إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الفائدة الثالثة .

الخلاص من الفتن والخصومات وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها والتعرض لأخطارها وقلما تخلو البلاد عن تعصبات وفتن وخصومات فالمعتزل عنهم في سلامة منها .

قال عبد الله بن عمرو بن العاص لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتن ووصفها وقال إذا رأيت الناس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه قلت: فما : تأمرني ؟ فقال : الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر الخاصة ودع عنك أمر العامة .

وروى أبو سعيد الخدري أنه صلى الله عليه وسلم قال : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن من شاهق إلى شاهق .

وروى عبد الله بن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال : سيأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من قرية إلى قرية ومن شاهق إلى شاهق ومن جحر إلى جحر كالثعلب الذي يروغ ، قيل له : ومتى ذلك يا رسول الله ? قال : إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله؛ تعالى فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة ، قالوا : وكيف يا رسول الله وقد أمرتنا بالتزويج ? قال : إذا كان ذلك الزمان كان هلاك الرجل على يد أبويه ، فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده ، فإن لم يكن فعلى يدي قرابته ، قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ? قال : يعيرونه بضيق اليد فيتكلف ما لا يطيق حتى يورده ذلك موارد الهلكة .

وهذا الحديث وإن كان في العزوبة فالعزلة مفهومة منه ؛ إذ لا يستغني المتأهل عن المعيشة والمخالطة ثم لا ينال المعيشة إلا بمعصية الله تعالى ولست أقول هذا أو أن ذلك الزمان؛ فلقد كان هذا بأعصار قبل هذا العصر ولأجله قال سفيان والله لقد حلت العزلة .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الفتنة وأيام الهرج قلت وما : الهرج قال : حين لا يأمن الرجل جليسه قلت : فبم تأمرني إن أدركت ذلك الزمان ? قال : كف نفسك ويدك وادخل دارك قال : قلت : يا رسول الله أرأيت إن دخل علي داري ? قال فادخل بيتك قلت: فإن : دخل علي بيتي ? قال : فادخل مسجدك واصنع هكذا وقبض على الكوع وقل ربي الله حتى تموت .

وقال سعد لما دعي إلى الخروج أيام معاوية : لا إلا أن تعطوني سيفا له عينان بصيرتان ولسان ينطق بالكافر فأقتله وبالمؤمن فأكف عنه ، وقال : مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجة بيضاء فبينما هم كذلك يسيرون إذ هاجت ريح عجاجة فضلوا الطريق فالتبس عليهم فقال بعضهم : الطريق ذات اليمين فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا وقال بعضهم : ذات الشمال فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا ، وأناخ آخرون وتوقفوا حتى ذهبت الريح وتبينت الطريق فسافروا .

فاعتزل سعد وجماعة معه فارقوا الفتن ولم يخالطوا إلا بعد زوال الفتن .


(الفائدة الثالثة

الخلاص من الفتن والخصومات بين الناس وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها) والدخول في غمارها (والتعرض لأخطارها) جمع خطر محركة (وقلما تخلو البلاد) في كل عصر وأوان (عن [ ص: 354 ] تعصبات) دنيوية (وفتن وخصومات) وشرور (فالمعتزل عنهم في سلامة منها) وفي نسخة: من ذلك (قال عبد الله بن عمرو بن العاص) -رضي الله عنهما- وقد تقدمت ترجمته (لما ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفتن) التي ستقع (ووصفها) كيف بك (إذا رأيت الناس مرجت عهودهم) أي: اضطربت (وخفت أماناتهم) أي: قلت: (وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه) إشارة إلى شدة الاختلاط (فقلت: ما تأمرني يا رسول الله؟ فقال: الزم بيتك واملك عليك لسانك) أي: لا تتكلم في شيء من أمورهم (وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر الخاصة ودع عنك أمر العامة) .

قال العراقي: رواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة بإسناد حسن. اهـ .

قلت: رواه الطبراني من حديث سهل بن سعد بلفظ: كيف ترون إذا أخرتم في زمان حثالة الناس وقد مرجت عهودهم ونذورهم فاشتبكوا فكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: تأخذون ما تعرفون وتدعون ما تنكرون ويقبل أحدكم على خاصة نفسه ويذر أمر العامة. ورواه البزار من حديث ثوبان بلفظ: كيف أنتم في قوم مرجت عهودهم وأيمانهم وأماناتهم وصاروا هكذا وشبك بين أصابعه؟ قالوا: كيف نصنع يا رسول الله؟ قال: اصبروا وخالقوا الناس بأخلاقهم وخالفوهم في أعمالهم.

(وروى أبو سعيد الخدري) -رضي الله عنه- (أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: يوشك) بكسر الشين أي: يقرب، وفتحها لغة رديئة (أن يكون خير مال المسلم غنم) يجوز في لفظة: "خير" الرفع والنصب، فالرفع على الابتداء وخبره غنم، وفي يكون ضمير الشأن؛ لأنه كلام تضمن تحذيرا وتعظيما لما يتوقع، قاله ابن مالك، وقال الحافظ: لكن لم تجئ به الرواية، وأما النصب فعلى كونه خبرا يكون مقدما على اسمه وهو قوله "غنم" ولا يضر كون "غنم" نكرة؛ لأنها وصفت بـ"يتبع بها" والأشهر في الرواية نصب خير وفي رواية الأصيلي برفع خير ونصب غنم على الخيرية .

قال العيني: وهو ظاهر .

(يتبع بها) أي: بالغنم بالتشديد والتخفيف وخصت بذلك لما فيها من السكينة والبركة وسهولة القياد وكثرة النفع وخفة المؤنة، وجعلت خير مال المسلم لما فيها من الرفق والربح وصيانة الدين (شعاف الجبل) كذا في النسخة والرواية "شعف الجبال" محركة جمع شعفة محركة أيضا ويجمع أيضا على شعوف وشعاف وهو رأس الجبل (ومواقع القطر) أي: مساقط الغيث (يفر بدينه) أي: بسبب دينه (من الفتن) أي: من فساد ذات الفتن وغيرها، ففيه الدلالة على فضل العزلة في أيام الفتن إلا أن يكون من له قدرة على إزالة الفتن فإنه يجب عليه السعي في إزالتها، إما فرض عين أو كفاية بحسب الحال والإمكان، أخرجه مالك وأحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان.

(وروى عبد الله بن مسعود) -رضي الله عنه- (أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: سيأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من قرية إلى قرية ومن شاهق إلى شاهق) وهو الجبل العالي (ومن حجر إلى حجر كالثعلب الذي يروغ، قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله؛ فإذا كان ذلك الزمان) فقد (حلت العزوبة، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله وقد أمرتنا بالتزويج؟ قال: إذا كان ذلك الزمان كان هلاك الرجل على يد أبويه، فإن لم يكن له أبوان فعلى يد زوجته وولده، فإن لم يكن فعلى يدي قرابته، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: يعيرونه بضيق المعيشة فيتكلف ما لا يطيق حتى يوردوه موارد الهلكة) .

وقد روي مختصرا: يأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر به من شاهق إلى شاهق أو من جحر إلى جحر كالثعلب بأشباله، وذلك في آخر الزمان إذا لم تنل المعيشة إلا بمعصية الله، فإذا كان كذلك حلت العزوبة، يكون في ذلك الزمان هلاك الرجل على يدي أبويه إن كان له أبوان، فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده، فإن لم يكن له زوجة أو ولد فعلى يدي الأقارب والجيران يعيرونه بضيق المعيشة ويكلفونه ما لا يطيق حتى يورد نفسه الموارد التي يهلك فيها. رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الزهد والخليلي في الإرشاد والرافعي في التاريخ .

(وهذا الحديث) تقدم ذكره في كتاب أسرار النكاح (وهو إن كان في العزوبة فالعزلة مفهومة [ ص: 355 ] منها؛ إذ لا يستغني المتأهل عن المعيشة والمخالطة ثم لا تنال المعيشة إلا بمعصية الله) -عز وجل- (ولست أقول ذاك أو أن ذلك الزمان؛ فلقد كان هذا بأعصار قبل هذا العصر ولأجله قال سفيان) بن سعيد (الثوري) -رحمه الله تعالى- (والله لقد حلت العزوبة) وتقدم قريبا .

(وقال ابن مسعود) -رضي الله عنه- (ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيام الفتنة وأيام الهرج) بفتح فسكون (قلت: متى الهرج) يا رسول الله (قال: حين لا يأمن الرجل جليسه) أي: من بوائقه (قلت: فبم تأمرني إن أدركت ذلك الزمان؟ قال: كف نفسك ويديك) أي: عن المباشرة (وادخل دارك) وأغلق عليك الباب (قال: قلت: أرأيت يا رسول الله إن دخل علي داري؟ قال فادخل بيتك) أي: داخل الدار (قال: إن دخل علي بيتي؟ قال: فادخل مسجدك) أي: المخدع الذي تصلي فيه داخل البيت (واصنع هكذا وقبض على الكوع) هو طرف الزند الذي يلي الإبهام (وقل ربي الله حتى تموت) .

قال العراقي: رواه أبو داود مختصرا والخطابي في العزلة بتمامه وفي إسناده عند الخطابي انقطاع وصله أبو داود بزيادة رجل اسمه سالم يحتاج إلى معرفته اهـ .

قلت: إن كان هو الراوي عن ابن مسعود فهو سالم البراد أبو عبد الله الكوفي روى عنه عبد الملك بن عمير وإسماعيل بن أبي خالد وثقه صالح جرزة .

(وقال سعد) بن أبي وقاص -رضي الله عنه- (لما دعي إلى الخروج أيام معاوية) وكان الداعي له على الخروج ابنه عمر بن سعد وابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص (قال: لا إلا أن تعطوني سيفا له عينان بصيرتان ولسان ينطق بالكافر فأقتله وبالمؤمن فأكف عنه، وقال: مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجة بيضاء) أي: طريق واضح غير ملتبس وهو طريق الإسلام (فبينما هم كذلك يسيرون إذ هاجت) عليهم (ريح عجاجة) أي: ذات عجاج (فضلوا في الطريق والتبس عليهم) أي: اشتبه فاختلفوا (فقال بعضهم: الطريق ذات اليمين فأخذوا فيها فضلوا وقال بعضهم: بل الطريق ذات الشمال فأخذوا فيها فتاهوا، وأناخ آخرون وتوقفوا حتى هبت الريح وتبين الطريق) وانكشف الحال (فاعتزل سعد وجماعته) ممن ينتمي إليه بقصره بالعقيق وأمر أهله أن لا يخبروه بشيء من أخبار الناس حتى تجتمع الأمة على إمام فلم يزل كذلك حتى مات .

(ففاز وأمن الفتن ولم يخالط الناس إلا بعد الفتن) ولحق عمر بن سعد بمعاوية ولحق هاشم بعلي، وروي أن عليا -رضي الله عنه- سئل عن الذين قعدوا عن بيعته والقيام معه فقال: أولئك قوم خذلوا الحق ولم ينصروا الباطل.

التالي السابق


الخدمات العلمية