز وجل- إليه: إن أطعتني فأكثر إخوانك من المؤمنين، المعنى: إن واسيت الناس وأشفقت عليهم وسلم قلبك لهم ولم تحسدهم كثر إخوانك .

(وقال بعضهم: صحبت الناس خمسين سنة فما وقع بيني وبينهم خلاف) أي: مخالفة فيما يقتضي حقوق الصحبة (لأني كنت معهم) حاكما (على نفسي) كذا في القوت (ومن كانت هذه [ ص: 242 ] سمته) أي: علامته وصفته (كثر إخوانه) لا محالة ودامت ألفتهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية