إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
ومن تمام توقير المشايخ أن لا يتكلم بين أيديهم إلا بالإذن وقال جابر قدم وفد جهينة على النبي صلى الله عليه وسلم فقام غلام ليتكلم فقال صلى الله عليه وسلم : مه فأين الكبير .

؟ وفي الخبر وما وقر شاب شيخا إلا قيض الله له في سنه من يوقره .

وهذه بشارة بدوام الحياة فليتنبه لها فلا يوفق لتوقير المشايخ إلا من قضى الله له بطول العمر وقال صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظا والمطر قيظا وتفيض اللئام فيضا وتغيض الكرام غيضا ويجترئ الصغير على الكبير واللئيم على الكريم .

والتلطف بالصبيان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

كان صلى الله عليه وسلم يقدم من السفر فيتلقاه الصبيان
فيقف عليهم ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه .

ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم .

فربما تفاخر الصبيان بعد ذلك ، فيقول بعضهم لبعض : حملني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه وحملك أنت وراءه ، ويقول بعضهم : أمر أصحابه أن يحملوك وراءهم وكان يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة وليسميه فيأخذه فيضعه في حجره ، فربما بال الصبي فيصيح به بعض من يراه فيقول : لا تزرموا الصبي بوله فيدعه حتى يقضي بوله ثم يفرغ من دعائه له وتسميته ويبلغ سرور أهله فيه لئلا يروا أنه تأذى ببوله فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعده .


(ومن تمام توقير المشايخ) وتعظيمهم (أن لا يتكلم بين أيديهم إلا بإذن) منهم (قال جابر) بن عبد الله -رضي الله عنه- (قدم وفد جهينة) وهي قبيلة من قضاعة (على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقام غلام) أي: شاب بينهم (يتكلم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مه) أي: اكفف (فأين الكبير؟) .

قال العراقي: رواه الحاكم وصححه (وفي الخبر) عن النبي -صلى الله عليه وسلم- (ما وقر) أي: عظم (شاب شيخا) لأجل سنه (إلا قيض الله له) أي: سبب وقدر في سنته مجازاة له على فعله (من يوقره) بأن يقدر له عمرا يبلغ به إلى الشيخوخة ويقدر له من يكرمه. قال العراقي: رواه الترمذي من حديث أنس بلفظ: "ما أكرم ومن يكرمه" وقال: حديث غريب، وفي بعض النسخ: حسن، وفيه أبو الرحال وهو ضعيف. اهـ .

قلت: قوله: غريب، أقرب من قوله: حسن، وإن تبعه الجلال في جامعه فرمز لحسنه تبعا لهذه النسخة، والذي في نسخ الترمذي بعد أن أخرجه من طريق يزيد بن بيان عن أبي الرحال عن أنس وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد. اهـ .

قال ابن عدي: هذا حديث منكر. وقال الصدر المناوي: وفيه يزيد بن بيان العقيلي عن أبي الرحال خالد بن محمد الأنصاري، ويزيد ضعفه الدارقطني وغيره، وأبو الرحال واه، قال البخاري: عنده عجائب وعلق له، وقال الحافظ السخاوي: وقد رواه حزم بن أبي حزم القطعي عن الحسن البصري من قوله (وهذه بشارة بدوام الحياة فلينتبه لها فلا يوفق لتوقير الشيوخ إلا من قضي له بطول العمر) وهكذا ذكره ابن العربي في شرح [ ص: 260 ] الترمذي عن العلماء أنه فيه دليل على طول العمر لمن أكرم المشيخة، وقد دخل الشاعر السرقسطي مجلسا وقد هرم وهو يهرول في مشيه فتغامز عليه الأحداث فأنشأ يقول:


يا عائبا للشيوخ من أشر داخله للصبي من بذخ     اذكر إذا شئت أن تعيبهم
جدك واذكر أباك وابن أخ     من لا يعز الشيوخ لا يلتفت
يوما به سنه إلى الشيخ



(وقال -صلى الله عليه وسلم- : لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظا) لأبويه (والمطر قيظا) أي: ضعيفا (وتفيض اللئام فيضا) أي: يكثرون، يقال: فاض الماء إذا جرى بكثرة (ويغيض الكرام غيضا) أي: تذهب في الأرض ذهابا، فيقال: غاض الماء في الأرض إذا ذهب (ويجترئ الصغير على الكبير) فلا يحترمه لكبره (واللئيم على الكريم) .

قال العراقي: رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عائشة -رضي الله عنها- والطبراني من حديث ابن مسعود وإسنادهما ضعيف .

(وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقدم من السفر فيلقاه الصبيان) إذا خرجوا يتلقونه فرحا بقدومه (فيقف عليهم ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه و) بعضهم (من خلفه ويأمر أصحابه أن يرفعوا بعضهم لبعض) وفي نسخة: فيحملوا بعضهم (وربما تفاخر الصبيان بعد ذلك، فيقول بعضهم لبعض: حملني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين يديه وحملك وراءه، ويقول بعضهم: أمر أصحابه أن يحملوك وراءهم) .

قال العراقي: رواه مسلم من حديث عبد الله بن جعفر: كان إذا قدم من سفر تلقى بنا، فتلقى بي وبالحسن أو بالحسين، قال: فحمل أحدنا بين يديه والآخر خلفه، وفي رواية: تلقى بصبيان أهل بيته وأنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه، وفي الصحيحين أن عبد الله بن جعفر قال لابن الزبير: أتذكر تلقينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنا وأنت؟ قال: نعم؛ فحملنا وتركك. لفظ مسلم، وقال البخاري: إن ابن الزبير قال لابن جعفر، والله أعلم. اهـ .

قلت: رواه مسلم في الفضائل، وتمامه: فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة كذلك رواه أحمد وأبو داود في الجهاد .

(وكان -صلى الله عليه وسلم- يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة وليسميه فيأخذه فيضعه في حجره، فربما بال الصبي في حجره فيصيح به بعض من يراه) من الحاضرين (فيقول: لا تزرموا الصبي) أي: لا تقطعوا عليه (بوله) يقال: أزرم عليه بوله؛ أي: إذا قطعه وهو بتقديم الزاي على الراء (فيدعه) أي: يتركه (حتى يقضي بوله ثم يفرغ من دعائه له ويسميه) ويحنكه (ويبلغ سرور أهله فيه وأن لا يروا) وفي نسخة: لئلا يروا (أنه تأذى ببوله) في حجره (فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعد ذلك) وفي نسخة: بعدهم .

قال العراقي: رواه مسلم من حديث عائشة "كان يؤتى الصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم، فأتي بصبي فبال عليه فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله" وأصله متفق عليه، وفي رواية لأحمد: "فيدعو لهم" وفيه "صبوا عليه الماء صبا" وللدارقطني: بال ابن الزبير على النبي - صلى الله عليه وسلم- فأخذته أخذا عنيفا. الحديث، وفيه الحجاج بن أرطاة ضعيف، ولأحمد بن منيع من حديث الحسن بن علي عن امرأة منهم: بينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مستلقيا يلاعب صبيا إذ بال فقامت لتأخذه وتضربه، فقال: دعيه، ائتوني بكوز من ماء. الحديث، وإسناده صحيح. اهـ. قوله: وأصله متفق عليه يشير إلى أن البخاري قد رواه كذلك إلا أنه ليس عنده "ويحنكهم" وقد رواه أبو داود أيضا وسياقه كسياق مسلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية